العنوان صبغة الله
الكاتب سمية رمضان
تاريخ النشر السبت 13-أكتوبر-2007
مشاهدات 69
نشر في العدد 1773
نشر في الصفحة 52
السبت 13-أكتوبر-2007
مازلنا نرتشف من رحيق تجاربه
فهذه هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها، فبمجرد أن يتبين الطريق يصب المرء فيه أستاذًا ولنا نبراسًا. أليست هي صبغة الله ترى؟ وهذه الأيام المباركة تتناثر من بين أيدينا. كم من الآيات أصبحت في حياتنا ذكرى، وكان له الفضل في تغيير ما ألفته النفس ونُهِم عنه الإسلام عموماً. ما زال في الشهر بقية وفي العمر إن شاء الله، فلنصحُ يومًا ولو بآية أو حديثًا نسلم لهما قيا أنفسنا ويكون لهما معنا ذكرى.
الميزان
كانت رحمة الله على مجموعات التحرك بالقرآن كثيرة، فقد كانت الآية والحديث هما الفيصل في كل أمورهم، وكانت الداعية تهتدي بأولوية منهج الله مع استبعاد منهج الأهواء. وفي يوم وهي في طريقها لإلقاء درس من دروسها، كانت تسأل كعادتها عن طبيعة من ستلقي عليهم الدرس وما هي مشاكلهم واهتماماتهم عسى أن ينير الله لها طريق الدخول إلى قلوبهم. فبادرها أحد الشباب ومعه زوجته بأمر أرهفت له سمعها، حيث قال: "ليتك تتحدثين عن الأرحام، فإن زوجتي تخيرني بينها وبين أمي، فماذا أفعل؟ فالمشاكل تحاصرني من كل صوب بسبب ذلك."
نظرت الداعية إلى الشاب والفتاة، فهما في مقتبل العمر وقد رسم الحزن معالم على وجهيهما، فقالت للفتاة: "ما الأمر، يا بنتي؟" فأجهشت بالبكاء وهي تردد: "إن زوجي يفضل أمه علي في كل شيء، وقد سئمت مر ذلك فعليه أن يختار." نظرت الداعية للشاب وقد طأطأ رأسه وهو لا يجيب، فقالت له: "ألا تجيب؟" فقال: "وماذا أقول وقد تحولت حياتنا إلى حبائل من النكد تلتف علينا وتكاد أن تفتك بنا؟" قالت الداعية: "ولم كل هذا؟ فقل لها: لن أختار بعد اختيار الرسول ﷺ. فعندما سأله رجل: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك.» قال: ثم من؟ قال: «أمك.» قال: ثم من؟ قال: «أمك.» قال: ثم من؟ قال: «أبوك.» فماذا بعد قول رسول الله؟"
بهتت الفتاة وكأنها تسمع الحديث لأول مرة في حياتها، حيث قالت: "اللهم صل وسلم عليك يا رسول الله، لا والله لا أعود إلى ذلك أبدًا."
دهش الزوج من رد فعل زوجته وأخذ يشكر الداعية، فوجهت إليه حديثها قائلة: "لماذا لم تفعل قول رسول الله ﷺ في حياتك وتلتزم بكل أقواله وأفعاله، وقد سطرها لنا العلماء الأجلاء، وحافظوا عليها، ونقحوها من أجل أن تكون معك في حياتك، فهي الميزان الحق لكل فرد من أمته ذكرًا كان أو أنثى؟"
شعر الاثنان وكأن جبلًا شاهقًا كان يقبع على قلبيهما قد انزاح بلطف وهدوء.
أسلمت نفسي إليك
أما عن صاحبتنا هذه، فقصتها كما حكتها لنا كما يلي:
تزوجت حديثًا، ومثل كل فتاة كانت أحلامها تدور حول طفل أو طفلة، لا يهم، يمتلئ البيت عليها وعلى زوجها بالبشر والفرح. ولكن الأيام تتعاقب والشهور والسنوات ولم يأت مولودهما، وفي كل شهر كان ترقبها لهذا الحدث يكاد يفتك بأعصابها ونفسيتها، وعندما لا يتحقق الأمل، تكمل ما تبقى من الشهر في بكاء ونحيب، وهكذا تذبل زهرة فرحتها.
وتزوجت أخواتها، وبدأ أولادهن يتكاثرون، وكذلك صديقاتها، ومن كانت تعرفهن في مثل عمرها، مما كان يزيد من وطأة عذابها وحسرتها. حاول زوجها أن يجعلها تجتاز محنتها، فقدم أوراقها إلى إحدى مدارس تحفيظ القرآن الكريم.
وكانت الأخت في موعد مع السعادة، فقد درست أدعية الرسول ومنها أدعية النوم، فعن البراء بن عازب -رضي الله عنه-: قال لي رسول الله ﷺ إذا أتيت مضجعك، فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، وقل: اللهم أسلمت نفسي إليك.
كانت تردد الدعاء وتشعر براحة كبيرة، واستمرت هكذا حتى بدأ الدعاء يهيمن على حياتها، إلى أن حان يوم دراسة الحديث القدسي، فدرست الحديث المروي عن رب العزة سبحانه وتعالى: «أنت تريد وأنا أريد. فإن سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد.»
فقالت: أسلمت لك ربي كل أمري.
لم يكن فقط قولًا باللسان، ولكن كان ترجمة عملية في كل أفعالها وتصرفاتها، فقد امتلأت نفسها بالرضا ووكلت أمرها إلى الله، فلم تعد تشعر بضغط نفسي من تأخر إنجابها. وبدأت تمارس حياتها بشكل طبيعي مع لسان يلهج بحمد الله وشكره وتسليم مطلق له سبحانه.
استمرت الحياة بدون منغصات، وفي مرة عندما كانت تدرس آيات القرآن الكريم شعرت بدوار، فلم تلق له بالا، تبعته أعراض لم تشعر بها من قبل، ولكنها لم تعبأ بكل ذلك، وهي التي كانت تراقب نفسها مراقبة حثيثة. ومرت الأيام، وفي يوم امتحانها شعرت بتعب وإجهاد شديدين، فاستشارت إحدى الطبيبات، وإذا بالبشرى أنت حامل. فسجدت لله شاكرة للتو واللحظة وهي تردد: "أسلمت إليك فيما تريد فكفيتني ما أريد، كم أنت رب كريم."
هكذا عندما انشغلت الأخت بما عليها لله أسلمت نفسها إليه صدقًا، فوهبها سبحانه ما تريد.
إن نعمة التحرك بالقرآن والسنة نعمة عظيمة نسأله تعالى دوامها.
اطمئنان النفس
وها هي التجارب العديدة للذين اقتنعوا بهذا المنهاج وأرادوا تطبيقه تطل برأسها، كل منها تريد أن نبدأ في روايتها من البداية حتى النهاية، ولكننا سنعرض لتجربة فتاة من أرض الرباط، متزوجة وفي العقد الثاني من العمر، وهي تريد أن تصبغ كل حياتها بالإسلام، ولنتركها لتروي بنفسها روايتها حيث تقول:
كنت متعبة مرهقة مثقلة بالدنيا وأهل الدنيا. كان اجتماع الأهل عندي في بيتي تحديًا كبيرًا، فهي مواجهة بين ما يجب أن يكون، وبين تيار يجرفني إلى فعل ما لا يحسن وأيضًا ما لا يرضي ربي. كان اجتماع الأهل في بيتي معناه من جهة أخرى معركة خفية تجري بين نفسي المطمئنة ونفسي الأمارة بالسوء، فنفسي الأمارة بالسوء تريد أن تتحدث بلا حدود، بلا تمحيص، بلا رقيب. فهي تظن، وتبني على الظنون أحكامًا، وتجعل ردود أفعالي وكلمات لساني مبنية على تلك الظنون. فهي تريد أن تكون الأفضل في كل شيء، تغار من كل شيء. وتريد أن تتباهى دومًا لتثبت أنها الأفضل. وهذه النفس تريد أن تنتقم من كل ما ظنت أنه ينتقدني أو يتباهى علي، فيكفي أن يذكرني الشيطان بأذى تعرضت له، أو كلمة سمعتها حتى أفتح الدفاتر القديمة، وأنبش في الأحداث، وأجهز لذلك مواقف وأفعالًا.
وقد أتعبتني هذه النفس، كان لابد لها من لجام. وأنا أعلم أنه لن يردعها سوى أن تخضع وتستسلم لأوامر الله. كنت أعلم ذلك، ولكني لا أدري كيف؟ ولا من أين أبدأ؟ وما الذي يعينني على ذلك؟ فإن ما أتمناه لابد أن يصاحبه جهد وجهاد كبيران ومراقبة شديدة وكر وفر وتثبيط وعلو، ويوم لك ويوم عليك، حتى تستقر الأحوال إلى ما أحب لنفسي وأرغب.
وسألت الله فسمعت عن التحرك بالقرآن الكريم، وبدأت التجربة. بدأت أتحرك بآية فارتاحت نفسي المطمئنة، ثم بآية أخرى فهدأت، فعقدت العزم على أن أختم القرآن بتدبر وفهم، لعل مكاسبي يكون عظيمًا بتطبيق آيات أكثر تسير لي الوصول إلى هدفي. وبدأت أردد الآيات.
سبحان الله، المواقف التي أمر بها جعلت القرآن وآياته القائد الذي يصدر لي أمر افعلي، أو لا تفعلي. فإذا جلست مع أحد وصدر منه ما يضايقني أجد نفسي أردد:
﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ﴾ (الحجر: 97-98).
وفي أثناء الحديث مع النساء، هذا الحديث الذي كثيرًا
ما يتشعب، ويأخذنا إلى غيبة ونميمة، دون وعي، تذكرت قول الله: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ (النور: 15).
فاستغفرت، وتذكرت حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "وهل يكب الناس على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم؟" فاجتهدت في التقليل من الكلام وتحديده في إطار من المباح وأموره.
وقس على ذلك أي موقف آخر، كنت أجد دومًا في القرآن الكريم آية منيرة تضيء لي طريقي، وتؤنس وحدتي. وقد بدأ زوجي يشعر براحة البال والطمأنينة، فبدل أن أرهقه بذكري أفعال الآخرين، وأرهقه بأخباره التي لا يحبها ولا تسره، أصبحت أخبره عن آيات الله، وكيف أنني أحاول فهمها، فتلاقت أرواحنا. وبدأنا معًا مسيرة القرآن، حتى أن الله أنعم علينا برضاه عنا، وأكرمنا بالحياة السعيدة التي لم يكن لنا بها عهد من قبل.
الحياة في رحاب القرآن الكريم
كنت في المدينة المنورة، وقد حانت الفرصة لأداء العمرة، فقلت يا الله: لا أريد أن أخرج من الحرم المكي إلا بعد أن أقرر أن أتحرك بآية من القرآن الكريم. ووفقني الله إلى أن أردد قول الله تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب: 71).
وكان من فضل الله علي أنني التزمت طاعة الله ورسوله في كل أمور حياتي. لقد كانت حياتي قبل أن ألتحق بحلقات التحفيظ عبارة عن حياة عادية، لا تختلف كثيرًا عن حياة غيري. لقد كنت أؤدي ما عليّ من عبادات وواجبات، لكني لم أكن أعيش بروح القرآن، ولم أكن أتحرك به، وكانت تسير حياتي عادية. الآن بعد أن بدأت أتحرك به، أصبحت حياتي مختلفة تمامًا. أصبحت أعيش بروح القرآن الكريم، وأتحرك بأوامره ونواهيه، وقد رزقني الله بفهمه وتدبره. أصبحت الآيات تتحدث إليّ، وأصبحت أرى فيها الحلول لكل مشاكلي وأزماتي.
أصبحت حياتي أكثر طمأنينة وسكينة، وتغيرت نظرتي للأمور، فأصبحت أرى كل شيء من خلال نور القرآن. وأصبحت أدرك أن الله سبحانه وتعالى أراد لي الخير والسعادة من خلال الالتزام بأوامره. وأدركت أن كل ما أمرنا الله به إنما هو لصالحنا، وأنه يعلم ما ينفعنا وما يضرنا.
تجاربكم مع التحرك بالقرآن الكريم
أيها الإخوة والأخوات، إن نعمة التحرك بالقرآن والسنة نعمة عظيمة. وكل من عاشها يعلم مدى عظم هذه النعمة. إننا نعيش في زمن كثرت فيه الفتن والمغريات، وكثرت فيه التحديات والصعوبات، ولكن بالتحرك بالقرآن والسنة نستطيع أن نتجاوز كل ذلك بفضل الله.
فلتكن لنا وقفة مع أنفسنا، ولنحاول أن نبدأ بالتحرك بآية واحدة فقط، ثم ننتقل إلى أخرى، وهكذا حتى يصبح القرآن الكريم هو قائدنا ومرشدنا في كل أمور حياتنا.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من أهل القرآن، وأن يرزقنا فهمه وتدبره، وأن يهدينا إلى طاعته وطاعة رسوله -صلى الله عليه وسلم، - وأن يجعلنا من الفائزين في الدنيا والآخرة.
