العنوان من الحياة- شهر رمضان مرتقى الأرواح
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 29-سبتمبر-2007
مشاهدات 64
نشر في العدد 1771
نشر في الصفحة 64
السبت 29-سبتمبر-2007
(*) أستاذ المناهج وأساليب التربية الإسلامية المساعد
Ebrahim92@ hotmail.com
الحياة فرص والعاقل قناص للفرص، وخاصة إذا كانت الفرص ثمينة، أو كانت الفرصة خاطفة سرعان ما تمر وتنقضي.
ومن الفرص الثمينة الخاطفة شهر رمضان، فهو فرصة ثمينة، لما خصه الله تعالى بالخير الوفير والأجر العظيم لعبادة العاملين المجتهدين، كما أنه فرصة خاطفة، لأنه يأتي عزيزًا، ويرحل سريعًا فلا يكاد يبدأ حتى تشعر بأنه يودع!!!
ولقد وجهنا القرآن الكريم إلى ضرورة العمل في هذا الشهر الفضيل قاصدين جني الثمرة وقد وضح لنا هذه الثمرة العظيمة في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183).
وإذا كنا في المقال الماضي قد تناولنا أثر شهر رمضان في صحة الأجساد، ففي هذا المقال نتناول ترقية الأرواح من خلال هذا الشهر المبارك، ففي شهر رمضان غذاء للأرواح، كما أنه مرتقى ترتقي فيه الأرواح، لتسمو إلى آفاق عليا، وتزكو الأنفس، فترتفع بذلك عن المادة والجسد.
والسؤال الذي يفرض نفسه الآن هو كيف تغذي الروح وترتقي بها في هذا الشهر المبارك؟
تدريب على التحكم في الشهوات
ففي أيام رمضان تدريب عملي مكثف على الضبط والانضباط، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل زوجاته في شهر رمضان، ومع ذلك كان يتحكم في شهوته، فلا يصل إلى ما وراء ذلك.. وقد يخلو الزوج بزوجته التي يحبها، وربما يكون ذلك في بداية الحياة الزوجية، حيث العواطف الجياشة بين العريس وعروسه، فيلتقي طغيان الشباب والأنوثة، وتتحقق الخلوة، وتتهيأ ظروف الجماع، لكن كليهما يعلم أن كفارة الجماع في الجمع بين القضاء والفدية، ناهيك عن مخالفة الأوامر الإلهية وسوء الأدب مع شرع الله عز وجل، فيرتفع كل منهما ويضبط شهوته، وهي رياضة ترتقي بالروح إلى مسالك المؤمنين المخلصين، بل تغرس في البشر صفات الملائكة ولو بشكل مؤقت فترتقي بسلوكهم وأخلاقهم ومعاملاتهم.
ومما يميز هذا التدريب وتلك الرياضة الزوجية أن على تجنب الشهوات، سواء أكانت من المباحات أم غير المباحات، فالغذاء مباح لكن الصائم في نهار رمضان لا يقترب منه، وإشباع الحاجة إلى الجنس مباحة ما دامت في الحلال لكن الشارع يمنعها ليدرب المسلم على الصبر والارتقاء بروحه إلى أفق ملائكي شفاف صافي، وفي هذا كله درس يعلمنا الشارع إياه ألا وهو، أن العبرة في شهر رمضان ليست بفعل الصوم في ذاته، وإنما العبرة بالامتثال لأمر الله ونواهيه، بدليل أن الشارع يمنع المريض الذي يضره الصوم من أن يصوم، ويدعو المسافر إلى أن يفطر!
انتصار للإرادة
ففي الصوم انتصار لإرادة المسلم وتنمية لقدرته على ضبط ذاته... ولقد تحدث كثير من التائبين عن قصة أوبتهم إلى الله، وكيف كانت البداية هي شهر رمضان، فكان هذا الشهر الكريم ملاذ أرواحهم، وكيف ارتقت أرواحهم بعد أن أسرفوا في الذنوب والمعاصي والآثام، وغرقوا في بحار من الشهوات التي بددت عقولهم وأجسادهم وأوقاتهم وتورطوا في مشكلات ومعضلات ومواقف حرجة بسبب طغيان الهوى والشهوات على إرادتهم الضعيفة، وبعد هذا كله كان شهر رمضان هو طوق النجاة الذي استنقذهم من بحار الموبقات والشهوات وأعاد إليهم الثقة بأنفسهم، وقوى إرادتهم حتى صارت صلبة قوية.
إن روحك أخي القارئ، إذا لم ترق بها فإنك ستتركها في ركام عالم المادة تنوء بأثقال النزوات، وتصرخ في وحشة الغربة باحثة عن مدرج يرتقي بها لتصعد إلى موطنها ومستقرها.
إن كثيرًا من الناس ينظر إلى شهر رمضان على أنه امتناع عن الطعام والشراب والجنس المباح في أيام رمضان، ولا يلتفت إلى أن جوهر شهر رمضان هو منح الروح الاهتمام الأكبر والانحياز إليها في هذا الشهر المبارك بعد أن أهملها الإنسان شهورًا كثيرة واهتم بمطالب الجسد...
إن الطعام والشراب والجنس ما هي إلا أشياء مادية يستهلكها الجسد... وهي ليست مذمومة وليست محرمة في ذاتها، إلا إذا أسرف الجسد في تعاطيها على حساب غذاء الروح فيأتي الصوم ليجعلها هامشًا على متن الروح ويغذي الروح بالفرائض والنوافل من صلاة وصدقة وسائر أعمال الخير بعد أن كادت تختنق طوال العام بسبب طغيان الاستجابة لمطالب الجسد.
حرروا الروح من معتقلها
تسمع أناسي كثيرين يتحدثون عن حرية العقل وحرية الفكر.. فهل سمعنا من ينادي بحرية الروح؟ إن كثيرًا من الناس يسرفون في الطعام والشراب ومطالب الجسد، وهؤلاء في الحقيقة يعتقلون أرواحهم في أجسادهم وشهواتهم، وما أحوج المعتقل إلى إطلاق سراحه، فهل تنبه أناس إلى هذه الحقيقة بعد أن اعتقلوا أرواحهم في أجسادهم وشهواتهم سنين طويلة عددًا، وربما طوال أعمارهم وحياتهم؟!!
دعوة إلى الخير
هذه دعوة- أخي القارئ الكريم، إلى التأمل والتفكر في استثمار فرصة هذه الأيام المباركة.. دعوة لنا للبحث عن مدرج نسلك فيه السبيل لنرتقي بأرواحنا إلى العلا.. دعوة لفهم شهر رمضان والاستجابة لندائه.. دعوة لتغيير الذات . دعوة لاقتناص الفرصة الذهبية الثمينة الخاطفة.. دعوة لاغتنام العطايا والمنح والفيوضات.. دعوة لتحصيل الثمار العظيمة.. دعوة لتحرير الأرواح فلا يدري أحدنا أيدرك رمضان الذي أدركناه هذا العام؟ أم أن هذا آخر رمضان وهو الفرصة الأخيرة في العمر؟ نسأل الله تعالى أن يعيننا على أن نرتقي بأرواحنا في هذا الشهر الكريم.