; صاحب الحمار.. وصاحبة اللثام على مسرح سلطة الحكم الذاتي! | مجلة المجتمع

العنوان صاحب الحمار.. وصاحبة اللثام على مسرح سلطة الحكم الذاتي!

الكاتب سيد الفضلي

تاريخ النشر الثلاثاء 19-مايو-1998

مشاهدات 51

نشر في العدد 1300

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 19-مايو-1998

نشرت صحيفة معاريف الإسرائيلية تحت عنوان «البدوية والحمار» قصة ساخرة تناولت فيها اتفاقيات أوسلو، وعرب العصر الذي لهثوا وراءها جرياً حتى فازوا بالتوقيع عليها إلى جوار المفاوضين اليهود تحت رعاية – وعناية... الولايات المتحدة.

تقول القصة: إن بدوياً سيئ الحظ استيقظ ذات صباح فلم يسمع نهيق حماره فجرى إلى مربضه ليكتشف أن الحمار نجح في التخلص من اللجام والرباط وانطلق هاربًا، في ذلك العصر كان الحمار بالنسبة للبدوي كالسيارة في عصرنا الراهن. وحينما أفاق الرجل من هول الصدمة وحجم الخسارة انطلق هائمًا على وجهه يبحث عن حماره، ولم يترك بقعة إلا ومضى إليها باحثاً.

وبينما هو يتابع فوق الرمال لأيام طويلة إذا ببدوية شابة، على وجهها لثام تظهر أمامه فجأة، فنسي الرجل حماره وأخذ يطارد الملثمة، التي أسرعت الخطى وكذلك هو، وجرت المطاردة لساعات طويلة تحت وهج الشمس المحرقة إلى أن وصلت إلى واحة وذهبت إلى محل صغير لتروي ظمأها وتستريح، ووصل وراءها إلى الواحة، وشرع يمطرها بكلماته ووعوده وهي منصرفة عنه، إلا أنه لم ييأس، بل أخذ يواصل مديحه وثناءه ويضاعف من وعوده إلى أن استطاع أن يرقق قلبها، فكان الكلام، وكان الارتباط.

وأراد البدوي أن يعرف شخصية البدوية بعد أن زالت الحواجز فطلب منها أن ترفع لثامها، فكشفت له عن منظر لم يشهده من قبل. إن عينيه لم تشهدا قط مثل هذا القبح - فالأسنان بارزة ومكسرة، والأنف كبير ومعقوف، وما إلى ذلك. وعندما رأى البدوي أنه سقط في الفخ الذي نصبته له التفت إليها وقال: أه لقد تذكرت أني نسيت حماري الشريد، وعندئذ أعرض عنها واتجه ليعاود البحث عن حمارة المفقود.

وتتساءل الجريدة اليهودية . ماذا نعني بهذه القصة؟

 وتقول: «لقد تذكرنا هذه القصة بعد أن وقع عرفات حلفًا مع الحكومة الإسرائيلية للقضاء على المشكلة الفلسطينية في مقابل لقب «رئيس» الذي هو أقرب إلى المختار من رئيس دولة، ولقد فقد عرب إسرائيل في الوقت نفسه الحمار الذي كانوا يعتمدون عليه كثيراً في الصحراء السياسية والاجتماعية الإسرائيلية. أنهم يلعبون بإخلاص شديد دور البدوي الذي هرب حماره ... منه».

إلا أننا نحسب أن الذين وقعوا اتفاقيات أوسلو هم الذين هرب حمارهم، فانطلقوا ليلاحقوا البدوية الملثمة بدلًا من البحث وراء ضالتهم، غير أنهم رغم ما في اتفاقيات أوسلو من مصادرة للحقوق الفلسطينية وتأكيد على بسط النفوذ والقبضة الصهيونية على الأرض والديار، فإنهم لا يفتئون يعلنون بين الحين والحين أنهم حريصون على الالتزام بما جاء في الاتفاقيات، وأنهم ملتزمون بخيار السلام، ولا رجعة عنه وفي ظل هذا الالتزام الغريب باتفاقيات أوسلو، والارتباط المتساوي الوثيق بخيار السلام الأمريكي - الإسرائيلي، تسارع معدل التنازلات التي قدمتها وتقدمها سلطة الحكم الذاتي لكي تؤكد حرصها على السلام، وكي تثبت أنها على مستوى الالتزام بالاتفاقيات حتى صارت سلطة الحكم الذاتي والمطلب لاتفاقيات أوسلو في ناحية، والأمة كلها في ناحية أخرى وفي ظل هذه العزلة التي اختارتها سلطة الحكم الذاتي فرضتها على نفسها لم يعد ثمة ما يدعو إلى الدهشة أو العجب.. حين يعلن نتنياهو لاءاته الشهيرة، لا للدولة الفلسطينية لا لإعادة انتشار قوات الاحتلال في الضفة وغزة في مساحة  تزيد على ٩.٢٪ من مساحتها الكلية، لا لأي وجود فلسطيني في القدس العاصمة الموحدة الأبدية للكيان الصهيوني الغاصب لا لأي وجود للتيار الوطني والإسلامي في مناطق الحكم الذاتي ولم يعد أيضًا ثمة ما يدعو للدهشة حين يعلن ياسر عرفات رسميًا أنه يقبل بما طرحته الأفكار الأمريكية والتي لم ترق إلى مستوى المبادرة بعد، فيما يتعلق بإعادة انتشار القوات  الصهيونية في الضفة وغزة في مساحة لا تعدو ١٣% من مساحتها.

 السيد ياسر عرفات رئيس سلطة الحكم الذاتي والذي يزداد إصرارًا يومًا بعد يوم على الالتزام باتفاقيات أوسلو، أعلن في مؤتمر صحفي: لقد قررنا قبول الأفكار الأمريكية على الرغم من أنها تمثل ضغطًا علينا انطلاقًا من موقفنا الإيجابي والاستراتيجي حتى لا تكون هناك فرصة أمام نتنياهو للتهرب  من عملية إعادة الانتشار، مع أن المساحة التي يجب أن تشملها  إعادة الانتشار حسب اتفاقيات أوسلو في المرحلتين الأولى والثانية تصل إلى ٤٠% من مساحة الضفة وغزة. وقبل ذلك أعلن عرفات عن اتخاذ سلطة الحكم الذاتي موقفًا تنازليًا آخر إزاء قضية مقتل محيي الدين الشريف حيث أعلنت أن كوادر حماس هي التي قتلت الشريف، رغم أن العديد من الشواهد والدلائل تشير إلى الدور الإسرائيلي في اغتياله.

وإضافة إلى ذلك قامت سلطة الحكم الذاتي باعتقال  العشرات من كوادر حماس، تأكيداً لنهوضها بالدور الأمني المطلوب إسرائيليًا، لتوفير الأمن للصهاينة على حساب القوى الإسلامية والوطنية الفلسطينية وبالطبع على حساب القضية الفلسطينية. 

الرئيس الأمريكي كلينتون، الراعي الأعظم، لأطراف  اتفاقيات أوسلو أشاد بسلطة الحكم الذاتي فقال إبان مشاركته في الاحتفالات التي أقيمت في البيت الأبيض بمناسبة مرور خمسين سنة على قيام كيان صهيوني وسط ديارنا، وفي قلب أرضنا، إضافة إلى تصريحاته لجيروزاليم الصهيونية «إن الرئيس عرفات يستحق الإشادة به على التنازلات التي قام بها لتحريك عجلة السلام، لقد قلص بشكل ملحوظ مطالبه بشأن مدى الانسحاب الإسرائيلي من الضفة، إن لدى عرفات طموحات في الأراضي الفلسطينية ولكنه عدلها، إن الفلسطينيين يريدون التقدم للأمام» «كما أشاد الرئيس الأمريكي بعرفات لموقفه من حماس، وقال إن عرفات استجاب للشروط التي وضعتها  إسرائيل للانسحاب وأعتقد أن الطريقة التي عالج  بها مسألة حماس تعزز صدقية عرفان»..

يبدو أن التقريظ الأمريكي لرئيس سلطة الحكم الذاتي.. كفيل بأن يدفع أهل التنازلات لتقديم ما تبقى من تنازلات وإن كنت أحسب أنها قد نفدت أو أوشكت على النفاد، بعد أربع سنوات من الجري وراء اتفاقيات أوسلو... جري البدوي وراء صاحبة اللثام.

الرابط المختصر :