; شهر رمضان هدية الرحمن إلى أهل الإيمان | مجلة المجتمع

العنوان شهر رمضان هدية الرحمن إلى أهل الإيمان

الكاتب الشيخ أحمد القطان

تاريخ النشر الثلاثاء 21-مايو-1985

مشاهدات 62

نشر في العدد 718

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 21-مايو-1985

واشوقاه:

أشتاق إليك وأنت عندي فكيف إذا غادرتني يا شهر الطهر والعفاف والذكر والمغفرة ﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (الأحزاب: ٣٥)

أيامك كلها فرحة بدايتها فرحة ونهايتها فرحة « لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إذَا أفْطَرَ فَرِحَ، وإذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بصَوْمِهِ» (البخاري:1904) - البخاري ومسلم-. من أجلك قيل للمؤمنين يوم القيامة: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ(الحاقة:24) - واشوقاه إلى بابك «الريان» ونحن في زمن الظمأ الروحي، والعطش الفكري، والجفاف الخلقي. « إنَّ في الجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ له: الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ منه الصَّائِمُونَ يَومَ القِيَامَةِ، لا يَدْخُلُ منه أحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ، لا يَدْخُلُ منه أحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ منه أحَدٌ »(البخاري:1896) - البخاري ومسلم وابن خزيمه.

إلا أنه قال: « فإذا دخل آخرُهم أُغْلِقَ ، مَنْ دخَلَ فيه شَرِبَ ، ومَنْ شَرِبَ لم يظمأْ أبدًا » (البخاري:1896)تلطف الله بالمؤمنين يوم أن فرضك وحببك إليهم إذا ناداهم بأحب صفة فيهم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ(البقرة:183) ثم شجعهم على صيامه ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ (البقرة:183)  ثم أعطاهم ثمرة الصوم الغالية ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(البقرة:183)  ثم هون الشهر الطويل فقال ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ(البقرة:184) وجعل الصوم اختياريًا  ليدربهم عليه في أول العهد، ثم رخص للمريض والمسافر ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ(البقرة:184) ثم رخص للعجوز الذي لا يطيق، والحامل والمرضع إن خافتا على الجنين ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖ (البقرة:184) ثم رغبهم بزيادة الإنفاق في الفدية ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ (البقرة:184) ثم حث الجميع على الأخذ بالعزيمة ﴿وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(البقرة:184).

وبعد هذا التدريب الروحي والمالي والجسدي فرض علينا الصوم فقال سبحانه ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ(البقرة:185) ثم أثبت الرخصة للمريض والمسافر ﴿وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ(البقرة:185) ثم استمع إلى هذا اللطف الإلهي: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ(البقرة:185-186) ثم لم يقل حرم عليكم الرفت في نهار رمضان بل قال ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ۗ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ۖ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ۚ (البقرة:187). وهذا من تمام لطفه بعباده، كما أنه لم يقل لا تأكلوا ولا تشربوا في نهار رمضان بل من لطفه قال ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ۚ(البقرة:187) أشهد أنك رب رحيم لطيف كريم.

ومن كرمه في هذا الشهر أنه يفتح فيه أبواب الجنان ويغلق أبواب النيران، ويصفد الشياطين، ويعتبر الصوم له وحده يجزي عليه عبده الذي خلوف فمه أطيب عند الله من المسك!! ويباعد بكل يوم صامه بين وجه العبد وبين النار كما بين السماء والأرض. والعمرة في هذا الشهر كحجة مع النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وفيه تتزين الجنة لأهلها، ويعتق الله خلقًا عظيمًا من النار، وفيه ليلة القدر خير من ألف شهر، ويجعل صيام هذا الشهر بأجر عشرة أشهر، وصيام ستة من شوال كل يوم منها بعشرةأيام فيكون سنة كاملة من الثواب. 

فمن يعطي مثل الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ(الشورى: 11) عجبًا لك أيها العاصي، رب مثل هذا الرب الكريم تعصيه وهذا عطاؤه، تعصيه وأنت في نعمته، تعصيه وأنت في ملكه، تعصيه وهو ينظر إليك أما تستحي منه.

ياذا الذي ما كفاه الذنب في رجب *** حتى عصى ربه في شهر شعبان

لقد أظلك شهر الصوم بعدهما *** فلا تصيره أيضا شهر عصيان 

واتل القرآن وسبح فيه مجتهدًا*** فإنه شهر تسبيح وقرآن

أما سمعت يا أخي نداء الحورية من أعماق الجنان:

أتخطب مثلي وعني تنام ***  ونوم المحب عليه ملام

 فقم في دجى الليل وسط الظلام*** بقلب حزين ودمع سجام

 فمثلي يزف إلى عابد***كثير الصيام طويل القيام

الرابط المختصر :