أول أيام العيد
كان العيد قد اقترب ولم تبقَ إلا أيام قليلة من شهر رمضان، وبدأت الأسرة تسأل أحمد: ماذا أعددت للعيد؟
سكت أحمد الصغير، ولم يجب وترك الأمور تسير بشكل طبيعي.
كانت الأسرة قد بدأت في وضع ملابس الشتاء في حقائب لتحتفظ بها للعام القادم وأخرجت ملابس الصيف، وإذا به يكتشف أن الكثير منها قد أصبح لا يناسبه.
سأل أمه أن تغسلها وتكويها وتضعها بعد ذلك في لفافات جميلة، وأهدى هذه اللفافات إلى ابن البواب وابن المسحراتي، وإلى الكواء وصبي بائع الصحف. سعدت أمه بما فعل.
راح أحمد بعد ذلك يرتب كتبه، وجد أنه قرأ الكثير منها ولم يعد بحاجة إليها. فعمل قائمة بالكتب التي يريد أن يستغني عنها، وسأل أصحابه أن يفعلوا الشيء نفسه. وبدأت عملية تبادل الكتب فيما بينهم بشكل أسعد الجميع. لقد تخلصوا جميعًا مما لا يريدونه، وأخذوا جديدًا لم يكونوا قد قرؤوه بعد.
ونسي أحمد التفكير في أمر العيد القادم، لكن الأسرة كانت تذكره به.
وحدث يومًا أن قرأ إعلانًا ملصقًا على حائط صلاة العيد خارج المدينة. قال في نفسه وجدتها. عرف المكان. وافق والده على أن يذهب للصلاة فيه. نصحه أن يفعل كما كان الرسول والصحابة يفعلون: يذهبون للصلاة من طريق ويعودون من طريق آخر.
وجد أحمد في طريقه إلى خارج المدينة عددًا من بيوت أصحابه، طلب منهم أن ينتظروه، ليسيروا معًا. وكان اللقاء صباح يوم العيد ممتعًا، إذ ساروا يكبرون مع أضواء اليوم الجديد. وتصادف في ذلك اليوم أن يكون مكان أحمد في الصلاة بين ناظر مدرسته ومدرس الدين. سعد بهما وسعدا به. قال له الناظر: مبارك العيد ومبارك نجاحك يا أحمد منذ انتهت الدراسة لم نلتق كنت سأستدعيك. هناك معسكر للمتفوقين دينيًا واجتماعيًا ودراسيًا. لقد رشحتك لقضاء عشرة أيام في الإسكندرية. شكرًا لسيادتكم وكل سنة وحضرتكم بخير.
عاد أحمد كما نصحه والده من طريق غير الذي جاء منه. كان هذا الطريق معلومة ببيوت أهله وأقاربه. دق أبوابهم وقدم لهم التهنئة بمناسبة العيد. عاد إلى البيت مبكرًا.
استعد مع أسرته لكي يستقبلوا القادمين ليقولوا: كل عام وأنتم بخير.
هل يمكنكم أن تعرفوا من جاء بهذه المناسبة؟
جاء ابن البواب وابن المسحراتي، وصبي الكواء، وصبي بائع الصحف.
كانوا سعداء بثيابهم. كل منهم أتى بهدية صغيرة ظريفة ومناسبة.
في المساء ذهب أحمد مع الأسرة إلى جده وجدته. سألوه عن برنامجه وكيف قضى العيد. كان سعيدًا وهو يقول:
البرنامج كان حافلًا ورائعًا، لم تكن هناك زينات في غرفتي، لكن ثيابي على أصدقائي كانت أجمل من كل زينة.
كتبي التي في أيديهم كانت رائعة وكذلك كتبهم التي وضعتها في مكتبتي.
الحق أني أحسست أنني صنعت لنفسي عيدًا بداخلي. أذهب للصلاة فيجيء إلى خبر المعسكر، أهنئ أهلي بالعيد فيعطونني العيدية. وسعد الجد بعبارة أحمد أنه صنع عيدًا بداخله، وليس من حوله. وكانت الجدة تتمنى لو عادت صغيرة لتقيم عيدًا في قلبها كما فعل أحمد.
وشعر الجد والجدة أن كلمات أحمد قد صنعت لهما أجمل عيد.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل