العنوان من الحياة.. شهر رمضان مصحَّة للأبدان
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 22-سبتمبر-2007
مشاهدات 76
نشر في العدد 1770
نشر في الصفحة 63
السبت 22-سبتمبر-2007
الإنسان بدن وروح، وللبدن احتياجاته، وللروح متطلباتها، ولكي يعيش الإنسان سعيدًا مستقرًّا ينبغي له أن يوازن بين احتياجات الروح ومتطلبات الجسد، لذا حثنا الإسلام الحنيف على تحقيق ذلك التوازن، ولقد أكدت السنة النبوية المطهرة ذلك في قول سلمان الفارسي لأبي الدرداء رضي الله عنهما: «إن لنفسك عليك حقًّا، وإن لربك عليك حقًّا، وإن لضيفك عليك حقًّا، وإن لأهلك عليك حقًّا، فأعط كل ذي حق حقه» (رواه الترمذي).
بيد أن أكثر الناس -ومنهم مؤمنون- يتثاقلون إلى الأرض، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (التوبة:38).
في الآية الكريمة السابقة بيّن المولى عز وجل أن سبب التثاقل إلى الأرض هو الرضا بزينة الحياة الدنيا والركون إلى متاعها، وذلك يحدث عندما يطغى ثقل الجسد على شفافية الروح ورقيها.
إن الجسد الذي خلق من الأرض من الطبيعي أن يميل إليها عندما لا نرتقي بالروح ونهمل غذاءها، فإذا ما عرفنا أن العصر الذي نعيشه الآن معروف بعصر المادة.. كان ذلك دافعًا لنا في الاهتمام بغذاء الروح والرقي بها، فحياة الناس مغمورة بالشهوات، وأصبحت المادة معيارًا لتقدير الناس والتعامل معهم، حتى غدا الجسد يباع ويشترى، ويعدل بتدخل جراحي التجميل فيه، وأشعة الليزر، ووصفات الرشاقة والتجميل... وهذا كله يعكس حرص الناس على الاهتمام بالمادة «الجسد» وتجميلها، وقليل من هؤلاء الناس من يفكر في غذاء الروح والاهتمام بها وتجميلها.
إن الأحرى بهؤلاء الناس الذين بالغوا في الاهتمام بجمال الجسد والمادة أن يجعلوا في صدارة اهتماماتهم ترقية الروح وغذاؤها –وحسبهم- إذا رغبوا في المفاضلة بين الروح والجسد، أن ينظر الواحد منهم لنفسه بعد أن يموت. إذ إن الروح عندما تفارق الجسد يصير هذا الجسد جيفة نتنة ينفر منها الناس حتى أقرب المحبين إلى صاحب الجسد، ويكون هم الناس من حول الميت هو كيف يتخلصون من هذه الجيفة!!
من نعم الله عز وجل على المسلمين أن قسم لهم في السنة شهرًا يرتقون فيه بأرواحهم، وتصح به أبدائهم.
وفي السطور القليلة القادمة سوف أسلط الضوء على تأثير الصوم في صحة الجسد، وأرجئ الحديث عن ترقية الروح وتغذيتها إلى مقال لاحق بمشيئة الله تعالى.
صوموا تصحوا
كلمة موجزة جامعة يرويها الطبراني عن الرسول ﷺ: «صوموا تصحوا».. ولقد أكدها التاريخ وأكدتها البحوث العلمية الطبية، وفيما يلي استشهادات على ذلك.
الصوم عند القدماء:
· في القرن السادس قبل الميلاد، عرف العلاج بالصوم، ففي مرجع طب التبت الكبير «تشجودشي» خصص فصل كامل بعنوان «العلاج بالطعام والعلاج بالصوم».
· وفي اليونان القديمة صام الفيلسوف الحكيم «أبيقور» «القرن السادس قبل الميلاد» أربعين يومًا قبل أن يؤدي الامتحان الكبير في جامعة الإسكندرية، بهدف شحذ قواه العقلية وتنمية القدرات الإبداعية لديه.
