العنوان شهر ولا كل الشهور.. هو للروح نقاء وللجسد طهور
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 03-أكتوبر-1972
مشاهدات 88
نشر في العدد 120
نشر في الصفحة 3
الثلاثاء 03-أكتوبر-1972
لم يبق إلا أيام قلائل ويستقبل المسلمون كل المسلمين شهرًا كريمًا عليهم ينتظرونه في كل عام وملءُ نفوسهم البهجةُ بمَقدَمِه والفرحُ بالعيش في أيامه ولياليه، مع أنه شهر تحبس فيه الأنفس عن شهواتها ولذائذها ويذوق الجسد فيه آلام الجوع والعطش، فلم يفرح الناس به وفيه كل هذه المشاق؟
إن لفرحهم أسبابًا غير الامتناع عن الطعام والشراب.
قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾ (البقرة: 185) فهو شهر لا كبقية الشهور بل كرمه الله سبحانه وتعالى بنزول القرآن فيه كما كرمه بوجود ليلة فيه هي خير من ألف شهر ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (القدر: 4، 5).
وشهر رمضان لا كبقية الشهور فيه يتخلص الإنسان من أوضار الأرض ويتطلع إلى علياء السماء، يترك طعامه وشرابه، وينصرف إلى التأمل والتدبر، يستبطن مكنون نفسه، ويغوص في أعماق روحه يتدبر ويتفكر فيمن خلقه ولم خلقه، وإلی أین يسير في حياته وماذا يريد من هذه الحياة وما حقيقة هذا الكون الفسيح في شَفَّافيَّةٍ ووضوح لا ينشغل عنها بحاجة الجسد، ولا ينصرف عنها بمشاغل الحياة؟
إنه ليس مصادفة أن يفرح الناس بمقدم شهر تتعذب فيه الأجساد، بل إن هذا الفرح لهو دليل ما يكمن في الإنسان من ابتهاج بتغذية الروح وتطلع إلى إشباعها وإمتاعها، وهو دليل على أن هذا الإنسان يحتاج دائمًا إلى التوازن بين حاجات جسده وحاجات روحه، فإذا طغت حاجات الجسد طوال العام واستشرت وتوطنت تململ الإنسان ضجرًا ووجد راحة نفسه وهناء قلبه في شهر رمضان حيث يعيد التوازن إلى كيانه ويريحه من عناء الشقاء الذي جلبه عليه الانصراف إلى الشهوات والملذات.
وشهر رمضان يعيد إلى الإنسان ثقته بنفسه وينبهه إلى أن له إرادة قوية عليه ألا يتناساها وأنه قادر على إخضاع هذا الجسد إذا تمرد، وقادر على كبح جماح النفس إذا تطاولت، وقادر على الثبات والصمود إذا امتحن، وقادر على الوقوف في وجه الباطل إذا طغى وتجبر، وقادر على الصمود في ساحات الجهاد إذا دعا داعيه.
وشهر رمضان بما فيه من زهد في المتع وانصراف عنها وعكوف على العبادة والتبتل وانصياع لأمر الله سبحانه وقرب منه وعيش في ظل رحمته يُعَلِّمُ الإنسان أنه عبد لربه مهما علا في دنياه ومهما تطاول في مركزه؛ وأنه لا يعدو أن يكون أمام الله قطرة في بحر هذا الكون الفسيح وهذا العالم الرحب الوسيع وأنه لن يزيد في ملك الله ولا في عظمته شيئًا إن هو آمن واتقى ولا ينقص في ملك الله ولا في عظمته شيئًا إن هو جحد وكفر.
ولقد علمنا الله سبحانه وتعالى أن الصيام في هذا الشهر عمل لا ككل الأعمال، قال تعالى في حديث قدسي: «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به» ذلك أنه عمل خالص لوجهه خالٍ من الرياء والنفاق، فما يعذب الإنسان جسده رياءً، ولا يتخلى عن متعة نفاقًا.
وإنما إلى الله تتطلع الأرواح التي صفاها الصوم ونقاها التبتل.
هكذا ننظر إلى هذا الشهر الفضيل، ننظر إليه على أنه شهر الإصلاح والصلاح، شهر التقوى والفلاح، شهر الرحمة والرأفة، شهر النقاء والصفاء، شهر الإرادة القوية والعزيمة الماضية شهر الصمود في وجه الباطل والجهاد في سبيل الحق.
فلتفرح أمتنا الإسلامية كلها في مشارق الأرض ومغاربها بمقدم هذا الشهر وليكن شهرًا تنتبه فيه النفوس، وتصحو فيه القلوب، وتتعانق فيه الأرواح، ليكن شهر اليقظة والعمل، شهر تجديد الأمل ونبذ القنوط، شهر مراجعة الحساب القديم في دقة وحذر وبدء حساب جديد على درب جديد خالٍ من النفاق والخداع ممتلئ بالثقة والوضوح.
إن هذا الشهر شهر الانتصارات الكبرى في التاريخ الإسلامي فيه غزوات وفتوحات، فيه انتفاضات المسلمين الأعزة الأباة، فيه ظهر الحق وزهق الباطل، فيه تسابق الشهداء يتنسمون روائح الجنة، ويستنشقون عبيرها.
أما أن نظل مُصِرِّين على انتهاك حرمات هذا الشهر متمردين على فضله وفضائله مُصِرِّين على استمراء الحياة الهابطة متعلقين بنفايات الأرض متشبثين بحبائل الشيطان، أما أن نظل كذلك فقد ضل سعينا وسيطر الضياع علينا، وبقينا كمًّا مهمًلا يعبث بمصيرنا العابثون ويتلهى بقضايانا ساسة الأمم وأئمة الكفر والضلال.
أن نظل على فهمنا المغلوط للحياة الحقيقية في هذا الشهر، أن نصر على أن رمضان شهر السهرات المحرمة والمظاهر المزخرفة والأطعمة الفاخرة، في ليله نأكل ونشرب ونرقص ونصخب، وفي نهاره ننام ونسترخي ونستثقل العمل ونثور لأتفه الأسباب متذرعين بضيق النفس الذي يسببه بنا الصوم، أما أن نظل على فهمنا المغلوط هذا فما لأنفسنا انتصرنا وإنما للشيطان، وما لمصلحتنا عملنا بل للتفاهة والعفن.
ولئن كان للإنسان حاجة في إجازة يطلب فيها الراحة من العناء ويستعد بها لمواصلة العمل بجد واجتهاد، ويجدد فيها ما رث من أجهزة بدنه، ويرأب فيها ما كَلَّ أعضاء جسمه، فإن شهر رمضان إجازة يعيد الإنسان فيها تقويم نفسه ويشحنها بالخير ويدربها على الاستمرار في حياة متزنة متوافقة.
كما أنها إجازة ينطلق فيها الفكر من عقاله حين يصفو الذهن وتتفتح البصيرة فيعيد الإنسان النظر إلى طريقة حياته ونماذج سلوكه، ويقدر كل ذلك تقديرًا سليمًا، ويخطط لما يستقبل من أيام تخطيطًا سويًّا فينبذ ما اعتاد من عادات سيئة ويشذب ما عَلِقَ به من أفكار منحرفة، وينطلق على هدى من ربه متبصرًا بالعواقب على ضوء تصور صحيح للإله والكون والحياة.
هذه دروس نتعلمها من رمضان إن نحن قدرناه حق قدره وصمناه صومًا حقيقيًّا، وقضيناه كما يجب أن تقضى شهور الخير والبركة.
الرابط المختصر :