العنوان مدح وذم
الكاتب الأستاذ الدكتور جابر قميحة
تاريخ النشر السبت 01-أكتوبر-2011
مشاهدات 58
نشر في العدد 1971
نشر في الصفحة 48
السبت 01-أكتوبر-2011
شخصية الحمار في الفكر والأدب (3)
- قال أعرابي : الحمار بئس المطية كثير الروث قليل الغوث سريع إلى الفرارة بطيء في الغارة
- وقال آخر: لا توقى به الدماء ولا تمهر به النساء ولا يحلب في الإناء
- قال أحدهم في مدحه : من أقل الدواب مؤنة وأكثرها معونة وأخفضها مهوى وأقربها مرتك
- من عجيب أمره أنه إذا شم و رائحة الأسد رمى نفسه عليه من شدة الخوف
جاء في كتاب حياة الحيوان الكبرى للدميري تحت عنوان الحمار الأهلي الحمار جمعه حمير وحمر وأحمرة، وربما قالوا للأنثى حمارة. ويقال للحمارة «أم جحش»، و «أم نافع»، و«أم وهب»، وليس من الحيوانات ما ينزو على جنسه ويلقح إلا الحمار والفرس ومنه نوع يصلح الحمل الأثقال، ونوع لين الأعطاف، سريع العدو، يسبق براذين الخيل، ومن عجيب أمره أنه إذا شم رائحة الأسد رمى نفسه عليه من شدة الخوف يريد الفرار منه.. قال حبيب بن أوس الطائي يخاطب عبد الصمد بن المعدل وقد هجاه:
أقدمت ويحك من هجوي على خطر *** والغير يقدم من خوف على الأسد
ويوصف بالهداية إلى سلوك الطرقات - التي مشى فيها ولو مرة واحدة، وللناس في مدحه وذمه أقوال بحسب الأغراض، حتى أن منهم من يفضله على ركود البراذين، ومن هؤلاء قول أحدهم إذ سُئل عن ركوب الحمار فقال: إنه من أقل الدواب مؤنة، وأكثرها معونة، وأخفضها مهوى وأقربها مرتك.. بينما قال أحد الأعراب الحمار شنار، والعير عار منكر الصوت لا ترقأ به الدماء، ولا تمهر به النساء، وصوته أنكر الأصوات وفي الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ قال: «أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله صورته صورة حمار»؟!
وهذا دليل على جواز وقوع المسخ – أعاذنا الله منه - وهو لا يكون إلا من شدة الغضب. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (60)﴾ (المائدة: 60).
فائدة
قال تعالى : ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لَيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَل مَنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتينك سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيْزٌ حَكِيْمٌ (260)﴾ (البقرة: 260).. وكان سبب هذا السؤال من إبراهيم عليه السلام أنه مر على داية ميتة بساحل البحر، وكانت ل ،حمار، وقد توزعها دواب البحر والبر وكان البحر إذا مد جاءت الحيتان ودواب البحر فأكلت منها، وكذلك سباع البر وطيوره، فلما رأى إبراهيم ذلك تعجب منها وسأل سؤاله هذا.
وقيل: إن سبب هذا السؤال من إبراهيم عليه السلام أنه لما احتج على «نمرون»، قال: ربي الذي يحيي ويميت، فقال «نمروذ»: أنا أحيي وأميت؛ فقتل رجلا وأطلق آخر، فجعل ترك القتل إحياء، فقال إبراهيم عليه السلام إن الله يقصد إلى جسد الميت فيحييه، فقال له «نمروز»: أنت عايشته؟ فلم يقدر أن يقول نعم، فانتقل إلى حجة أخرى، ثم سأل ربه أن يريه كيف يحيي الموتى.
وقد قال النبي ﷺ: «نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تَحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنِ قَالَ بَلَى وَلَكِن لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾، ورحم الله لوطا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي».
