; شيوعي من أمريكا يكتب عن التاريخ الإسلامي | مجلة المجتمع

العنوان شيوعي من أمريكا يكتب عن التاريخ الإسلامي

الكاتب ا. د. عماد الدين خليل

تاريخ النشر السبت 08-ديسمبر-2012

مشاهدات 49

نشر في العدد 2030

نشر في الصفحة 44

السبت 08-ديسمبر-2012

  • يرى أن الإسلام لم يغير البنى الاقتصادية للدولة.
  • أغفل الدور الكبير الذي نفذه كل من عمر بن الخطاب في مسألة تأميم أرض السواد وبرنامج عمر بن عبد العزيز الاقتصادي الذي حقق نجاحًا مدهشًا.
  • يضع بلالا على الخط الاشتراكي وعثمان على الخط الإقطاعي رغم أن عثمان وقف إلى جانب تأميم أرض السواد في العراق بينما رأى بلال توزيع الأرض على المقاتلين.
  • يكيل المديح للتجارب الشيوعية في تاريخنا الإسلامي رغم أنها تجارب ساذجة ما لبثت حركة التاريخ أن كنستها لأنها لم تكن تنطوي على منظور حضاري بل اعتمدت الهدم والتخريب.

وهذا بحث من بين ركام البحوث التاريخية التي ملأت الساحة في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. يوم كان الماركسيون يصولون ويجولون في ديارنا، ويحاولون تنزيل القوالب الماركسية بالعنف والإكراه على تاريخنا، فيقعون في مطبات ما أنزل الله بها من سلطان!

ومن العجيب أن البحث الذي سأتحدث عنه في هذا المقال الموجز يكتبه دكتور قادم من أمريكا، ولا أدري كيف تحول هناك إلى الماركسية والمهم أن يبدأ بحثه بمقدمة صحفية يغلب عليها طابع الخطاب، رغم أنه بحث يفترض أن يكون علميا لغرض نشره في مجلة علمية محكمة !! ثم ما يلبث أن يدخل الموضوع بجملة من المسلمات الخاطئة، ولكنها في نظره معايير مقدسة يتحتم اعتمادها في التعامل مع التاريخ الإسلامي، وليكن ما يكون.

نظرة كلاسيكية

إنه يبدأ بحثه بعدم التمييز بين الوحدات الحضارية واعتبارها جميعا حضارات عصور وسطى، وهي نظرة كلاسيكية ساذجة ترفضها الدراسات الحضارية العلمية توينبي وغيره ممن أثبتوا بطلانها فثمة لكل حضارة ميزات وخصائص تمنحها شخصيتها المستقلة، فضلا عن أن الحضارة الإسلامية تتسم بميزة خاصة تفتقدها سائر الحضارات الأخرى، في اعتمادها على الوحي والوجود .

ثم ما يلبث أن يدخل في معمعة الاضطراب في الرؤية بين مبادئ الإسلام ووقائع التاريخ الإسلامي، بين الحلول الفقهية المستمدة من الشريعة الإسلامية وبين المعطيات الأموية والعباسية الفاسدة التي يرفضها هذا الدين ابتداء.. وهو يغفل المعارضة التي قادها رواد الفقه الإسلامي بوجه الأوضاع والسياسات الجائرة: (مالك أبو حنيفة الشافعي ابن حنبل العز بن عبد السلام ابن تيمية.. إلخ).

نجاح اقتصادي

وهو يرى أن الإسلام لم يغير البنى الاقتصادية، غافلاً الدور الكبير الذي نفذه كل من عمر بن الخطاب في العراق في مسألة تأميم أرض السواد)، وعمر بن عبد العزيز (۹۹) - ۱۰۱ هـ) في برنامجه  الاقتصادي الذي حقق نجاحًا مدهشًا. ثم ما يلبث أن ينساق وراء المصطلحات التي اعتمدتها الماركسية مثل: اليمين واليسار، والبورجوازية والبروليتاريا والصراع الطبقي فيوقع نفسه في جملة من المطبات الأخرى، حيث يحسب بلال على الخط الاشتراكي، وعثمان بن عفان على الخط الإقطاعي، رغم أن واقعة الجدل الذي عقده الخليفة عمر بن الخطاب حول أرض السواد في العراق تؤكد العكس، حيث وقف عثمان إلى جانب التأميم، بينما مضى بلال للدعوة إلى توزيع الأرض على المقاتلين ونتذكرها هنا رأي كل من «فلهاوزن» في تاريخ الدولة العربية وسقوطها»

و «بروكلمان» في تاريخ الشعوب الإسلامية من أن أحد أسباب الفتنة ضد الخليفة عثمان بن عفان هي تذمّر الجند من إبقاء الأراضي بيد الدولة، وسيطرتها على الجيش، وإرسال الأموال للعاصمة، فيما يشير إلى أن أصحاب الفتنة كانوا «يمينيين» لا يساريين»؛ لأنهم استهدفوا توزيع المال العام لا تأميمه صراع طبقي والباحث يؤكد أكثر من مرة وحدة الصراع الطبقي دون أن يقدم أي دليل.. ذلك أن المؤشرات التاريخية تؤكد العكس، فإن القيسي، سواء ينتمي إلى الطبقة المترفة أم الفقيرة، كان يقف إلى جانب رفاقه القيسيين، وكذلك اليمني، دون أن يسحبهم حسهم الطبقي للانضواء تحت الطبقة بغض النظر عن انتمائها القبلي.. لقد كان تاريخ بني أمية مترعا بالخصومات القبلية التي كانت تمثل المحرك الأكبر للأحداث، فأين إذن الصراع الطبقي وحيثياته التاريخية؟

