; صراع الحضارات وأشواق الإنسانية | مجلة المجتمع

العنوان صراع الحضارات وأشواق الإنسانية

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 01-فبراير-1994

مشاهدات 63

نشر في العدد 1086

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 01-فبراير-1994

لا شك أننا مقدمون على حقبة بلغت فيها العقول عند كثير من الناس شأوًا بعيدًا وتوشك هذه العقول أن تتمرد على كثير من الأوهام والإيحاءات الباطلة، وتلتفت إلى الحقائق المجردة بل تقصد وبغير مواربة إلى الجواهر وليست الأعراض، ولهذا يرى الباحثون أن القرن القادم والحقبة المقبلة ستكون حقبة البحث عن الأفضل بما يسمى «صراع الحضارات» أي أن البقاء سيكون للأصلح، فهذا الكم الهائل من الأفكار والمذاهب والنظريات المنثور في صورة سيخضع للتمحيص والتقويم والانتقاء وأن البشرية لابد وأنها مقبلة على عصر تفتح ذهني ونضج عقلي يتبين به الحق من الباطل والنافع من الضار، ﴿يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ۚ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ (الرعد: 17). وسيتبين للناس أن السياسة عند كثير من الأمم المتحضرة خدعة والغاية تبرر الوسيلة، وأن العدالة توجيه الأخلاق والآداب والأحكام وجهات معينة تخدم غايات الأشخاص والأمم، وأن الحق هو مصلحتي والحلال هو ما حل في اليد، والعهود محترمة إذا أدت إلى مكسب أو ربح أو مصلحة، وأتاحت فرصة يمكن استغلالها لصالح البغي والعدوان يقرر هذا المعني ويؤكده كثير من الذين ساءهم هذا الخداع الكاذب، فيقول الأستاذ «جود»: «إن المجد القومي عندنا يعني أن يكون الشعب يملك قوة يسلط بها رغبته وهواه على الآخرين إذا اقتضت الحاجة، ويكفى لشناعة ما يسمونه المثل الكامل للشعب تناقض الصفات الخلقية والفضيلة».

 يقول «بلدوين» مقررًا فظاعة الشرف الأوروبي الذي لا يعتد إلا بالقوة والظلم ويجعل هذا هو الشرف الكبير للفرد والجماعة: «معلوم أن هذه القوة التي تنال بها الأمم هذه المنزلة من الشرف إنما تتوقف على قنابل نارية متفجرة مشتعلة النيران وعلى وفاء الشباب وولائهم بهذا المعنى والشرف الذي يمدح لأجله الشعب يناقض الصفات الأخلاقية الإنسانية، فأرى أن الشعب يجب أن يعد همجيًا وغير مهذب بمقدار الذي يملكه من الشرف المزعوم. إذ ليس الشرف أن ينال الإنسان أو الشعب الشرف بالخديعة والمكر والظلم». هذه عدالة الغرب المتمدين صاحب الحضارة التي يراد لها أن تسود العالم في يوم من الأيام ويفتن بها المخدوعون كما تفتن الضحية بالجزار المتربص بها. 

نقول: لا بد وأن يظهر الحق ويسطع نوره، وتطلع شمسه بعد مغيب ولا بد أن تلتفت العقول يومًا وتبحث حتى في تضاعيف التاريخ لتميز الحق من الباطل وتعثر على الطريق وقد بدت مظاهر ذلك بقول «غستاف لوبون» في حضارة العرب: كان للفروسية الإسلامية عشرة شروط: الصلاح والكرامة، ورقة الشمائل، والقريحة الشعرية والفصاحة والقوة والمهارة في ركوب الخيل، والقدرة على استعمال السيف والرمح والنشاب، ثم يواصل غستاف لوبون تأیید كلامه بالحجة فيقول: ونرى تاريخ المسلمين في إسبانيا حافلًا بالأنباء الدالة على ذلك على كثرة انتشار تلك الخصال، ومن ذلك أن والي قرطبة لما حاصر في سنة ١٣١٩م مدينة طليطلة التي كانت في يد النصارى أرسلت إليه الملكة «بیرانجير» التي كانت تحكمها، رسولًا أبلغه أنه ليس من المروءة والكرم أن يحاصر فارس بطل امرأة، فارتد الفارس المسلم من فوره مجيبًا الملكة. وكان الأمر مختلفًا بالنسبة للنصارى فلم يكن ذلك البطل الشهير الذي تغنى به الشعراء كثيرًا «روديك الفيفارى» سوى رئيس عصابة تارة يبيع نفسه من العرب وتارة يبيعها من النصارى، لما دخل مدينة بلنسية صلحًا، إذ به يعذب أهلها بالنار ولم يعفُ حاكمها الهرم الذي وضعه على النار حتى يكرهه على كشف ما يظن وجوده في القصر من كنوز. ولهذا يقول فيه المسيو «فياردو» إن هذا الفارس الشهير الذي يدعون له البطولة لم يكن سوى رئيس عصابة من المرتزقة قاسيًا جشعًا شديدًا في قوله وعمله جلفًا مستخفًا بالعدالة والإنصاف قاطع طريق لا يتمتع بشيء من الخلق، ولا يعرف العهود والمواثيق حتى إنه أطعم الكلاب بعض الأسرى الذين صدقوه واستسلموا له، لا يعرف الرحمة حتى إنه كان يتآمر على إخوته ويحرق بالنار ويمزق الأجساد. ثم يقول: يقولون إن الدين يهذب الطبائع ولم نرَ في الحقيقة أثرًا لهذا الأمر. بل شاهدنا العكس حتى جاء المسلمون بتعاليم عملية أدت الى إصلاح الطبائع أكثر من كل التعاليم الدينية والإنسانية التي كانت حبرًا على ورق أوترانيم عقيمة.

ألا ترى معي أن صراع الحضارات هذا سيكون في صالحنا إذا استطاع المسلمون عرض إسلامهم بأمانة وإخلاص وفهم وإيمان، وأن أشواق البشرية ترنو إلى هذا الدين وهذه التعاليم؟

الرابط المختصر :