; شعوب تعيش البُدائية إلى اليوم! | مجلة المجتمع

العنوان شعوب تعيش البُدائية إلى اليوم!

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 02-سبتمبر-1997

مشاهدات 57

نشر في العدد 1265

نشر في الصفحة 49

الثلاثاء 02-سبتمبر-1997

هناك شعوب كثيرة تعيش البدائية إلى اليوم في تفكيرها وثقافتها وأنشطتها الحياتية والصناعية والزراعية، وهذه الشعوب ليست بعيدة عن نواظرنا وأسماعنا وليست في بلاد الواق الواق ولا في المجاهل أو بلاد تركب الأفيال، وإنما قد نكون جزءًا من تلك البلاد، أو نقع في محيطها أو حيزها ومركزها، ولا يغرنك هذه المظاهر الخادعة من قشور المدنيات المستعارة التي تتلبس هذه الأقوام، فإنها ليست من كدهم أو صناعتهم أو نتاج عقولهم، وإنما تسوقوها للتأنق واستجلوها للمباهاة، وسمح لهم بها الأسياد لزيادة الترهل، وامتصاص ما وهب الله لهم من نعم، وما أفاض عليهم من خامات وليكونوا سوقًا لتصريف البضائع، وحلبة لزيادة دخول النابهين الأقوياء، فهم يقطنون الدنيا وهم خارجها، ويعيشون الزمن وهم موتى فيه:

خلقوا وما خلقوا لمكرمة

                                            فكأنما خلقوا وما خلقوا

رزقوا وما رزقوا عقول علا 

                                         فكأنما رزقوا وما رزقوا

ترى هنالك دولًا وما تستطيع أن تخيط لرجلها نعلًا، أو تنسج لجسدها ثوبًا، أو تصنع لطريقها مركبًا، وترى لها جيوشًا ولا تقدر على تسليحها حتى بالسيوف أو النبال فضلًا عن الدبابات والطائرات والصواريخ والقنابل والراجمات، والبوارج، فهل تراها إذا منعت ذلك إلا حافية عارية لا تجد حتى الحمار لتركبه، جائعة لأن هناك بعض الدول لو منع عنها القمح شهرًا لجاعت، وقالت: «لله يا محسنين""، في زمن خلا من المحسنين ولا يعرف إلا الإذلال والتسلط وإملاء الشروط والاستعباد»، وهل ترانا إذا منع عنا القلم أو حتى المداد أو الورق، هل ترانا تقوم عندنا مدرسة أو تصدر صحيفة، أو يكتب كاتب وهل ترانا إذا منع عنا التليفون أو التليفزيون أو الإذاعة التي نستوردها، هل ترى متأنقًا أو مثرثرًا في التليفون، وإذا منع التلفاز أو الإذاعة أو حتى الكهرباء التي تشغل ذلك كله وتمده بالحياة، هل نستطيع أن نتصور مدى ما يكون عليه حالنا وموقفنا؟

لقد عظم البعير بغير لب

                                فلم يستغن بالعظم البعير

يصرفه الصبي بكل وجه 

                              ويحبسه على الخسف الجرير

وتضربه الوليدة بالهراوي

                                   فلا غير لديه ولا نكير

هذه حال بعض الشعوب التي تعيش إلى اليوم في بدائية خارج الزمن، ولا حتى تشعر بذلك أو يعتريها الخجل أو الضجر أو التفكير في تلك الكارثة التي ليس لها مثيل، ولا مرت الأمة بأفجع منها في زمنها الطويل بعدما كانت تملك زمام الريادة حقبًا طويلة من الزمان، وإذا طرحنا سؤالًا بده يًّا: أليس لهذه الشعوب اليوم أهداف أو طموحات أو مشاريع نهضة؟ 

إن حالنا يجيب إجابة واضحة وجلية على هذا السؤال.

