العنوان صراعات مصالح شخصية تكتسي ثيابًا طائفية
الكاتب هشام عليوان
تاريخ النشر الثلاثاء 08-سبتمبر-1998
مشاهدات 53
نشر في العدد 1316
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 08-سبتمبر-1998
مساجلات حامية قبيل الاتنخابات الرئاسية
مع اقتراب الولاية الدستورية «الممددة» لرئيس الجمهورية إلياس الهراوي من نهايتها المحتومة في شهر أكتوبر المقبل، تتصاعد حمى المساجلات السياسية بين رئيس الحكومة رفيق الحريري ورئيس مجلس النواب نبيه بري، وتدور حرب التصريحات والردود العنيفة حول مسائل معينة، ظاهرها لا علاقة له بانتخابات رئيس الجمهورية وباطنها يتضمن التنافس القوي بين الحريري وبري، على إيصال شخص موال لهذا أو ذاك، لرئاسة الجمهورية، مع الحصول على رضا القوة الإقليمية المؤثرة في لبنان وسورية.
دور الحرير وبري في اختيار رئيس الجمهورية أمر لم يتحدث عنه الدستور حتى بتعديلاته الجديدة لعام 1990م، والتي حدت من صلاحيات الرئيس الماروني، وحولت الباقي منها سلطة معنوية غير مستقلة عن السلطة التنفيذية بجميع أركانها، أي مجلس الوزراء مجتمعًا، إلا أن نصوص الدستور شيء والواقع السياسي شيء آخر، خصوصًا في لبنان، حيث يلعب العرف الدستوري والسياسي دورًا موازيًا إن لم يكن مضاهيًا للنص القانوني؛ فتقاسم النفوذ والسلطة بين الطوائف الثلاث الكبرى في لبنان، أي السنة والشيعة والموارنة، يفرض على الجميع التزام قواعد اللعبة، فلا أحد يستأثر بالسلطة ولا بالقرار حتى وهو على رأس مؤسسة كبرى مثل رئاسة الجمهورية أو رئاسة الحكومة أو رئاسة المجلس النيابي؛ ولذلك نشأت ظاهرة «الترويكا» في السياسة اللبنانية اليومية، والرؤساء الثلاثة هم الرؤوس الثلاثة التي تحكم لبنان بالتوافق حينًا وبالتناحر، وتعطي الحياة الدستورية حينًا آخر.
ديمقراطية شكلية:
وقد نص الدستور المعدل، على فصل السلطات وتعاونها فيما بينها. هذا التعاون الذي تمثل عمليًّا بظاهرة «الترويكا» والتي من نتائجها المتناقضة المباشرة حدوث تداخل خطير بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، ذلك أن كل موقع رفيع في الدولة، يمثل طائفة كبرى معينة؛ إذ يرأس نبيه بري مجلس النواب، لكن بري بموقعه هذا يمثل المسلمين الشيعة، وبصفته هذه يفرض على رئيس الحكومة تعيين الوزراء الشيعة الموالين له، ويتدخل في التعيينات الإدارية الأقل شأنًا، والتي تتعلق بنفوذ طائفته، ورئيس الحكومة هو رأس السلطة التنفيذية، أو الرأس المشارك لرئيس الجمهورية، كما يمثل المسلمين السنة، ثم إن رئيس الجمهورية، يمثل أيضًا المسيحيين في النظام، وله الكلمة الأولى فيما يخص مواقع المسيحيين- والموارنة تحديدًا- في النظام السياسي الطائفي، من أجل ذلك، أصبح النظام الديمقراطي النيابي اللبناني، فارغًا من أي مضمون حقيقي، وكل ما يجري على السطح مجرد أشكال خاوية.
سلاح الفضائح:
والبارز في هذه الممارسة أن رئيس الجمهورية الماروني المذهب، لم يعد -عمليًّا- صاحب المواقع الأول في البلاد، بل صار انتخابه يخضع لتجاذب القوى بين المسلمين أنفسهم، وهو ما يظهر حاليًا في المشادات اليومية بين بري والحريري، فكل طرف يريد رئيسًا للجمهورية أقرب إليه، حتى يرجح كفة الميزان لمصلحته وفقًا لمعادلة «اثنين مقابل واحد» في «الترويكا» السيئة الذكر.
وتكشف المساجلات والمكاشفات الدورية، عن فضائح مالية وإدارية، بملايين الدولارت، وهو ما يسمى في المصطلح الإداري السائد «هدرًا» وهو تعبير ملطف عن كل ما هو سمسرات ورشوات واختلاسات وسرقات، تحصل جهارًا نهارًا، في قطاعات الإعمار والإنتاج.
الطريف الأمر، أن الطرف السياسي المتضرر من كل حالة من المراحل يتولى فضح الأرقام والملفات المتعلقة بالطرف الخصم، وعندما تنكشف الأمور تعلو روائحها الكريهة، ويبدو لوهلة أن القضاء النظيف سيتولى مهمة المحاكمة والعقاب، تنغلق الأبواب فجأة وتختفي الأرقام والأسماء، ويتبين أن هدنة ما قد عقدت بين المتخاصمين «لمصلحة الوطن والمواطن»، والحقيقة أن الهدنة المعقودة لمصلحة الأطراف نفسها مخافة انكشاف كل شيء وضياع المكتسبات كلها في بازار التنافس الشرس، ومن أمثلة ذلك أن رئيس الحكومة شعر مؤخرًا بأن وزنه السياسي يتضاءل لدى أصحاب الشأن الإقليمي، وأنه ربما لا يكون في موقعه بعد انتخاب رئيس جديد للجمهورية، فراح يوجه الضربات يمينًا وشمالًا، وتتالت أخبار الفضائح، وراج لفترة أنه لا يريد العودة لرئاسة الحكومة في العهد الجديد؛ لأنه لا يستطيع التصرف كما يجب لمكافحة الفساد والهدر المالي، في المقابل تولى نبيه بري الهجوم المضاد عبر أنصاره وأعوانه، بعدما أحس أن الحريري يريد تشكيل حكومة من الموالين له فقط، وأنه يريد الحصول على صلاحيات استثنائية من مجلس النواب، بما يفرغ الأخير من أي سلطة، وأنه ربما يريد استبداله برئيس مجلس أكثر مطواعية.
معركة الزواج المدني:
والأدهى من ذلك، ما صرح به نائب رئيس مجلس النواب «من حلفاء نبيه بري» إيلي الفرزلي من أن رئيس الجمهورية الهراوي عندما توجس خيفة من عدم التمديد له مرة ثانية طرح مشروع الزواج المدني الاختياري في مايو الماضي صرفًا للأنظار عن تعديل مادة بالدستور تتيح للموظفين الكبار في الدولة الترشيح لرئاسة الجمهورية، ومن أبرزهم قائد الجيش أمير لحود، المنافس الأبرز على موقع الرئاسة.
وقال الفرزلي بالحرف الواحد: «تلك المعركة افتعلت افتعالًا، كما كانت الردود على الحملة افتعالية هي الأخرى».
فحتى القضايا الأساسية والمصيرية أصبحت مجال لعب السياسيين اللبنانيين لتحقيق أهداف صغرى، لا تتعدى الشخص الواحد، كما هي القوانين التي يشترعها المجلس النيابي، وتكون على مقياس شخص واحد، أو جهة واحدة.
على أن ما يمكن تأكيده في خضم هذه المعمعة المستمرة أن رئيس الجمهورية أو موقع الموارنة المسيحيين في النظام اللبناني قد تضررا كثيرًا بالتعديلات الدستورية، التي هي الترجمة الحرفية لخسارة المسيحيين الحرب الأهلية الطويلة، ولا يعني ذلك أن المسيحيين قد استكانوا لهذا الوضع، فهم لا يزالون يكررون في كل مناسبة، وبخاصة الرئيس الحالي، أن الدستور بحاجة إلى تعديلات أخرى تعيد التوازن، ومما يقترحه إضافة إلى تشريع الزواج المدني الاختياري، انتخاب الرئيس من قِبل الشعب، واسترداد صلاحياته، أو بعضها، بحيث يحكم فعلًا لا قولًا، لكن الرد يأتيه سريعًا من شركائه في الحكم، فالنظام اللبناني، نظام برلماني، وليس رئاسيًّا كما هو الحال في فرنسا والولايات المتحدة، ويؤكد سياسيون معارضون من الطائفة المارونية أن العبرة ليست بالنصوص بل هي بالنفوس، بمعنى أن النفوس الضعيفة لا تقوى على النهوض بعبء المسؤولية ولو حصناها بمئات البنود والنصوص.