فائدة أخرى
قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (259)﴾( البقرة: 259) وهذه منسوقة على الآية التي قبلها تقديره: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258) ﴾ (البقرة: 258). وقد اختلف المفسرون أهل السير في ذلك المار، وأصح الأقوال أنه عزير بن شرخيا، وقال مجاهد: هو كافر شك في البعث، واختلفوا في تلك القرية إلى أقوال متعددة.
خصائص وصفات
وورد في كتاب «المستطرف في كل فن مستظرف» لشهاب الدين محمد بن أحمد أبي الفتح الأبشيهي المحلي ( ٧٩٠ - ٨٥٠هـ) أن: الحمار الأهلي معروف، ليس في الحيوان من ينزو على غير جنسه إلا هو والفرس، ونزوه بعد تمام ثلاثين شهرًا، وكنيته «أبو جحش» وغير ذلك، وهو أنواع؛ فمنه ما هو لين الأعطاف سريع الحركة، ومنه ما هو بضد ذلك، ويوصف بالهداية إلى سلوك الطريق.
وكان حمار «أبي يسارة» مثلاً في الصحة والقوة، وهو حمار أسود، حمل الناس عليه من منى إلى المزدلفة أربعين سنة، وكان خالد بن - صفوان والفضل بن عيسى الركاشي يختاران - ركوب الحمار، ويجعلان أبا يسارة قدوة لهم1 وحجة .. وقال أعرابي : الحمار بئس المطية، إن - أوقفته أدلى، وإن تركته ولى كثير الروث، قليل ت الغوث، سريع إلى الفرارة، بطيء في الغارة، لا توقى به الدماء، ولا تمهر به النساء، ولا يحلب في الإناء.
قال الزمخشري: «إن الحمار ومن فوقه... حماران شرهما الراكب» ومن العرب من لا يركبه أبدًا، ولو بلغت به الحاجة والجهد قبل كان الرجل بالبادية حمار وكلب وديك، فالديك يوقظه للصلاة، والكلب يحرسه إذا نام والحمار يحمله إناثه إذا رحل قال: فجاء الثعلب فأكل الديك، فقال: عسى أن يكون خيرًا. ثم أصيب الكلب بعد ذلك فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، عسى أن يكون خيرًا. ثم جاء الذئب فيقر بطن الحمار فقال: عسى أن يكون خيرا . قال: ثم إن جيرانه من الحي أغير عليهم فأخذوا، فأصبح ينظر إلى منازلهم وقد خلت فقيل لهم: إنما أخذوا بأصوات دوابهم فقال: إنما كانت الخيرة في هلاك ما عندي، فمن عرف لطف الله رضي بفعله.
عجائب المخلوقات
ونقف مع كتاب عجائب المخلوقات والحيوانات وغرائب الموجودات للإمام العالم زكريا بن محمد بن محمود القزويني، وهو على هامش الحياة الكبرى للدميري: حمار حیوان خدر الأعضاء من غاية البرودة كدر القوى إلا الحافظة، فإنه إذا مشى بطريق لا ينساه بعد ذلك، وإذا ضل المكاري طريقه قدم حمارا قارها، ويخلي سبيله يمشي كما أراد يمينا وشمالا، فإنه يعثر بالطريق، وإذا وقع بالطريق يحرك رأسه وأذنيه وذيله يعني إذا أصاب الطريق.
وزعموا أن الكلب إذا سمع نهيق الحمار يتألم ظهره، وإذا سد أذناه لا ينهق، وإذا رأى الأسد وقف مكانه وربما عدا إليه، يحسب أن ذلك ينفعه من سطوته، كما أن الشاة إذا تسلمها الذئب فإنها تعدو مع الذئب تحسب أن ذلك ينفعها من سطوته.
وقال «بليناس» في كتاب «الخواص»: إذا حملت خنزيرًا عطشانًا على ظهر حمار، فإذا شرب الحمار مات الخنزير .