وهو يكيل المديح للتجارب الشيوعية في تاريخنا الإسلامي، رغم أنها تجارب ساذجة حققت نجاحًا جزئيًا في المناطق الصحراوية وبين أقوام قبليين من البدو وما لبثت حركة التاريخ أن كنستها، لأنها لم تكن تنطوي على منظور حضاري بل اعتمدت الهدم والتخريب بدلا من الإعمار والبناء، فلو أنها كانت حركات علمية كما يدعي الباحث، تنسجم وخط الحق والعدل لأثبتت وجودها على الأقل، بل إنها - على العكس - سرعان ما فاءت إلى الطغيان والاستبداد والطبقية الدينية التي وصلت في الإسماعيلية المعاصرة إلى قيام الكادحين بوزن الزعيم بالذهب، في كل سنة، ومنحه إياه لكي يبذره عبر الليالي الحمراء، بعد أن اعتصروه بدمائهم وعرقهم.

مقولة ساذجة وهو يتهم الحضارة الإسلامية وتصانيفها التاريخية بالأرستقراطية رغم أن هذه المقولة الساذجة ترتطم ابتداء مع معطيات الدراسات الحديثة في كتب التراجم التي تشكل ٨٠٪ من مصادرنا التاريخية، والتي تم التحدث فيها عن حشود الناس مختلفي الانتماءات الطبقية. عملوا جميعًا على بناء النهضة العلمية في تاريخ الإسلام، ها هنا حيث يبرز «علم الرجال»، و«الجرح - والتعديل»، وسيلة موضوعية النقد الرجال، لم يستثن أحدًا فقيرًا كان ام غنيًا . والباحث يضع نفسه – بالضرورة - في حالة تناقض بين فكره الماركسي حيث تتشكل الأوضاع الاقتصادية بعيدًا عن إرادات الناس، وبين نقده للإسلام كمبدأ وقيادة، في عدم قدرته - كما يدعي الباحث على تغيير البنى الاقتصادية!

تعمیم و اقتطاع نصوص

والمقال - عمومًا - يعكس صورة بائسة للمأساة اللاعلمية التي تمارس في البحوث التي تعتمد التعميم، واقتطاع نصوص معينة من بين العشرات والمئات للاستشهاد بها على منطقية الهيكل المذهبي المرسوم سلفًا، رغم وجود ما يعارض هذا الاستشهاد ابتداء وإليكم واحدة من هذه المطبات من بين عشرات غيرها، تنتشر كالبثور على صفحات البحث المذكور: إنه يدين عماد الدين زنكي (٥٢١ - ٥٤١هـ ) قاهر الصليبيين، في إجراءاته المتشددة مع الفلاحين ويعتبره ارستقراطيا دون أن يكلف نفسه عناء الرجوع إلى المصادر لتبين الدوافع التي قادته إلى اتخاذ موقفه هذا، وعدالته - في الوقت نفسه - مع الفلاحين التي تشير إليها نصوص أخرى، ومن بين تلك النصوص ما أورده المؤرخ ابن العديم في زبدة الحلب من تاريخ حلب من أن زنكي بلغ من السطوة والنفوذ لدى جنده انه ، إذا ركب مشى العسكر خلفه كأنهم بين خيطين مخافة أن يدوس العسكر شيئًا من الزرع، ولا يجسر أحد من هيبته أن يدوس عرقًا منه، ولا يمشي فرسه فيه، ولا يجسر أحد من أجناده أن يأخذ من فلاح حفنة من التبن إلا بثمنها، أو بخط من الديوان إلى رئيس القرية، فإن تعدى أحد صلبه!

وأسلوب البحث مفكك، ومنهجه تغيب عنه الرؤية العلمية الواضحة المحددة، ويبدو أن صاحبه لا يريد أن يبحث وفق المنهج الموضوعي القائم على استقراء الوقائع جميعا لاستخلاص القيم والمبادئ والمؤشرات، وإنما هو يسعى إلى رسم أو تصميم هيكل مسبق ثم يتنقل بعد ذلك عبر مساحات التاريخ الواسعة، لكي يقتطع من حشود الشواهد عددا محددا ينسجم ووجهة نظره، وهذه الوجهة ليست مبتكرة ولا أصيلة، لكي نقول: إن للمؤلف قدرة على الابتكار والإبداع، وإنما هي تكرار سمج، ونقل غير منقح لعدد من كتاب المحاولات الماركسية في تاريخنا (من أمثال بندلي جوزي، وأحمد عباس صالح ومحمود إسماعيل.. إلخ)، وهي - باختصار شدید - طريقة رخيصة ومجانية وغير علمية، لأن بإمكان أي إنسان أن يفترض - مقدمًا - مقولة من المقولات، ثم يجيء إلى مصادر التاريخ، وهي تضم معطيات وروايات في شتى الاتجاهات، فيقتبس منها ما يوافق مقولته ويرفض ما يخالفها، حتى لو شكل المساحة الأوسع، ويبدو لذي النظرة الجزئية أن المقولة منطقية وصحيحة، بدليل ما يلحق بها من وقائع ونصوص وتوثيقات، إلا أن النظرة الأشمل تبين خطأ هذا الأسلوب وجزئيته، ولا علميته وعدم إعطائه صورة موضوعية عادلة عن حضارة أو تجربة ما وإنما هو الضرب على غير هدى! 

الرابط المختصر :