العنوان شر البلية ما يفضح! هيكل وعبدالناصر وعبدالحكيم عامر في مشهد كاريكاتوري ومأساوي في خضم كارثة ١٩٦٧م
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 19-سبتمبر-2000
مشاهدات 47
نشر في العدد 1418
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 19-سبتمبر-2000
نشرت مجلة الكتب: وجهات نظر التي تصدر من القاهرة في عددها الأخير أغسطس (۲۰۰۰م) مقالًا للصحفي المخضرم محمد حسنين هيكل عرض فيه لكتاب عن الحرب العالمية الثانية من تأليف جون لوكاس وربطه بجزء من مذكرات كان قد دونها يوم 9 يونيو ١٩٦٧م، أي ثالث يوم من وقوع الكارثة المدوية، وقد روى هيكل ضمن هذا الجزء من مذكراته وقائع ما جرى بينه وبين جمال عبد الناصر في مقابلة استمرت عشر ساعات من الساعة السابعة إلا خمس دقائق صباحاً إلى ما بعد ظهر يوم الجمعة يونيو ١٩٦٧م، وأثناء المقابلة انضم إليهما المشير عبد الحكيم عامر عبر التليفون لمدة، نقل إلينا هيكل ما دار فيها من حوار بين ثلاثتهم بشأن تطورات الكارثة التي حلت بمصر آنذاك على أيدي جيش العدو الصهيوني، وسننقل هنا ما رواه هيكل معتمدًا على مذكراته التي سجلها آنذاك ونشرها في مقاله الذي أشرنا إليه، ثم نعلق على روايته وهي - حرفيًا – كالآتي:
قال هيكل وجدت جمال عبد الناصر واقفًا أمام مكتبه يتكلم في التليفون- وأومأ أن انتظر، ثم أشار إلى مقعد أمام المكتب كي أجلس لم أفعل. ابتعدت حتى يتكلم على حريته (...) لا ينبغي أن أركز الإصغاء أصغيت فهمت بعد عبارتين أنه يتحدث مع عبدالحكيم عامر، نظر إلى أدرك أنني أخذت أتابع وضع يده على بوق سماعة التليفون وجه إلى الكلام: «عبد الحكيم». ثم استطرد: وصلته عبد الحكيم عامر معلومات بأن قوات إسرائيلية تعبر القناة الآن من الشرق إلى الغرب قلت على الفور: مستحيل - أشار مستفهمًا كررت ما قلته. رفع يده عن بوق التليفون وقال لعبد الحكيم انتظر هيكل دخل عندي الآن ويظهر أن له رأيًا؟ - التفت إلى جمال عبد الناصر وسماعة التليفون ما تزال في يده، وإن أبعدها ونزل بها إلى قرب سطح المكتب سألني لماذا مستحيل؟ - كان ردي أن ذلك لا يمكن أن يكون معقولًا إسرائيل بوصولها إلى الضفة الشرقية لقناة السويس حققت أكثر مما كانت تحتمله حقائق الواقع على الأرض، وصول القوات الإسرائيلية إلى قناة السويس بعد زحف طويل وسريع ومنهك يفرض عليها أن تنتظر ولو لإعادة تجميع الصفوف، قبل أي حركة جديدة، أي تقدم في الغرب الآن معناه أن الجيش الإسرائيلي سوف يبدأ نوعًا جديدًا من المعارك لا يريده كما أنه ليس مستعدًا له، لأن أي معارك في الغرب سوف تكون معارك مدن أو قرب مدن وسط تجمعات سكانية. نظرية الحرب الإسرائيلية لا تقبل هذا النوع من الحروب الذي يكلف أرواحًا بشرية عالية.
لخص جمال عبد الناصر العبد الحكيم عامر ما سمع مني، ثم ناولني سماعة التليفون أشرح بنفسي وجهة نظري لعبد الحكيم، أعدت عليه ما قلت قال: هذا كلام نظري فات وقته قلت هذا جائز لكن مازلت أعتقد بصحته، وأخشى أن المعلومات التي وصلت إليه أملتها الظروف التي أثرت على أعصاب بعض الضباط والجنود في الجبهة، لم يرد جمال عبد الناصر على ما يظهر أن يطول الجدل، أخذ سماعة التليفون وطلب من عبد الحكيم أن يتأكد بنفسه من قيادة القوات سأله: أين مرتجي اللواء عبد المحسن مرتجي قائد القوات البرية في الجبهة لم أسمع رد عبد الحكيم عامر ختم جمال عبد الناصر بقوله: حاول - لم أعرف ما هو المطلوب من عبد الحكيم محاولته - ربما الاتصال بمرتجي انتهى كلام محمد حسنين هيكل، حول هذا المشهد.
نحن مضطرون لتصديق هيكل فيما رواه، وظل محتفظاً به لأكثر من ثلاثين عامًا بعد وقوع كارثة ١٩٦٧م، وكلما أعاد المرء النظر فيما كتبه. ونقلناه بنصه - تجلى أمامه ذلك المشهد الهزلي الكاريكاتوري الذي لا يبعث على الضحك بقدر ما يبعث على الأسى والحسرة مما آل إليه أمر مصر في ظل العهد الناصري وحاشيته وعلى رأسهم هيكل نفسه الذي صور نفسه في قلب هذا المشهد باعتباره الفيلسوف «بيدبا» صاحب الحكمة الذي يرجع إليه الملك دبشليم في كل صغيرة وكبيرة - على نحو ما أورده ابن المقفع في كتاب كليلة ودمنة (مع الاعتذار لبيديا الذي كان حكيمًا وفيلسوفًا حقًا).
ثلاثة من كبار رؤوس الدولة عبد الناصر وهكيل وعامر يتناقشون في أمر الهزيمة على هذا النحو الهزلي الذي يصيب القارئ بالقرف من ذلك العهد كله، وبخاصة عندما يعيد المرء قراءة ما كتبه هيكل أكثر من مرة، فلا يخرج إلا بنتيجة واحدة هي أنه بصدد قراءة فصل هزلي سقيم من مسرحية تنتمي إلى عالم اللامعقول واللامنطق وأكثر من ذلك أن كاتبها لا يحترم عقول قرائه.
قال سيادته إنه لما نقل له جمال عبد الناصر ما قاله عبد الحكيم عامر من أن قوات إسرائيلية تعبر القناة الآن من الشرق إلى الغرب»، قال: قلت على الفور مستحيل. فلما استفهم عبد الناصر لماذا مستحيل - بعد أن قال لعبد الحكيم عامر انتظر هيكل دخل عندي الآن ويظهر أن له رأيًا؟ (!!) قال هيكل كان ردي أن ذلك لا يمكن أن يكون معقولًا ... إلخ»، وهكذا فإن الفيلسوف يرد على معلومات ينقلها المسؤول العسكري الأول إلى رئيس الجمهورية برأي يؤكد فيه أن الأمر غير معقول ومستحيل، ثم يستطرد شارحًا موقف الجيش الإسرائيلي وكيف أنه كان في موقف صعب لا وعبد الحكيم عامر - وحتى عندما يعترض عليه عامر يمكنه أن يعبر القناة ... إلخ، وكأن الموقف كان يتطلب أن يعالج بمثل هذا النوع من السفسطة الفارغة والهزلية المبكية التي تصل إلى ذروتها المتساوية عندما يظهر الزعيم جمال عبد الناصر وهو يقوم حسب رواية هيكل - بدور المحولجي بين هيكل ويقول له: له هذا كلام نظري فات وقته، يصر السيد الفيلسوف على رأيه قائلًا: هذا جائز، لكن ما زلت أعتقد بصحته . ولنلاحظ أن موضوع الحوار هو معلومات عن تقدم قوات العدو الصهيوني نحو الغرب عبر قناة السويس ولا يريد السيد الفيلسوف أن يتنازل عن رأيه (1)، ولو إلى حين التأكد من صحة هذه المعلومات.
إن النص الذي أوردناه حرفيًا نقلًا عن هيكل نفسه مليء بالمعاني العبثية وبمشاهد فائقة الجودة من مسرح اللامعقول، فضلًا عن أنه يجسد حالة النرجسية التي يعاني منها تجسيدًا بارعًا، هذا إن قرأناه قراءة أدبية. أما إن كان ما قاله هيكل حقيقة ويريدنا أن نصدقه فيما قال فأبسط ما يجب عمله هو أن يحال إلى التحقيق، وأن يحاكم أمام القضاء العسكري بتهمة تضليل القيادة بآرائه تلك التي أكد لنا بنفسه أنه عرضها ودافع عنها، وربما أقنع بها كلًا من رئيس الدولة والقائد العام للقوات المسلحة في ذلك الموقف العصيب، وإبان تلك الكارثة التي لا تزال الأمة تعاني من آثارها، ولك الله يا مصر.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل