; مقامات رمضانية (1) صائم في مقام الفرح | مجلة المجتمع

العنوان مقامات رمضانية (1) صائم في مقام الفرح

الكاتب د. أحمد عيسى

تاريخ النشر السبت 22-أغسطس-2009

مشاهدات 53

نشر في العدد 1866

نشر في الصفحة 20

السبت 22-أغسطس-2009

«عم إبراهيم» رجل بسيط يتهلل فرحا بقدوم شهر رمضان. محياه يشرق بالنور وأنفاسه تتعطر بالذكر، وقلبه يلهج بالدعاء، وتتجسد في شخصه كل معاني الشعور بحلاوة الإيمان

يتجسد الشهر في وجهه منذ أن يبدأ عليه نور القمر منذ أن هل هلاله يزداد نورا على نور وإيمانا مع إيمانه، عرفته عن قرب، وراقبته عن بعد، حينما حل الشهر وجدته فرحا مستبشرا تشرق محياه بالحلاوة، وتتعطر أنفاسه بالذكر الدائم ماذا حدث؟ هل تغيرت إشعاعات العالم؟ هل تغيرت الموجات الكهرومغناطيسية؟ هل هناك شيء ما في الشهر يحدث في الكون لا ندركه يلامس أرواح أهل الإيمان فيتفاعل في الجسد، وينتج عنه نضرة الوجه بنعيم الصيام؟ كان عم إبراهيم رقيقًا. ولكن ما أن يحل رمضان ضيفا حتى ينغمر في بحر البهجة، ويغتسل في نهر الانشراح. سألته فقال: يا بني﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾(سورة يونس: أيه رقم58)وفضل الله هو الإسلام ورحمته هي القرآن. ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾(سورة القصص: أيه رقم86)

يقول ابن القيم في مدارج السالكين فالفرح بالله وبرسله، وبالإيمان، وبالسنة وبالعلم، وبالقرآن من أعلى مقامات العارفين، قال الله تعالى: ﴿ وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾(سورة التوبة: أيه رقم124) وهذا الفرح بها دليل على تعظيمها ومحبتها».

«والفرح بالشيء فوق الرضا به، فإن الرضا طمأنينة وسكون وانشراح، والفرح لذة وبهجة وسرور، فكل فرح راض، وليس كل راض فرحًا. ولهذا كان الفرح من الحزن والرضًا من السخط، والحزن يؤلم صاحبه والسخط لا يؤلمه».

حلاوة الإيمان

لازمت الرجل حتى «يصيبني» شيء من فرحه برمضان، لم يكن عم إبراهيم» يبتسم تصنعا وإنما كأن شيئًا تغير فيه فألزمه السرور.

كأنه وجد حلاوة الإيمان كما في الحديث عن أنس بن مالك رضاه عن النبي قال: ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار «البخاري».

رأيته مشمرًا للعبادة والطاعة، مستجيبًا لكل ما يحبه الله، وأدركت أن سروره ذهب بحزن ناتج من خوف الانقطاع، حزن المتخلفين عن ركب المحبين ووفد المحبة، وأهل الانقطاع هم الذين قال الله عنهم: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ ﴾(سورة التوبة: أيه رقم46)

يقول ابن القيم: «فثبط عزائمهم وهممهم أن تسير إليه وإلى جنته، وأمر قلوبهم أمرًا كونيا وقدريا أن تقعد مع القاعدين المتخلفين عن السعي إلى محابه، فلو عاينت قلوبهم-حين أمرت بالقعود عن مرافقة الوفد، وقد غمرتها الهموم وعقدت عليها سحائب البلاء فأحضرت كل حزن وغم، وأمواج القلق والحسرات تتقاذف بها، وقد غابت عنها المسرات، ونابت عنها الأحزان-لعلمت أن الأبرار في هذه الدار في نعيم، وأن المتخلفين عن رفقتهم في جحيم».

شغف للعلم

ورأيته شغفا للعلم في هذا الشهر ويحثني عليه، وأدركت أن سروره طرد حزن ظلمة «الجهل والجهل نوعان: جهل علم ومعرفة، وجهل عمل وغي، وكلاهما له ظلمة ووحشة في القلب، وكما أن العلم يوجب نورا وأنسا، فضده يوجب ظلمة ويوقع وحشة، وقد سمى الله تعالى «العلم» الذي بعث به رسوله نورا وهدى وحياة، وسمى ضده ظلمة وموتا وضلالًا. قال تعالى:﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾(سورة البقرة: أيه رقم257)        

﴿ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾(سورة الأنعام: أيه رقم122﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾(سورة الشورى: أيه رقم52)

فجعله «روحًا» لما يحصل به من حياة القلوب والأرواح، و«نورا» لما يحصل به من الهدى والرشاد.

مناجاة وسجود

كان «عم إبراهيم» في رمضان يكثر من المناجاة والسجود والدعاء، كان بسيطا في دعائه، يستغيث بالقريب، وأدركت أن من وراء فرحه قربه من الله.

«ففي القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله، وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس به في خلوته».

والتفرق يوجب وحشة الحجاب وآلامه أشد من ألم العذاب ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾(سورة المطففين: أيه رقم52)

فأطيب العيش عيش المحب الواصل لمحبوبه، وأمر العيش عيش من حيل بينه وبين محبوبه لهذا جعل الله مفارقة المشتهيات-لأهل الدنيا من أعظم العقوبات ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ ﴾(سورة سبأ: أيه رقم54)

ولم يكن سماعه وحضوره لمجالس العلم شيئا روتينيا» يقضي به الوقت لتمر ساعات النهار والصوم، بل كان سماعه سماع المنتفع لا مجرد سماع الإدراك، وهو يزيل بقايا الوحشة التي سببها ترك الانقياد التام.

«وقد بين الله سبيل حصول هذه المعرفة ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾(سورة ق: أيه رقم37)

فالله كلامه ذكرى لا ينتفع بها إلا من جمع هذه الأمور:

أن يكون له قلب حي واع، وأن يصفي بسمعه فيميله كله نحو المخاطب، وأن يحضر قلبه وذهنه عند المكلم له، وهو الشهيد.

 فإن غاب قلبه وسافر مع موضع آخر لم ينتفع بالخطاب.

وكان «عم إبراهيم»، أكثر استغفارًا في رمضان «فأرباب العزائم والبصائر أشد ما يكونون استغفارا عقيب الطاعات لشهودهم تقصيرهم فيها»، وترك القيام لله بها كما يليق بجلاله وكبريائه، وأنه لولا الأمر لما قدم أحدهم على مثل هذه العبودية ولا رضيها سيده».

وقد أمر الله تعالى وفده وحجاج بيته بأن يستغفروا عقب إفاضتهم من عرفات، وهو أجل المواقف وأفضلها،﴿ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾(سورة البقرة: أيه رقم199)

شعث القلب لا يلمه إلا الإقبال على الله ووحشته لا يزيلها إلا الأنس به في خلوته

أرباب العزائم والبصائر أشد ما يكونون استغفارا عقب أداء الطاعات لشهودهم تقصيرهم فيها

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1229

79

الثلاثاء 10-ديسمبر-1996

حياة القلوب