العنوان صحة الأسرة (العدد 1405)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 20-يونيو-2000
مشاهدات 59
نشر في العدد 1405
نشر في الصفحة 62
الثلاثاء 20-يونيو-2000
المرض الرقاص
خوريا هانتجتون: تدهور عقلي.. بلادة.. فقد السيطرة على حركة الجسم
د. عبد الرحمن محمد العيسوي(*)
المطلوب في مواجهته نشر الوعي النفسي.. التحلي بالصبر والعطف على المريض
مرض خوريا «هانتجتون» أو «المرض الرقاص»، يفقد فيه المريض سيطرته على أطرافه، وحركاته العضلية، بل يهتز ويلتوي بما يبدو للمشاهد أنه يرقص، وهكذا استمد هذا الاضطراب اسمه من لفظة يونانية معناها الرقص، وأصبح يستند إلى مكتشفه مختص الأعصاب الأمريكي جورج هانتجتون فما حقيقة هذا المرض وما أسبابه، وأعراضه، وسبل علاجه؟
من الناحية السببية يكمن عامل وراثي بين أسباب الإصابة بهذا المرض، وإن كانت الأعراض لا تظهر إلا في سن متقدمة من عمر المريض، وتقدر هذه السن بالفترة من ٣٥ إلى ٤٠ عامًا.
وفي بداية الأعراض تحدث اهتزازات حركية عضلية مع الشعور بالخجل، وسرعة الإثارة، ثم يأتي التدهور في الوظائف العقلية.
ويوجد هذا المرض في جميع المجتمعات، وفي البداية تكون حركات المريض الإرادية عادية، ثم يعقب ذلك حركات غير إرادية لا يتحكم فيها المريض، ولا يسيطر عليها ويبدو للمشاهد كما لو كان يتراقص أو يرقص!
ويصبح المريض سريع الاستثارة حاد الطبع مع العجز عن ممارسة الضبط الذاتي، ويصيب الجمود حركاته وتصرفاته، وقد تنتابه نزعات بارانوية، إذ يعبر عن العظمة والتعالي ويظهر هذا المرض بين أفراد أسر يسود فيها الإدمان، والمخدرات، والخمور، والإفراط الجنسي، والعنف والتخريب، مما يدل على وجود دور للظروف البيئية إلى جانب العامل الوراثي، وتتدهور الوظائف العقلية، إذ تضعف الذاكرة، والقدرة على التركيز والانتباه، وكذلك القدرة على الإدراك الحسي(1).
فـ «خوريا هانتجتون»، ذهان عقلي، أي مرض عقلي ناجم عن أسباب وراثية، وهو من الأمراض المزمنة، وليس الطارئة أو العارضة، ويصاحبه التدهور العقلي، ومن أعراضه الاهتزازات، وحركات الوجه، وضعف الذاكرة، وسرعة التهيج، والعجز عن التركيز، والانتباه، والاكتئاب، والميل للانتحار(2)، ويصعب الشفاء منه.
ويعاني المريض من الاهتزازات والالتواءات مع التدهور في الوظائف العقلية أو التدهور العقلي.
أعراض المرض:
ويوصف اضطراب الخوريا CHORIA بأنه مميت(3)، وهو مرض مستمر، ومسيطر، وله أعراض فيزيقية، كعدم القدرة على التحكم في (muscle movements) الحركات العضلية إلى جانب الأعراض العقلية والنفسية.
ويمكن أن نطلق(4) على هذا المرض «خوريا هانتجتون» أو «مرض ها نتجتون» ، فهو يرجع إلى اضطراب يولد الإنسان به inborn error إذ يبدو هؤلاء الأشخاص عند الميلاد أسوياء، ولا تظهر أعراض الشذوذ إلا في سن الرشد، إذ يبدأ الجهاز العصبي في التدهور، ويتبع ذلك فقدان القدرة على التنظيم والتحكم والأطفال الذين يتحدرون من آباء مصابين بهذا المرض، فإن نسبة احتمال إصابتهم تبلغ ٥٠٪، الأمر الذي يؤكد أن هناك جينًا مسيطرًا. ويعجز المريض(5) عن القيام بالأنشطة التي يبدأها هو أو يتخذ فيها موقف المبادأة- (self generation) - مع وجود صعوبات في التآزر الحركي، أي القيام بأكثر من حركة في وقت واحد في تناسق بعضها مع بعض كحركة اليد والقدم معًا، كما يحدث في قيادة السيارات، وأعراض الاهتزاز اللاإرادي هنا يظهر المريض كما لو كان يرقص.
وتنجم هذه الحالة من اضطراب في العقد القاعدية، وهي عبارة عن كتل من مادة رمادية في اللحاء الفرعي من نصفي كرة المخ، وتقوم بدور التناسق الحركي، وتدهور في وظائف القشرة الدماغية Cortex في الفصوص الجبهية من القشرة الدماغية، ويبدو عجز المريض في الأنشطة التي تتطلب منه القيام بسلسلة متتابعة من الحركات في خطوات عدة، مثل قيام سيدة المنزل بالخطوات المطلوبة لطهو الطعام، يعجز المريض عن القيام بالأنشطة التي كان يقوم بها بسهولة ويسر، ويسبب له هذا العجز كثيرًا من الضيق والضلالات التي قد تعتري المريض، وهناك فروق فردية واسعة في شدة الإصابة، ومبلغ التدهور(6).
