; شعب.. يأتيه الموت من كل مكان | مجلة المجتمع

العنوان شعب.. يأتيه الموت من كل مكان

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 29-سبتمبر-1992

مشاهدات 49

نشر في العدد 1018

نشر في الصفحة 27

الثلاثاء 29-سبتمبر-1992

 

بلا حدود: الصومال بين المجاعة والإشعاع

الموت بألف وجه

الموت له ألف وجه في الصومال، فلم تعد المجاعة وحدها هي الطريق المؤدي إلى الموت هناك، ولم تعد الملايين التي تنتظر الموت تقف في طابور المجاعة وحده، أو في طابور الصراعات العرقية والطائفية والقبلية، أو قبل هذا وذاك في طابور البطش والاضطهاد والظلم والقمع الذي عاشه أبناء هذا الشعب المسلم طوال ثلاثة وعشرين عامًا، هي فترة حكم الدكتاتور السابق سياد بري الذي ترك البلاد أطلالًا تبيدها الحروب وتحصد شعبها المجاعة. وإذا كان ما يقرب من مليوني صومالي يقفون الآن في طابور انتظار الموت جوعًا، فإن ملايين آخرين يستعدون الآن للوقوف في طابور جديد هو طابور الموت بالإشعاع والسم البطيء من جراء مقبرة النفايات السامة التي تقع قبالة السواحل الصومالية، والتي كُشف النقاب عنها مؤخرًا، حيث دفن فيها حتى الآن ما يزيد على مليون طن من النفايات والسموم.

فضيحة النفايات السامة

عقدت شركات إيطالية وسويسرية اتفاقًا سريًا مع الحكومة الصومالية المؤقتة مدته عشرون عامًا، وقعه في روما وزير الصحة الصومالي السابق في ديسمبر الماضي 1991م، يقضي بأن تقوم شركات إيطالية وسويسرية بدفن نفايات سامة لمدة عشرين عامًا في الأراضي الصومالية مقابل 80 مليون دولار تحصل عليها حكومة الرئيس المؤقت علي مهدي محمد لتشتري بها أسلحة تقتل بها من تبقى من أبناء الصومال أو توضع في الحسابات السرية لتجار الموت هناك.

ورغم الاتهامات التي لا تزال متبادلة بين كل من وزيري الصحة السابق المتهم بالتوقيع على الاتفاقية فتح نور علمي والرئيس المؤقت علي مهدي محمد وزعيم المعارضة محمد فرح عيديد من جهة، وبين كل من الدكتور مصطفى كمال طلبة مدير برامج البيئة التابع للأمم المتحدة الذي كشف عن هذه الجريمة البشعة ووزير الصحة الإيطالي كارلو ريفا ديننيا الذي نفى ما قاله الدكتور طلبة من جهة أخرى، فإن الذي دفع ويدفع الثمن هو الشعب الصومالي المسلم الذي يدفع منذ أن تولى سياد بري مقاليد السلطة في البلاد عام 1969م وربما قبل ذلك ثمنًا غاليًا من جراء الحكومات المتعاقبة التي فشلت جميعها في توفير أدنى ما يوفر لإنسان وهو الطعام والشراب.

(أزمة النفايات النووية في الصومال)
 فهذه ليست المجاعة الأولى التي يتعرض لها الشعب الصومالي، ففي عام 1972م شهدت الصومال مجاعة أخرى قاسية دفع الشعب الصومالي فيها ثمنًا غاليًا أيضًا، وخرج من أوارها إلى أوار نظام حكم سياد بري الذي أخذ يشجع النزاعات والروح القبلية بين أبناء الشعب الصومالي المسلم حتى يتمكن من الحصول على المعونات والأسلحة الخارجية لمكافأة أصدقائه وقتل خصومه. وبعد الإطاحة به في يناير 1991م تنفس الصوماليون الصعداء، إلا أن عيديد وعلي مهدي زجوا بالشعب الصومالي في حرب إبادة استخدمت فيها النعرات الجاهلية والشعارات القبلية، فحصدوا من الصوماليين ما لم يحصده بري طوال سنوات حكمه، ثم جاءت المجاعة لتحصد ما لم يحصده بري ولا هؤلاء، إلا أن الكشف عن جريمة النفايات السامة مؤخرًا جعل جريمة هؤلاء لا تقف عند حد جيل واحد أو فترة بعينها، لقد باعوا الشعب الصومالي ولأجيال متعاقبة بثمن بخس لشركات ودول ليس عندها وازع من ضمير أو إحساس بقيمة الإنسان سوى الشعارات الكاذبة والدعاية الرخيصة.

الغياب العربي والإسلامي

ولعل ما يزيد عمق هذه المآسي والأهوال على الشعب الصومالي المسلم ويضاعف من معاناته، هذا الغياب العربي والإسلامي الواضح عن الساحة الصومالية. فمنذ لحقت المجاعة بشعب الصومال، لم يستقبل الصوماليون موفدًا عربيًا واحدًا رفيع المستوى، في حين لم تبق دولة غربية واحدة لم تُشعرهم بهذا الاهتمام، فزارهم وزير الخارجية البريطاني دوجلاس هيرد الذي تتزعم بلاده المجموعة الأوروبية، وزارهم وزيرة التنمية البريطانية لما وراء البحار ووزير الشئون الإنسانية الفرنسي ووزير الخارجية الإيطالي ورئيس الوزراء البلجيكي السابق ورئيس الوزراء الأسترالي السابق ومسئولون غربيون آخرون.

وفيما تطحن المجاعة وأوار الحرب الصوماليين وتمحوهم محوًا، علاوة على فضيحة النفايات السامة التي اكتشفت مؤخرًا، لم تتحرك الجامعة العربية أو لجنة المؤتمر الإسلامي تحركات يُحسَب لها في هذه المجالات، لا سيما ما يتعلق بفض النزاعات القائمة بين الإخوة الأعداء، مما يزيد الشعور بالمأساة لدى الصوماليين ولدى كل عربي ومسلم من جراء هذه المواقف المتخاذلة.

(للاطلاع على مواقف الجامعة العربية، انظر موقع الجامعة العربية).

مسكين شعب الصومال المسلم. من لم يقتله بري قتلته نيران الحرب الدائرة بين تجار الموت الذين جاءوا بعده، ومن لم يقتله هؤلاء قتلته المجاعة، ومن لم تقتله المجاعة بعد وقُدِّر له النجاة منها، فإنه يرتقب الموت البطيء سمًا وإشعاعًا من جراء النفايات السامة التي دُفنت في أرضه، ومن لم يدركه كل هذا، مات همًا وكمدًا من موقف العرب والمسلمين.






 

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل