العنوان شرح حديث الإنكار على الأمراء
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 08-أكتوبر-1985
مشاهدات 65
نشر في العدد 736
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 08-أكتوبر-1985
●
قال الإمام النووي:
«لا يأثم بمجرد
السكوت، بل إنما يأثم بالرضا به، أو بأن لا يكرهه بقلبه، أو بالمتابعة عليه».
● عائذ يقول
لعُبيد الله «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن شر الرعاء الحطمة. فإياك أن تكون
منهم».
الابتعاد عن
الإنكار باليد
القاعدة الأولى
- الابتعاد عن الإنكار باليد:
ويفضل الابتعاد
عن الإنكار باليد معهم ما كان لذلك سبيل، كما ذكرنا ذلك في أكثر من موضع، ونظرًا
لما يترتب على ذلك من الضرر الكثير للدعوة والدعاة، ولا تستخدم اليد في رد المنكر
من أصحاب النفوذ إلا في حالة الدفاع عن النفس والعرض.
القاعدة الثانية
- الحكمة بالإنكار باللسان:
فمن أمكنه تغيير
منكر السلطان باللسان، فله ذلك ولكن بالحكمة والموعظة الحسنة، بل ويكون ذلك
مرغوبًا فيه إذا كان السلطان يستمع أو أنه مجبور على الاستماع بسبب ضغط شعبي أو
لأي سبب آخر، وللحكمة صور كثيرة يمكن تطبيق كل منها في الوقت المناسب والظرف
المناسب، وإحدى هذه الصور إظهار حرص الداعية على السلطان وخوفه عليه من النار.
● مفتي السلطان
سليم:
وهذه الصورة من
صور الحكمة نراها تتجسد في المفتي علاء الدين الجمالي الذي استطاع بحكمته منع كثير
من الظلم الذي كان يقترفه السلطان سليم تاسع ملوك آل عثمان.
يصفه الشيخ علي
الطنطاوي بقوله: «كان القتل أهون شيء عليه، خنق إخوته لما خشي أن يزاحموه على
المُلك، وقتل سبعة عشر من أهل بيته، وسبعة من وزرائه، رد عليه الصدر الأعظم يونس
باشا «رئيس وزرائه» كلمة، كان الحق فيها مع الوزير، فأمر بضرب عنقه فضربت عنقه قبل
أن يتم جملته، ودفن في موضع مصرعه، في خان يونس بالقرب من غزة، ولما ترك للشراكسة
في مصر أوقافهم، قال له رئيس وزرائه «بري باشا»: يا مولانا، فني مالنا وعساكرنا في
حربهم، وتبقي لهم أوقافهم يستعينون بها علينا؟ وكانت رجل السلطان في الركاب فأشار
إلى الجلاد، فقطع عنق الوزير، فصار رأسه على الأرض، قبل أن يصير السلطان على ظهر
الفرس» (200).
هذه هي صفات هذا
السلطان، الذي لا يعرف لغة غير لغة الدماء، ولا يتردد بالإشارة لقتل كل من يعارضه
في أي شيء من الأشياء، ومع ذلك ينبري له العالم الجليل المفتي «علاء الدين علي
الجمالي» والذي كان على عِلم ودراية بكيفية الإنكار على هذا النمط من أصحاب
النفوذ، وكيفية قتل جبروتهم وإسالة دماء كبريائهم، وإذابة هيبتهم أمام هيبة الله عز وجل، وكان المفتي علاء الدين قد تولى التدريس
والفتوى ستًا وعشرين سنة، على عهد السلطان «بيازيد» والسلطان «سليم» وابنه السلطان
«سليمان القانوني» فها نحن نراه يستأذن بالدخول على السلطان سليم في بلاطه «فدخل
وسلم عليه وجلس، والسلطان ينظر إليه وقد بدت بوادر الغضب على محياه، وسكت محنقًا
يرقب ما يأتي به الشيخ الذي دخل عليه بلا دعوة، وجلس أمامه بلا إذن.
