العنوان على صهوة الكلمة.. شعبية التيار الإسلامي
الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي
تاريخ النشر الثلاثاء 20-مايو-1986
مشاهدات 60
نشر في العدد 768
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 20-مايو-1986
ثمة حقيقة صلبة
وبارزة وماثلة لأي مراقب سياسي في الوطن العربي وهي أن التيار الإسلامي- وبرغم
المعوقات الموضوعية التي تحيط به- هو أكثر التيارات شعبية وتجددًا.
لا يعني هذا
الإقرار بشعبية التيار الإسلامي تزكيته من أي شائبة، لا بالطبع. فالتيار ما زال
يعاني- ومن الداخل بالأساس- من معوقات ذاتية وخطيرة تتعلق بفهوماته للواقع السياسي
والاجتماعي الذي يتعامل معه.
مرد ذلك لعوامل
كثيرة ومتشابكة ليس هنا المكان ولا الزمان المناسبان للتفصيل حولهما. ولكن- ومع
ذلك لا يستطيع أي مراقب سياسي منصف إلا أن يقر بهذه الشعبية الجماهيرية للتيار في
الوطن العربي.
هذه الحقيقة
اليابسة البارزة الماثلة تلقي جملة من المسؤوليات التاريخية على الإسلاميين أنفسهم
من جهة وعلى العلمانيين اللادينيين من جهة أخرى.
فعلى الإسلاميين
أن يتدارسوا- فيما بينهم وميدانيًّا وليس نظريًّا- العوامل التي تؤدي إلى تفشي
التيار وطروحاته والعوامل التي تؤدي إلى حصر دائرة التيار وتضييقها، وبعد ذلك
العمل على تجذير وتكريس العوامل المساعدة والحركة من جهة، وتحييد ونفي العوامل
المضادة والمثبطة للتيار.
ويجب أن يتم هذا
التدارس بموضوعية وهدوء ودونما جلبة ومن خلال منظور تاريخي بعيد المدى ودونما
استعجال.
وسوف يتبين-
وهذا زعمي القابل للنقاش بالطبع- أن الحرية السياسية والمناخ الذي تفرزه هو من
العوامل المساعدة لتفشي التيار الإسلامي وطرحه.
ومن يطبق هذا
ميدانيًّا في الوطن العربي وبخاصة في حالة مصر والسودان وتونس والكويت سيتوصل لنفس
القناعة التي توصلنا لها هنا في الكويت.
فأجواء الحرية
السياسية لا شك أجواء مساعدة لتفشي التيار الإسلامي؛ ذلك أنها تضمن للتيار حرية
التواصل مع الجماهير العربية المسلمة وتكثيف المناشدة السياسية والعقائدية في
أوساطها.
ولقد ثبت
تاريخيًّا أن التيار الإسلامي أقدر على تحريك الجماهير العربية المسلمة من أي تيار
آخر لو كفلت له الحرية في التواصل معها.
ولذا يتبدى لي-
وقد أكون مخطئًا في ذلك- أنه بات لزامًا على الإسلاميين في كل مكان الاعتناء
بتأصيل موقفهم نظريًّا وعلميًّا من أطروحة الحرية السياسية لا على أنها تفريعة من
النظام الديمقراطي الغربي بل على أنها مضمنة في بطون التاريخ الفقهي السياسي
للإسلام.
من جهة أخرى
يستلزم الإقرار بشعبية التيار الإسلامي وجماهيريته في عموم الوطن العربي أن تعيد
القوى العلمانية اللادينية النظر في فهوماتها حول الإسلام وحركته في المجتمعات.
ففهومات هذه القوى فيما يتعلق بالإسلام وحركته لم تزل متخلفة وجامدة ومستوردة
وجاهزة.
فماركسي مثل د.
حسين مروة يكتب كتابًا ضخمًا عن الإسلام نجده يقدم التاريخ الإسلامي عبر مساطر
عامة وجاهزة يجري قص الوقائع التاريخية والفكرية على مقاسها ويعتسف تفسير وقائع
التاريخ الإسلامي كيما تتوافق مع بعض المقولات الماركسية التي لا يقصد ماركس نفسه
ولا يزعم أنها تنطبق على كل الحالات التاريخية.[1]
إن العلاقة
الثقافية التي تربط القوى العلمانية اللادينية بالتراث والتاريخ العربي الإسلامي
علاقة هشة للغاية وموظفة- في حال وجودها- توظيفًا سياسيًّا سطحيًّا وقصير المدى.
ومن المؤسف
حقًّا أن العلمانيين اللادينيين العرب أكثر تشبثًا بالعلمانية واللادينية من
أضرابهم في أوروبا والعالم الجديد، وإن موقفهم العام من التراث والتاريخ العربي
والإسلامي أكثر تشددًا من بعض المستشرقين في أوروبا.
وفي تصوري ما لم
يتجاوز العلمانيون العرب هذه الفجوة بينهم وبين التراث والتاريخ العربي والإسلامي،
سيظل فهمهم للتيار الإسلامي- من حيث هو امتداد للتاريخ الإسلامي- قاصرًا وسيوقعهم
هذا الفهم القاصر في معارك سياسية وفكرية مع التيار الإسلامي كان من الممكن تجاوزها
وتخطيها لو تحقق الفهم الصحيح لقضية التراث والتاريخ العربي والإسلامي.
[1] - د. حسين
مروة «النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية» جزءان 1799 صفحة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل