; شعاع من القلب: الرؤية المستقبلية | مجلة المجتمع

العنوان شعاع من القلب: الرؤية المستقبلية

الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين

تاريخ النشر الثلاثاء 23-مايو-2000

مشاهدات 68

نشر في العدد 1401

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 23-مايو-2000

إن صلح القلب صلحت الجوارح والأعمال، وسلمت الحياة من العطب، فالقلب موضع نظر الرحمن، وهو العضو الذي ينبغي أن يوجه إليه كل اهتمام، وإذا التقت القلوب على أمر واتفقت عليه قامت بينها موجات أثيرية تكشف الطريق أمام جموع المؤمنين وجماهير الموحدين.

استشراف المستقبل:

الحركة التطلعية في الإنسان نحو الأفضل تكاد تكون مرتكزة في طبيعته لا تفارقه، فما من إنسان على وجه الأرض إلا وله آمال يريد أن يحققها، وأحلام يرجو أن يراها واقعًا، وكل فرد إنما يتطلع للمستقبل من خلال نظرته التي ينظر بها في الحياة، تلك التي تصطبغ بالصبغة الفكرية العقلية، أو الشعورية الوجدانية، أو الحسية المادية، ولذلك تختلف أمال الناس وتطلعاتهم لأنفسهم ولأمتهم، لكن هذه الآمال لا تنعدم ولا تتوقف إلا إذا توقفت الحياة ذاتها .

 والإسلام منذ مجيئه يوجه الناس إلى الاهتمام بالمستقبل اهتمامًا كاملًا لا يقل عن اهتمامه بالحاضر، بل قد يزيد، إن الدين قد ربط اليوم الآخر -وهو مستقبل وراء هذه الحياة الدنيا- بالإيمان بالله، فقد جاء في كتاب الله ﴿وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (البقرة: 177)، ومعنى ذلك أن المسلم يهتم بالمستقبل ابتداء من لحظته الحاضرة إلى يوم القيامة، وأنه مستعد لهذا المستقبل دائمًا، فهو في حياته الآتية يخطط لغده في ضوء معرفته بما يدور حوله، إنه -دائمًا- متطلع للأفضل، مشمر عن ساقه في سبيل الصلاح والإصلاح له ولأمته والبشر أجمعين.

والمسلم ينظر للمستقبل بعين تفاؤلية رغم شدة الظلام، وهذا أمر بينه الشرع عندما طالب المسلمين بحسن الظن بالله تعالى، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يعجبه أن يسمع في كل صباح «يا نجيح» واليسر يأتي بعد العسر، والحق دائم والباطل طارئ، بهذه الروح التفاؤلية، والمعرفة النبوية الكريمة والاستقراء لتاريخ الصراع البشري بين الحق والباطل، كان من الممكن الوصول إلى النتائج لصالح الحق الإلهي.

وهناك صورٌ من الاستشراف المستقبلي المبني على المعرفة النبوية والاستقراء للسنن الكونية والشرعية، يقول النبي صلى الله عليه وسلم لأم حرام بنت ملحان في المدينة والقبائل العربية وقريش متربصون بهم: «ناس من أمتي عرضوا على غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر...» «رواه البخاري في الجهاد والسير». ويقول صلى الله عليه وسلم للآخر الذي جاء شاكيًا شدة البلاء وهم في مكة يعذبون «والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه» «رواه البخاري»، صحيح أن العلم النبوي الغيبي له أثره في تحديد الزمان والمكان إلا أن مطلق الانتصار مهيأ لكل من يتعرف سنين الحياة الكونية والبشرية قال الله تعالى: ﴿ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ (المجادلة: 21)، وقال سبحانه ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا استخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (سورة النور: 55).

والناظر يجد أنه لا تعارض بين الشريعة الإسلامية وأدوات الاستشراف، فعلم الاستشراف لا يقول بالحتمية للأحداث المتوقعة، فقد لا تقع كليًّا أو جزئيًّا، أما وقوع المستقبل الحتمي فهو ما أخبرنا القرآن والسنة أنه سيقع في المستقبل «صنفان من أهل النار لم أرهما...» «رواه مسلم»، وعندنا في مفاهيمنا الرجل «الملهم» الذي يعرف كيف يتعامل مع الماضي والحاضر لرسم المستقبل مثل عمر بن الخطاب.

وسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم تدل على اهتمامه بالمستقبل، فقد كانت بيعتا العقبة خطوتين مهمتين في رسم مستقبل الإسلام، وكان إخبار سراقة بأن له سواري كسرى استشرافًا منه لمستقبل الدعوة، وكانت الغزوات والفتوح تثبيتًا للحاضر ودعمًا للمستقبل، وغير ذلك من الحوادث الكثيرة التي تدل على الاهتمام بالمستقبل والاستعداد له، والعمل على أن تكون كفة المسلمين فيه راجحة ومؤثرة، وكانت المسيرة في عهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم تسير على الوتيرة نفسها وإلا ما امتد الإسلام شرقًا وغربًا، وثبتت أركانه، وأقام بناءه في الجزيرة وغيرها من البلاد على أسس من العدالة التي حقق الناس في ظلها الرخاء والأمن.

عقبات وتحديات:

والمسلمون اليوم مطالبون باستشراف المستقبل، ومعرفة ما يطويه في جوانبه بالنسبة لدينهم وبالنسبة لأرضهم وبلادهم، وثرواتهم وممتلكاتهم، حيث تواجههم تحديات كثيرة، منها وجود بعض الأنظمة غير الديمقراطية في بعض البلاد. 

ومنها الاستنزاف المستمر من الجانب الغربي لثروات العالم العربي ومقدراته، ووضع العراقيل أمام ظهور قوى اقتصادية جديدة وتفشي البطالة، إلى غير ذلك، ومنها الغزو الفكري. 

وإذا كانت هذه التحديات تواجه المسلمين في حياتهم، وتخترق عليهم ديارهم وبلادهم، فإن هناك تحديًا أكبر للإسلام نفسه، حيث هوجمت أعمدة الدين ذاتها ممثلة في الهجوم على الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى القرآن بالتأويل والتحريف، بل وصل الأمر إلى إطلاق ما لا يليق من الألفاظ على الله سبحانه، وهذا الهجوم على الإسلام يصحبه ويسبقه ويتبعه هجوم على الإسلاميين لمنع صوتهم، وإعلان صمتهم، ورضوخهم للأمر الواقع الذي انبطحت فيه الأمة أمام المد اليهودي الصهيوني. 

هذا ما نطرحه أمام الباحثين والمفكرين والحكماء في الأمة ليحزموا أمرهم، وليعملوا على إظهار دينهم على الدين كله، وليواجهوا التعدي بالاستعداد والعمل والفكر وإبداء الرأي .

الرابط المختصر :