فالأهداف في أي مجال ونشاط مدينة في وجودها كما يقول العلماء لطبيعة الإنسان العاقلة فنتيجة للعمليات العقلية المختلفة استطاع الإنسان أن يصل إلى التفكير في أهدافه المختلفة في هذه الحياة التي يعيشها ونتيجة لتفكيره في أهدافه توصل في كثير من الأحيان إلى تحديد أهدافه وبلورتها، وأحيانًا أخرى عجز عن الوصول إلى تحديدها وتوضيحها وبلورتها، وفي الأحيان التي استطاع فيها تحديد أهدافه سهل عليه معرفة طريقه، وفي الأحوال التي عجز فيها عن تحديدها وبلورتها وتوضيحها، عجز في نفس الوقت عن معرفة طريقه وسبيله، فعاش عيشة لا معنى لها، وكان سبب هذا العجز غالبًا يكمن في عدم تنمية قدراته وإمكاناته المختلفة وخاصة قدراته العقلية إلى المستوى الإنساني الملائم.

وكانت عوامل القهر والجهل والحرمان الإنساني هي الأسباب الحقيقية لإعاقة النمو الإنساني، وفي الحالات التي عجز فيها عن صياغة أهدافه صياغة واضحة، فإنه قد أخذ يسعى في أنشطته الحياتية المختلفة بمحض التقليد، وهذا يفسر سر الحياة الرتيبة التي استمرت ألاف السنين في بداية الحياة البشرية البدائية الأولى دون تغيير كبير أو بحدوث تغيرات بصورة بطيئة جدًا.

أما في الحالات التي استطاع فيها أن يستبصر أهدافه ويحددها ويصوغها فإنه قد بكى بكاء مرًّا على الوقت الضائع من حياته السابقة، فأخذ يركض الوقت ركضًا من أجل أن يعوض ما فاته.

فهل تستطيع الأمم التي تعاني التخلف اليوم أن تقف وقفة محاسبة مع عقولها وتحدد أهدافها وغاياتها تحديدًا جد يًّا والأهداف لا تتحقق إلا بتربية الأمة تربية تؤهلها للقيام بالدور المطلوب والتربية عادة بل بالضرورة تعكس أوضاع مجتمعها، ومن ثم فإن إخفاق المسيرة الاجتماعية يصاحبها إخفاق في المسيرة التربوية، وبالتالي في الأهداف، فالبيئة الزراعية لها تربيتها وأهدافها، والبيئة الرعوية لها أهدافها وتربيتها، والبيئة الصناعية تختلف عنهما وأهداف التربية في أمم الغرب تختلف عنها في أمم الشرق، لأن التربويين يشتقون التربية من ثقافة المجتمع، ويصوغونها من مناهجه التي تحدد خصائص نموه وفلسفته في الحياة، فيتوافق عمقه الداخلي مع تطلعه الخارجي وأمله في الحياة فيتعاضد ويتقوى على بناء المستقبل بفاعلية وعزيمة.

ولهذا يجب أن تصحح مسيرة المجتمع سياس يًّا واجتماع يًّا وفكر يًّا حتى تنطلق العقول بحرية وبغير قهر أو حجب للمواهب وإجهاض للعزائم، وحتى لا يتصدر المسيرة جهلة أو مفسدون أو مترهلون مستهترون، كما يجب أن يتنفس الناس ثقافة بانية لا ثقافة هادمة، ومثلًا عظيمة لا نماذج هابطة، وأن يوجهوا نحو الجد لا نحو الجنس.

كما يجب أن تعيش الشعوب ثقافتها وهويتها، ولا تعيش كلًّا على غيرها، وذيلًا لسواها، وابنًا غير شرعي لأعدائها والمتربصين بها.

إن الأمم التي تعيش اليوم مرحلة البدائية إما أن تنهض، وإما أن تزول، وبخاصة إذا كان هناك عدو يتربص ويتلمظ لابتلاعها، ويخطط لمحوها من الوجود واحتلال أرضها واستعباد شعوبها، وقد بدأت تلك المرحلة، فكل يوم نسمع صراخًا وعويلًا، ونحن لا نملك حولًا ولا قوة، ونعيش خارج الزمن وخارج الحضارة وخارج التاريخ، فهل هذا الحال سيستمر وهل هذه البدائية ستلازم تلك الشعوب أم أن دوام الحال من المحال، وتلك الأيام نداولها بين الناس، وان الأمم لابد وأن تنفض الغبار، وتشحذ العزم، وتنادي المصلحين، وتطرد المفسدين، ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ (الروم:٤ – ٥).


الرابط المختصر :