العنوان صحفي في بلغاريا
الكاتب محمد هيثم عياش أبو حسني
تاريخ النشر الثلاثاء 28-مايو-1985
مشاهدات 65
نشر في العدد 719
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 28-مايو-1985
- الشرطة قتلت ثلاثين شابًّا من خيرة الشباب لأنهم لم يغيروا أسماءهم الإسلامية.
كنت متوجهًا إلى بلغاريا لأقف على ما سمعت من أمر المسلمين بنفسي.. في الطريق كان في داخلي هاجس دائم يطرح نفسه في سؤال هو:
- لماذا كان المسلمون هم المضطهدون؟ ولم تتعرض بلاد المسلمين دائمًا للاضطهاد؟ أبسبب الإسلام ذلك وهو الدين الذي لا يقبل الله غيره دينًا ﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ﴾ (آل عمران:19) ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ﴾ (المائدة:3).
كنت بصحبة صحفيين تركيين يقيمان في ألمانيا الغربية.. عندما سافرنا إلى بلغاريا بعد ما سمعناه عن أنباء اضطهاد المسلمين فيها.. سافرنا لمعرفة ما يجري عن كثب فيها.. وما يفعله الشيوعيون بالمسلمين هناك، ولكن بوليس المطار أعاد الرجلين التركيين وتركني في غرفة الحجز يومًا وليلة وهو يحقق معي يسألني عن جنسيتي، وعن البلد الذي أنتمي إليه، وعن سبب مجيئي إلى بلادهم، إذ إنهم لا يحبون الضيوف، كما قال لي ضابط أمن المطار عندما قلت له: إني سأحل ضيفًا على بلغاريا لبضعة أيام، ولما قرروا إخلاء سبيلي وأعادوا إلي جواز سفري أخذوا مني آلة التصوير.. بحجة أنهم يعيشون في حالة أمن واستقرار.
بعد الإفراج عني.. ذهبت إلى مدينة ماوريتش على حسب ما قرأت اسم هذه المدينة على اللائحة.. فوجدتها مدينة تشبه إلى حد بعيد مدينة أنقرة في تركيا من حيث طراز البناء الإسلامي فيها، والمساجد منتشرة في كل مكان في هذه المدينة، لكن قوات البوليس البلغاري منتشرة في كل مكان أيضًا، نحن نعيش في حالة حرب مع المحمديين هكذا قالها لي بكل صفاقة وحقارة ذلك الشرطي!! كانت تلك إجابته عندما سألته عن سبب تواجد هذه الأعداد الكبيرة مع زملائه رجال الشرطة.. وأردف الشرطي: هم لا يريدون تغيير أسمائهم من محمد إلى.. والكنية إلى اسم يناسب بلغاريا وبلاد البلقان!! قالها وقد نسي أن الذي يكلمه ينتمي إلى هؤلاء المساكين المسلمين، الذين لا يجدون حيلة يستطيعون الدفاع بواسطتها عن أنفسهم وحماية دينهم.. إلا بتصريحات زعماء البلاد الإسلامية الذين يستنكرون ويشجبون إعلاميًّا ما يجري من طغيان في بلاد المسلمين.
ذهبت إلى المسجد الكبير.. وهو مسجد قديم.. قيل لي أنه بني في زمان السلطان العثماني المسلم سليم الأول- رحمه الله، وجدد بناءه السلطان محمود الثاني، فرأيت مسجدًا يحتاج إلى إصلاحات كثيرة، وقد حاولت الحكومة البلغارية تحويله إلى متحف ولكن المحاولة باءت بالفشل.
«ذهبت إلى بيت مفتي المدينة وهو الشيخ عمر أفندي ويبلغ من العمر ثمانين عامًا». فحدثني والدموع في عينيه طرفًا من قصة الإرهاب قائلًا: إن قوات الشرطة قتلت ثلاثين شابًا من خيرة شباب هذه المدينة لأنهم لم يغيروا أسماءهم الإسلامية ورفضوا الانتماء إلى الحزب الشيوعي البلغاري، ولأنهم أصروا على إقامة شعائر دينهم الإسلامي.
كما وجد بحوزتهم كتبًا للشيخ عبد القادر عودة ورسائل الشيخ حسن البنا- رحمه الله- فقتلوهم بحجة انتمائهم إلى الإخوان المسلمي..
وقال لي الشيخ العجوز: إن قوات البوليس هاجمت مدرسة للفتيات.. وقد أرغمت البنات المسلمات على نزع حجابهم، وعند قصة هؤلاء الشرطة تذكرت ما قاله مراسل صحافي عندما هاجمت قوات المظليات شوارع دمشق وأخذوا بنزع الحجاب عن النساء في دمشق.
تذكرت ما قاله هذا المراسل: «إنه من الحماقة أن تفعل الحكومة السورية ذلك إذ إن الحجاب هو من تقاليد وعادات أهل هذه البلاد، والاعتداء عليه سيؤدي إلى ثورة شعبية عارمة.. وهذا ما حصل فعلًا. قال لي الشيخ عمر أفندي: لقد هاجموني في بيتي وقتلوا ولدي الوحيد وحاولوا إيذاء زوجتي وحفيدتي طالبين أن أفتي بأنه على المسلمين هنا في بلغاريا تغيير أسمائهم وترك دينهم.
إن حمامات الدماء لم تتوقف ضد المسلمين هنا حتى يغيروا أسماءهم ويتركوا دينهم. وفي نهاية الزيارة طلب مني الشيخ العودة بأسرع وقت ممكن من حيث أتيت كي لا يلحق بي مكروه، إذا انكشف أمري.
كان علي أن أعود إلى ألمانيا للمشاركة في المظاهرة التي جرت في الثاني عشر من نيسان ضد ما يجري في بلغاريا، وأيضًا فإن الشرطة البلغارية كانت قد أعطتني إذنًا في البقاء ثلاثة أيام فقط، وكانت قد صادرت آلة التصوير والأفلام التي في جعبتي، كما صادرت حقيبتي على أن يعيدوها لي عندما أغادر بلغاريا، ولكنهم لم يعيدوها بحجة أنها فقدت فعدت إلى ألمانيا بلا أمتعة ..ولكن بزاد كبير من المعلومات.
في يوم الجمعة الموافق لـ ١٠ نيسان 1985 عرض البرنامج الثاني للتلفزيون الألماني تقريرًا مطولًا عن حالة المسلمين في بلغاريا، كان البرنامج يحمل عنوانًا: الذل في بلغاريا، تحدث فيه الصحافي كانتسلمان الذي يعتبر خبيرًا في الشؤون الإسلامية في ألمانيا، وكان قد عاش حوادث لبنان عن كثب، تحدث عما يلاقيه المسلمون من أذى على أيدي الشيوعيين في بلغاريا، قال: إن الحكومة البلغارية طلبت من مواطنيها المسلمين الذين ينحدرون من أصل تركي تغيير أسمائهم أو ترك دينهم وإن لم يفعلوا فالويل والثبور لمن يخالف هذه الأوامر، وقد عرض التلفزيون صورًا لفتيات مسلمات أجبرن على خلع حجابهن، وعرض الرائي أيضًا صورًا لفتيات اغتصبن وقتلن بحجة أنهن احتفظن بأسمائهن، كما كتبت صحيفة «كولنر شتات انتسيغر» في عددها الصادر يوم ١٥ نیسان 1985 تحمل عنوانًا: الأتراك يتظاهرون ضد ذل مواطنيهم في بلغاريا، تظاهر حوالي ٤٠ ألف تركي ضد ما يجري في بلغاريا، ثم ذهبت مجلة «ديرشبيغل المرأة الأسبوعية» إلى أن ما يجري في بلغاريا هو مؤامرة ضد المحمديين بتحريض من روسيا من أجل جس نبض البلاد الإسلامية إزاء ما يجري في أفغانستان ولصرف النظر عن المطالبة بالانسحاب الروسي منها، وقالت المجلة: هكذا نقل إلينا مراسلنا في موسكو هذا الخبر.
وذهبت مجلة النجم «شتيرن» الأسبوعية: بأن الخوف من الحركات الإسلامية التي تقوم بين الحين والآخر في بلاد البلقان ولا سيما في المناطق ذات الأكثرية الإسلامية هو الذي جعل الحكومة البلغارية تعمل على القضاء على الشباب المسلم في بلغاريا، وهو الشباب المتواجد في شمال غرب البلاد بأكثرية ساحقة.
وقالت المجلة أيضًا: إن حوالي ثلاثين حركة إسلامية ظهرت وتم القضاء عليها بعنف في يوغسلافيا وبلاد البلقان منذ عام ۱۹۸۰.
إن ما يجري في بلغاريا هو درس لنا جميعًا كي نفكر بالإخلاص ونعمل بإخلاص حتى ننقذ إخواننا في العقيدة ونعيد إلى الإسلام وجهه المشرق الذي أنقذ البشرية من الضياع .