· وفي مصر القديمة وبشهادة «هيرودوت» سنة ٤٥٠ قبل الميلاد، ثبت أن المصريين القدماء كانوا يصومون ثلاثة أيام من كل شهر، كما أنهم نجحوا في علاج مرض الزهري بالصوم الطويل، وقد لاحظ «هيرودوت» أنهم أيامها –وربما بسبب هذا الصوم- كانوا أحد أكثر الشعوب صحة.
· وكان سقراط «470 – 399 قبل الميلاد» يصف الصوم للمرضى في أحرج مراحل المرض، وكان يقول عن تأثير الصوم: «كل إنسان منا في داخله طبيب، وما علينا إلا أن نساعده حتى يؤدي عمله».
· وفي العلاج النفسي بالصوم، أوصى الروماني «جالينوس» في القرن الثاني الميلادي بالصوم لعلاج الحزن والتوتر والاكتئاب.
· وفي (٧٨٠ هـ - ۱۰۳۷م) كان ابن سينا يفضل الصوم كدواء لكثير من الأمراض، ويصفه بأنه الأرخص، وأنه دواء الغني والفقير، وقد عالج به الزهري والجدري وأمراض الجلد.
الصوم عند المحدثين:
وفي العصر الحديث اشتهر أناس كثيرون بالعلاج بالصوم، وفيما يلي نماذج وأمثلة:
· اشتهر في الولايات المتحدة الأمريكية «هنريك تانر» وله في ذلك كتاب مشهور سماه «الصوم إكسير الحياة» وكذلك نادي «سنكلير» بالعلاج بالصوم، وكل من «تانر» و «سنكلير» عمر حتى التسعين عامًا !! ولا يزال إلى الآن آلان كوت الأمريكي يعالج بالصوم.
· وفي فرنسا نادى بالصوم علاجًا سوفنير وإيف ففين.
· وفي ألمانيا لا يزال «بوشنجر» يعالج بالصوم، وكذلك في بريطانيا «شيلتون الإنجليزي»، وفي سورية استخدم الشيخ أحمد كفتارو الصوم في علاج كثير من الأمراض التي كان يعانيها، وقد نجح في ذلك، وأوصى كثيرًا من رفاقه ومعارفه ومحبيه باستخدام الصوم علاجًا.
· وقد عولج البطل العالمي في الملاكمة محمد علي كلاي بالصوم وشفاه الله من عدة أمراض، منها: داء «باركنسون» وزيادة الوزن، يقول طبيبه: «خلال صومه ثلاثة أسابيع تحسن أكثر من 60% ولو كانت ظروفه تسمح بمتابعة الصيام إلى أربعين يومًا لكان التحسن أكثر من ذلك».
ويشير الأطباء إلى تحقيق الصيام فوائد وثمرات صحية كثيرة، من أهمها:
1- التخلص من الفضلات والسموم.
2- تجديد الخلايا من جراء التغذية الداخلية المنضبطة وطرح الفضلات والسموم، وراحة الجهاز الهضمي.
فلقد أشارت تجارب عالمين أمريكيين، هما: «كارلسون وكوند» إلى أن الصوم لمدة أسبوعين يكفي لتجديد أنسجة إنسان في عمر الأربعين، بحيث تبدو مماثلة لأنسجة شاب في السابعة عشرة من عمره!! لكن هذا الأثر غير دائم ومن ثم يتطلب الأمر معاودة الصوم على فترات كي يستعيد الإنسان بعض شبابه.
3- علاج بعض الأمراض كالصداع النصفي (الشقيقة).. والربو القصبي، وبعض الأمراض النفسية، والالتهابات المزمنة لمختلف أعضاء الجسم، حيث يرفع الصوم مستوى المناعة في الجسم، وأمراض الغدد الصم والبدانة، وداء السكري، وضغط الدم، وبعض حالات العقم وضعف الخصوبة، وكذلك في علاج بعض الأمراض الجلدية.
---------------------------
المراجع
1- د. محمود أحمد البرشة:
www.ananeena.com
2- www.islamonline.net