فقال الشيخ:
وظيفة أرباب الفتوى أن يحافظوا على آخرة السلطان، وقد أمرت بقتل مئة وخمسين من
العمال، لا يجوز قتلهم شرعًا، فعليك بالعفو عنهم.
فطار الغضب بعقل
السلطان من هذه الجرأة عليه، ولم يعد يبصر من أمامه، ثم ضبط نفسه، وأراد ردعه من
غير قتله.
وقال له: إنك
تتعرض لأمر السلطنة، وليس ذلك من وظيفتك. وأعرض عنه، وارتقب أن يكف الشيخ وينصرف.
ولكن الشيخ قال
له: بل أتعرض لأمر آخرتك، وإنه من وظيفتي، ومهما عشت فإنك ميت، ومعروض على الله،
وواقف بين يديه للحساب، فإن عفوت فلك النجاة، وإلا فإن أمامك جهنم، لا يعصمك منها
ملكك، ولا ينجيك سلطانك» (201).
ألان الله بهذه
الكلمات قلب السلطان، وارتعدت بكلمات الحق فرائصه، وبحكمة ذلك العالم الجليل
وذكائه والذي كان يحاول إشعاره بأنه مشفق عليه، حريص على آخرته، وأن من واجباته أن
يدله على طريق الجنة، ويباعده من طريق النار، أصدر السلطان أمرًا بالعفو عن
العمال.
القاعدة
الثالثة- ترك الإنكار باللسان:
أما إن كان
السلطان من أصحاب البطش والقسوة، فحفظًا للحركة الإسلامية وأفرادها، ترجأ عملية
الإنكار باللسان إلى أن يهيئ الله وضعًا يستطاع فيه الإنكار باللسان، وهذا لا يعني
عدم الإنكار بالقلب، وأنه كما قال الإمام النووي «لا يأثم بمجرد السكوت، بل إنما
يأثم بالرضا به، أو بأن لا يكرهه بقلبه، أو بالمتابعة عليه».
هكذا تظل جذوة
الإنكار مشتعلة في قلبه، حتى يغير الله وضعًا يستطيع فيه أن ينكر بلسانه أو بيده
لتحرق تلك الجذوة الكامنة في قلبه المنكر الذي سكت عنه أيام الفتنة. وهكذا يكون فن
الإنكار وفقهه، فلا نستبق المراحل حتى لا نندم.
● عائذ مع الأمر
بقتل الحسين:
وها نحن نرى
فقهًا عميقًا من الصحابي الجليل «عائذ بن عمرو بن هلال، وكان ممن بايع بيعة
الرضوان تحت الشجرة، وكان من صالحي الصحابة»(202) في نصيحته للأمر بقتل الحسين
«عبيد الله بن زیاد» وكان أميرًا على العراق أيام يزيد، فقد «دخل على عبيد الله بن
زياد:
فقال: أي بُني
إني سمعت رسول الله يقول: «إن شر الرعاء الحطمة. فإياك أن تكون منهم».
فقال له: اجلس،
فإنما أنت من نخالة أصحاب محمد.
فقال: وهل كانت
لهم نخالة؟ إنما كانت النخالة بعدهم وفي غيرهم» (203).
وقول ابن زياد
للذي بايع بيعة الرضوان «إنما أنت من نخالتهم».
«يعني لست من
فضلائهم وعلمائهم، وأهل المراتب منهم، بل من سقطهم، والنخالة هنا استعارة من نخالة
الدقيق، وهي قشوره»(204).
ومع هذه
البذاءة، وهذا الطعن الموجه للصحابي الكريم، لم يرد عليه كلامًا موجهًا لذاته،
إنما جعل رده عامًا «إنما كانت النخالة بعدهم وفي غيرهم». وهكذا يكون فقه الإنكار
مع سلطان جائر، لا يعرف إلا البطش والدماء، والذي رخص عنده دم ابن بنت رسول الله،
أفلا يرخص عنده دم عائذ بن عمرو؟!
● عندما يحول
السيف دون الكلام:
كان يزيد بن
المهلب واليًا على البصرة أيام سليمان بن عبد الملك، وكان عمر بن عبد العزيز يبغضه
وأهل بيته لما اتصفوا به من التعالي على الناس، وأخذ أموالهم بغير حق، وكان عمر بن
عبد العزيز يقول فيهم «هؤلاء جبابرة، ولا أحب مثلهم»(205). وكان يزيد يبادل عمر
البغضاء، فعندما تسلم عمر الخلافة عزله عن البصرة، وأتي به ليحاكمه عن الأموال
التي كان يرسل بها إلى سليمان، ولكنه رفض أن يسلمه شيئًا منها، فأمر بحبسه.
وعندما سمع بمرض
عمر، خاف أن يملك بعده يزيد بن عبد الملك والذي كان يبغضه بغضاء شديدة، فهرب من
محبسه، وكتب إلى عمر وهو في مرض موته:
«إني والله لو
علمت أنك تبقى ما خرجت من محبسي، ولكني لم آمن يزيد بن عبد الملك، فقال عمر: اللهم
إن كان يريد بهذه الأمة شرًا فاكفهم شره، وأردد كيده في نحره»(206).
وبعد أن مات عمر،
ذهب يزيد إلى البصرة، وتغلب على أهلها، وحبس عامل الخليفة، وخلع يزيد بن عبد
الملك، ورام الخلافة لنفسه، وكان أشد الناس بغضًا له الإمام الحسن البصري، وعندما
علم أنه يريد مواجهة جيش الخليفة يزيد بن عبد الملك ويستحث أهل البصرة لذلك قال
فيه «يا عجبًا لفاسق من الفاسقين، ومارق من المارقين، غير برهة من دهره يهتك لله
في هؤلاء القوم كل حرمة، ويركب له فيهم كل معصية، ويأكل ما أكلوا، ويقتل من قتلوا،
حتى إذا منعوه لماظة كان يتلمظها قال: أنا لله غضبان فاغضبوا»(207).
وعندما علم ابن
المهلب وأتباعه بذلك كادوا أن يقتلوه لولا خوفهم من انقلاب أهل البصرة عليهم، في
مثل هذا الجو المكهرب المتوتر يدخل المعلى بن زياد الصدوق الزاهد أحد أصحاب الحسن
البصري، يدخل على الحسن ويقول له «يا أبا سعيد كيف بهذه الآية من كتاب الله؟
قال: أية آية من
كتاب الله؟
قال: قول الله
في هذه ﴿وَتَرَىٰ كَثِيرًا مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ
وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (المائدة:62).
قال: يا أبا عبد
الله، إن القوم عرضوا السيف فحال السيف دون الكلام.
فقال له: يا أبا
سعيد فهل تعرف لمتكلم فضلًا؟
قال: لا.
قال المعلى: ثم
حدثت بحديثين قال: حدثنا أبو سعيد الخدري عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم بحديث قال: قال رسول الله «لا يمنعن أحدكم رهبة
الناس أن يقول بحق إذا رآه أو يذكر بعظيم، فإنه لا يقرب من أجل، ولا يبعد من رزق»(208).
قال: ثم حدث
الحسن بحديث آخر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس للمؤمن أن يذل
نفسه، قيل وما إذلاله نفسه؟ قال: يتعرض من البلاء لما لا يطيق»(209).
● تراجع صفة
المحكمة في فصل – صفات – المنكرين.
الهوامش:
(200) رجال من
التاريخ 215 – 217.
(201) رجال من
التاريخ 215 – 217.
(202) أسد
الغابة 3/147، 148.
(203) رواه مسلم
23 – الإمارة.
(204) شرح مسلم
للنووي 12/216.
(205) وفيات
الأعيان 6/299.
(206) وفيات
الأعيان 6/301.
(207) وفيات
الأعيان 6/304.
(208) أخرج
الإمام أحمد نحو هذا الحديث وقال الساعاتي «وسنده حسن». الفتح الرباني 19/174.
(209) وللحديث
بقية، قال الهيثمي «رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح» مجمع الزوائد 7/274.