ولقد لاحظ هذا المرض مختص الأعصاب الأمريكي جورج هانتجتون في الفترة بين ١٨٥٠ و ١٩١٦م، لذلك سمى هذا الاضطراب باسمه «رقص هانتجتون أو خوريا هانتجتون».
ويؤدي هذا المرض إلى حدوث ضمور في خلايا الدماغ، ومن بين أعراضه البلادة (apathy)، ووجود أورام في الأذرع والأرجل، ويجد المريض صعوبة في حفظ توازنه في أثناء المشي مع ميله لعض لسانه وشفتيه والميل للكلام البذيء، وقد يصاحب ذلك أعراض ذهنية أي عقلية وهي أشد خطورة من الأعراض الأولى.
وإذا كان هذا المرض يرجع لأسباب عصبية ووراثية، فكيف يهتم به علماء النفس والطب العقلي؛ يرجع ذلك إلى أن هذا المرض يصاحبه أعراض متعددة منها:
أ- أعراض جسمية.
ب- أعراض عقلية.
ج- أعراض نفسية مثل اضطراب الحالة المزاجية.
كما أن رعاية المريض وأسرته تحتاج إلى خبرة أساسية.
وكذلك ظهور أعراض تتعلق بالهذاء والهلاوس إلی جانب حدوث تغيرات في بناء الشخصية، ولمعرفة هذه الأعراض النفسية أهمية في حسن التعامل مع المريض ومعالجته.
هل تتلازم الأعراض الجسمية مع الأعراض العقلية في المرض الرقاص؟
تمتاز الأعراض بظهورها ونموها تدريجيًا لمدة تتراوح بين ١٠ و ١٥ عامًا، وليس من الضروري أن تصاحب الأعراض الجسمية الأعراض العقلية معًا وقد تتأخر أو تتقدم.
ومن الناحية الانفعالية قد يصاب المريض بالبلادة الانفعالية (emotional apathy) وكذلك ظهور عجز أو إعاقة في العمليات العقلية العرفية أو العقلية(impaired cognitive function ).
ويعاني المريض مما يعرف باسم اكتئاب رد الفعل أي ذلك الاكتئاب الذي يعتري المريض كرد فعل لمواقف التي تجابهه في حياته (reactive de pression).
وهناك بعض الإحصاءات الحديثة تشير إلى إصابة أكثر من٤٠ ٪ من مجموع مرضى هذه الخوريا بالاضطرابات المزاجية أو الاضطرابات الوجدانية، فالمريض قد يعاني من حالة من الفرح الزائد، وكذلك التهيج أو سرعة الاستثارة والعدوانية والانفجارات الانفعالية غير المتوقعة، وكذلك قد يأتي من الهلاوس والهذاءات أو من أعراض تشبه أعراض مرض الفصام، ولكنها أعراض إضافية قد يعتقد أن هناك قوة مجهولة تتحكم في عقله، وقد يعاني من الهلاوس السمعية، إذ يسمع كائنات تتحدث عنه، ويتصرف وفقًا لهذه الهلاوس، وتلك الهذاءات، ويعاني بعض الأعراض التشنجية أو التصلبية مع بعض أعراض جنون العظمة والاضطهاد.
وهكذا تتعدد أعراض مرض خوريا هانتجتون، وتشمل جسم المريض، ووظائفه الجسمية والنفسية والعقلية، مما يتطلب معه ضرورة نشر الوعي الصحي النفسي لدى الأهل، والمحيطين به، وتحلي الجميع بالصبر في التعامل معه، واحترامه، وتقدير معاملته والعطف عليه، ومعاملته معاملة إنسانية حسنة، وذلك لأن إساءة معاملته تزيد من حالته عقمًا وآلامًا، ولذلك يحتاج في تعامله إلى التحلي بالرحمة والشفقة، والصبر والبر والإحسان والمودة؛ وذلك لأنه لا ذنب له فيما أصابه من تدهور جسدي وعقلي ونفسي؛ إذ ترجع علته إلى حدوث خلل في الجهاز العصبي، يرجع إلى وجود عطب في أحد المورثات أو ناقلات الوراثة أو الجينات، مثل هذه الاضطرابات تجعلنا ندعو إلى ضرورة الأخذ بالأسباب، وتوقيع الكشف الطبي أو الفحص الطبي على كل من يرغب في الزواج، وكذلك توقيع الكشف الطبي بقصد تحديد موقف المصاب من إنجاب أطفال يعلم مقدمًا أنهم سوف يعانون من هذا المرض.
وفي إسلامنا الحنيف خير ما نتأسی به ونتخذ منه هداية وقدوة ومثالًا حسنًا لاختيار الزوجة أو الزوج وعدم زواج الأقارب، يقول الله تعالى ﴿ٱلخَبِيثَٰتُ لِلخَبِيثِينَ وَٱلخَبِيثُونَ لِلخَبِيثَٰتِ وَٱلطَّيِّبَٰتُ لِلطَّيِّبِينَ وَٱلطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَٰتِ أُوْلَٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغفِرَة وَرِزق كَرِيم﴾ (النور: 26)، فالمسلم مدعو للاختيار من الطيبات الصالحات دينًا وخلقًا.
وقال صلى الله عليه وسلم: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء». فالإسلام ينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي وعن كل مظاهر الفساد، والانحراف كالإدمان والعنف والمقامرة.
وعلى المجتمع المسلم أن يوفر للأسرة من أسباب الرعاية، والحماية، والوقاية والإمكانات المادية ما يساعدها على الوفاء بأعباء الحياة، وتحمل مشقة أبنائها إذا أصاب أيًّا منها مرض أو مكروه.
ومن أبلغ هذه الوسائل توفير الوعظ والإرشاد الديني، ونشر الثقافة الإسلامية والهدي الإسلامي، والتعاليم الإسلامية السمحة(8) ، وغرس مبادئ المودة والسكينة، والرحمة، والعطف والشفقة خاصة على المرضى، والعجزة، والضعفاء ولا غرابة في ذلك، فالإسلام صاحب أرقى حضارة عرفتها الإنسانية عبر تاريخها الطويل.
المراجع
(۱) سعد جلال في الصحة العقلية، دار المطبوعات الجديدة الإسكندرية ۱۹۷۰م، ص ۲۸۸.
(۲) عبد المنعم الحفني، موسوعة علم النفس والتحليل النفسي، مكتبة مدبولي القاهرة ١٩٩٤م.
(3) Oltmanns, T.F. and Emery, R.E. Abnormal Psycgology, Prentice Hall, New Jersey, 1998. p.517.
(4) Reber, A.S., Penguin Dictionary of Psychology, New York, 1995, P. 345.
(5) Gallatin, J., Abnormal Psychology, Macmillan, New York, p. 89.
(6) O/. Cit., p. 181.
(7) Op. Cit., p. 111.
(8) عبد الرحمن العيسوي الإسلام والعلاج النفسي دار النهضة العربية بيروت - لبنان.
احذر من ضغوط العمل
أظهر بحث ميداني أجري حديثًا في الولايات المتحدة، أن العمل الذي تحيط به ضغوط شديدة لا يقل خطورة عن التدخين بالنسبة لصحة النساء، فقد تبين أن السيدات اللاتي يمارسن وظائف تتطلب مجهودًا أكبر، دون أن يخضعن في الوقت ذاته لأي مراقبة؛ هنَّ الأكثر تعرضًا لتدهور الصحة.
وكشف البحث الذي أجري على أكثر من ٢١ ألف ممرضة في الولايات المتحدة لمدة أربعة أعوام، تابع خلالها الباحثون المضاعفات الصحية الناجمة عن ضغوط العمل، ومدى رضا الممرضات عن عملهن، وظروفهن الصحية، النقاب عن أن الوضع يزداد تعقيدًا في الحالات التي تفتقر فيها النساء للسند الاجتماعي الذي يمكنهن الاعتماد عليه.
ووجد الباحثون في كلية الصحة العامة بجامعة هارفارد بمدينة بوسطن الأمريكية، أن الأخطار المحدقة بهذه الفئة من النساء لا تقل خطرًا عما يمكن أن يلحق بهن من جراء التدخين، أو تغلب الرتابة والروتين على حياتهن.
وأكد هؤلاء الباحثون ضرورة بحث أرباب العمل عن وسائل أكثر فاعلية للتقليل من آثار ضغوط العمل على موظفيهم كالعلاج بالاسترخاء.
ومن جانبه، أكد البروفيسور كيري كوبر- الأخصائي في أمراض الإجهاد في جامعة مانشيستر البريطانية - ضرورة تغيير العادات بين الموظفين لتقليل الأمراض الناجمة عن ضغوط العمل، ولا سيما بعد ظهور أدلة مطردة على المضاعفات الصحية للإجهاد المرتبط بالعمل، مشيرًا إلى أن الموظفين والمستخدمين في بريطانيا يواجهون باستمرار ساعات عمل طويلة، وكميات عمل متراكمة، ورؤساء متسلطين، وعدم القدرة على تحقيق التوازن بين متطلبات العمل والبيت، مما يسهم في زيادة مستويات الإجهاد.
ويرى كوبر أن على المؤسسات ألا تهتم بمساعدة الموظفين على التكيف مع تغير طبيعة العمل فقط، بل يلزمها أيضًا أن تحفز رؤساء العمل على التغييرات، مشيرًا إلى أن على هؤلاء الرؤساء أن يضعوا في الحسبان الخسائر المادية التي قد تنجم عن ضغوط العمل من خلال أيام العطل المرضية، وضعف القدرات الإنتاجية.
(*) أستاذ علم النفس بكلية الآداب – جامعة الإسكندرية
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل