العنوان صراع القوى في اليمن الشمالي تشتد وتتسع دائرته
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 20-يناير-1976
مشاهدات 73
نشر في العدد 283
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 20-يناير-1976
غابة متشابكة من الأطماع الإيرانية والأمريكية والبعثية والشيوعية والباطنية
أهداف الصراع.. استراتيجية.. وعقائدية.. واقتصادية
مضت الشركات الأجنبية خطوات في التنقيب عن النفط في اليمن الشمالي «الدراسات الأولية أثبتت وجود نفط هناك».
والبحث عن «المواد الخام» - بوجه عام- يتزايد ويتسع، وبين فترة وأخرى تهبط طائرة وتنزل خبراء يبحثون عن المواد الأولية.
فهل هذا هو سبب الصراع على اليمن، والاهتمام غير العادي بذلك البلد المتخلف الفقير؟
ليس من الموضوعية، ولا من الواقع أن نسقط هذا السبب فنحن في عصر لا تنظر فيه الدول الكبرى- وتوابعها الإقليمية- إلى البلدان إلا باعتبارها مناجم للمواد الخام، ولا تنظر إلى الشعوب إلا على أنها جماعات استهلاك لبضائع الدول الصناعية.
إن الانقلاب الأخير في النيجر-مثلًا- كان سببه الصراع الحاد على عنصر ثمين هو «اليورانيوم».
والحرب الدائرة في أنغولا، مرتبطة بالصراع على ثروات النفط والحديد والذهب.. وغير ذلك.
والصراع على الخليج العربي له أسبابه الاقتصادية والتجارية.
ولكن- وهذا سؤال آخر- هل كل الاهتمام غير العادي باليمن الشمالي، سببه «المواد الخام»؟ هذا تبسيط شديد للقضية.
فدراسة التاريخ القديم والحديث تثبت ظاهرة استغلال الاستعماريين لعوامل عقائدية تبرر أطماعهم، وطموحاتهم غير المشروعة.
فالأحزاب الشيوعية تمثل قواعد عقائدية لحماية المصالح الروسية القومية.
والعلاقة واضحة وأكيدة بين حملات التنصير، والإمبرياليون الجدد «علاقة اقتصادية مبررة بمغزى عقائدي».
فأمريكا تفرد جهود خاصة لتوطيد أطماعها الاقتصادية في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وهذه الاستراتيجية تفسر جانبا مهما من جوانب اهتمام الأمريكان بتكثيف بعثات التنصير إلى تلك القارات.
ففي فترة وجيزة دفعت أمريكا إلى أفريقيا وأمريكا اللاتينية ٤٠٠ أربعمائة بعثة تنصيرية أمريكية تنتظم ٣٤ ألف صليبي.
ووصل عدد دعاة الصليب في أفريقيا وحدها إلى 18.338 كاهن ووصل عدد مدارس التنصير وكليات اللاهوت إلى ٦٠٠ مدرسة وكلية.
ولا يمكن فصل هذه الجيوش الصليبية عن الاستراتيجية الأمريكية في المواد الخام والأسواق.
من هنا يتأكد أن الهجمة الجديدة على اليمن الشمالي مزيج من النهب الاقتصادي- في المستقبل طبعا- والهدم العقائدي، والتمركز الاستراتيجي.
ولكن ما هي الحكاية أولا؟
مدخل إلى الصراع
لبث اليمن قرونا في دائرة التخلف الشامل تقريبا، ولا يزال هذا التخلف يلفه اقتصاديًا وتعليميًا وصحيًا، إلخ فالتغير الذي حدث كان شكليًا، ففي التحليل النهائي لا يوجد فرق يذكر بين عقلية الإمام أحمد وابنه البدر وبين عقلية عبد الله السلال.
والناس يجمعون على أن التخلف شيء محطم، وماحق وكئيب، ولا بد من تحرير البشر من قيوده وضغوطه.
وهذا الإجماع ينشق عند تحديد وسيلة إنهاء التخلف.
- أهي التعليم والتثقيف والتوجيه الفكري المركز؟
- أم هي الإبادة الجسدية، والإعدام الجماعي؟
النظام الناصري اختار الوسيلة الثانية وتدخل في اليمن، وبعد سنوات عديدة ماذا كانت النتيجة.
إن الإبادة الجسدية، لا شوطًا قطعت نحو التقدم الحقيقي، ولا ظهرًا أبقت وإنما أبقت الأضغان، والأحقاد، والفتن والتمزق.
ومنذ ذلك الحين، وحتى اليوم تعاقبت على اليمن حكومات شتى مشت كلها في طريق التغير الشكلي.
وحكومة الحمدي لم تخرج عن هذا الإطار.
صحيح أن هذه الفترة تميزت «بتلميع «خارجي عبر رحلات متعاقبة وزيارات متكررة هنا وهناك.
والتلميع الخارجي لا يغني شيئا عن نظام ما إذا كان الوضع الداخلي يموج بعوامل العجز والقصور، وفقدان القدرة على تحقيق الوحدة الداخلية.
إن الانقلاب الذي قام به الحمدي يبدو أن الأطراف ذات الوزن الضخم في اليمن كانت موافقة أو متفقة عليه.
أحداث اليوم تؤكد أن هذا الاتفاق قد نقض، والشواهد على ذلك كثير منها التصريحات الحادة لعبد الله الأحمر.
وهي تصريحات موجهة أساسا إلى حكم الحمدي.
والتركيب الاجتماعي التقليدي في اليمن لا يزال يؤثر بطريقة مؤثرة وفعالة في توجیه أحداث اليمن ومصائره.
وحين يصطدم الحكم المركزي في صنعاء بهذا الواقع الاجتماعي تنهض احتمالات انفجار الأزمات بين لحظة وأخرى.
الصراع في الداخل وأطرافه الخارجية
من الظواهر السياسية في الآونة الأخيرة، اهتمام إيران الضخم باليمن الشمالي.
وهذا الاهتمام اتخذ صيغة عملية، منها:
- تقديم معونات مالية لحكم الحمدي.
- تزايد الوجود الإيراني في شكل خبراء تنمية.
- إبراز أخبار ونشاطات الحكم اليمني الحالي في الإذاعات الإيرانية الناطقة بالعربية.
- الاهتمام الضخم -الإعلامي والدبلوماسي- الذي لقيه الحمدي أثناء زيارته لإيران.
ومن الواضح في هذه الظاهرة استغلال عواطف غير سياسية وغير اقتصادية لدعم النفوذ الإيراني في اليمن الشمالي.
الأرياني والبهرة
الطائفة الإسماعيلية، فرقتان:
1- الإسماعيلية «أغاخان»
2- الإسماعيلية «البهرة» وهي الموجودة في اليمن.
في عهد الأرياني سلطت الأضواء على طائفة البهرة.
بل مكنت هذه الطائفة ومنحت مكاسب كبيرة ففي لقاء تم بين الأرياني وبين برهان سيف الدين- زعيم طائفة البهرة- اتفق الطرفان على ما يلي:
- زيارة مواطن الباهرة والالتقاء المباشر بهم.
- إحياء زيارة أوليائهم ومشاهيرهم في الهند واليمن.
- إنشاء مدارس خاصة بهم في مناطقهم.
- إيجاد ممثل لسلطانهم في الهند لدى اليمن «على غرار المبعوث البابوي».
إلى جانب ترويج كتبهم المصادرة، والسماح لهم- سرا- ببناء معابد خاصة بهم، وإنشاء مصانع خفيفة تستوعب أبنائهم «يلاحظ أن الباهرة يملكون أموالا هائلة وأنهم يخططون لإقامة صناعات متعددة في مصر «.
وهو اتجاه يريدون تنفيذه في اليمن أيضًا.
النفوذ اليهودي
كعادتهم التاريخية في التجمع والتماسك، وحماية أنفسهم من التذويب والتلاشي، حرص اليهود على تماسك جاليتهم في اليمن.
ولقد استغلوا عرفًا عربيًا أصيلا وهو »الجوار» فعاشوا في ظله.
أي أنهم اهتموا بالقبائل في وجودهم، واستمرار نشاطهم.
وكانت مهمتهم هي صناعة حلي النساء، والأمور التجارية الأخرى.
انتعشوا في هذه الفترة وذلك عندما بدأت أفواج من السائحين تتصل بهم وتنزل في بيوتهم.
وفي اليمن نسخة مخطوطة من التوراة تجري محاولات لشرائها، وأمريكا هي التي تقوم بالمحاولات واستعدت لدفع عشرين مليون دولار.
ويعتقد اليهود أن هذه النسخة تتضمن ثناء على النبيين محمد وعيسى عليهما السلام، ومن ثم يريدون الحصول عليها لمحو هذا الثناء.
ولوحظ مؤخرا أن الصحافة الحكومية الرسمية في اليمن تدعو للعناية باليهود ومنحهم فرصًا زائدة في النشاط ومكانة أكبر في الوضع الاجتماعي!
حملات التنصير
في اليمن هجوم تنصيري مركز وواسع المدى، فمنذ أن جاء راهب سويدي إلى البلاد- في عهد الإمام أحمد- أخذت حركة التنصير تتصاعد وتتسع، من خلال المستشفيات: فهذا الراهب عرض خدماته في إنشاء مستشفى لرعاية الطفولة، والأمومة فوافق الإمام أحمد.
وما فتئ هذا المستشفى يقدم عقيدة الصليب بواسطة الدواء وصنوف العلاج الأخرى.
بعد ثورة السلال أنشأت بعثة كاثوليكية قسمًا خاصًا بالمستشفى الجمهوري.
ثم طلبت السماح لها بإنشاء مستشفى في مدينة «جبلة» فلما أنشئ المستشفى ركز دعاة التنصير نشاطهم بين عماله وعاملاته.
ويضم هذا المستشفى مركزًا باسم «المدرسة الصحية» وهو يدرس
الإنجليزية وقضايا عقيدة التنصير.
ويضم مكتبة موقرة بكل ما يتعلق بالإنجيل والتوراة.
ومن محتويات هذه المكتبة، نشر للبابا يزعم فيها أن آية ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (أل عمران:19) غير صحيحة!
وبنت حركة التنصير مستشفى: «زبيد» على مثال مستشفاهم في تعز وأيضا أنشأوا مستشفى للأطفال في منطق الروضة في ضاحية صنعاء.
ومستشفى الكويت تحت سيطرتهم!!
وكانت الكويت قد بنت مستشفى كبيرا في صعدا، فوثب مستشفى جبلة التنصيري وسيطر على مستشفى الكويت عبر موظفين إداريين وأطباء نصارى.
ويملك التنصير الصليبي في اليمن قوافل من السيارات تخرج إلى البراري لتتصل بالقبائل وتقدم لها الدواء مرفقا بالإنجيل.
ومن أمثال ذلك قبيلة حاشد «أكبر قبائل اليمن« وبعض مناطق الحديدة كالزيدية، وعبس، وحرض.
ويقدم مجلس الكنائس العالمي القبائل زيوتا وقمحا وملابس، مستغلا الفقر الشديد، والجهل المطبق.
ومعظم العاملين في «النقطة الرابعة» الأمريكية، رهبان وراهبات.
ومعظم العاملين في المؤسسات الدولية مثل: منظمة الصحة العالمية ومشروع هيئة تطوير التعليم- والمعهد القومي للسكرتارية، معظم العاملين في هذه الأجهزة من النصارى، والخطر قد دخل البيت فعلا.
فبعض المسؤولين الكبار في الحكومة اليمنية، زوجاتهم نصرانيات، وهؤلاء يطالبون بإنشاء كنائس لزوجاتهم.. في صنعاء.
البعثيون والشيوعيون والناصريون
البعثيون منذ فترة طويلة يخططون وينشطون للعمل في اليمن، وقد أعطاهم محسن العيني الذي تولى رئاسة الوزارة خمس مرات، أعطاهم دفعات قوية للعمل الحربي، ووفر لهم غطاء رسمي ضخم جعلهم يتغلغلون في أجهزة الدولة ومرافقها المختلفة.
وكلما وجدوا أعوانًا كبارًا في السلطة برزوا بنشاطهم فإن وجدوا الفرصة غير مواتية عملوا سرًا.
والشيوعيون مستمرون في تنظيم خلاياهم، فالفقر والفوضى يهيئان فرصة داخلية لنشاطهم.
والحكومة الماركسية في جنوب اليمن توفر لهم الدعم والحصانة السياسية. فالحكومة في شمال اليمن تعرف نشاط الشيوعيين ولكنها لا تحاربهم مراعاة للنظام الشيوعي في عدن.
وبعد تدخلات اليمن، تشكل النظام الناصري في تنظيمات ناصرية. واستمرت حتى اليوم.
والناصريون في اليمن مرتبطون بدولة عربية ترفع شعار خلافة عبد الناصر، وهم مع يتحالف الحكم الحالي لأنهم ليسوا على وفاق مع البعثيين والشيوعيين وهذا قاسم مشترك بينهم وبين الحكم.
في الأهداف
ماذا وراء هذه النشاطات والتحركات؟
قلنا: إنه لا ينبغي استبعاد السبب الاقتصادي.
والآن ينبغي القول بأن هناك أهدافا استراتيجية وعقائدية يريد الخصوم تحقيقها من خلال هذه التحركات.
إن ضرب المركز الغربي في الجزيرة العربية -أي اليمن- يشكل تهديد مباشر للجزيرة كلها.
فهو تهديد للعقيدة، ومحتواها السلفي السليم، وتهديد لمخزون النفط.
فإيران تريد أن تتمركز في جبهة متقدمة جدا.
واليهود بأطماعهم القديمة في اليمن، وخبرتهم الطويلة فيه «عشرات الألوف هاجروا من اليمن إلى فلسطين المحتلة».. وأمانيهم الشريرة في تطويق المدينة المنورة، والتوغل في عمق استراتيجي جديد حول باب المندب، والبحر الأحمر عموما الذي يحد اليمن غربا. هؤلاء اليهود يعملون على بث نفوذهم في اليمن.
وكتائب التنصير يريدها الاستعمار الأمريكي لهدفين: هدف خلخلة العقيدة الإسلامية ومحاربتها في ديارها، وهدف حماية مصالحه الاقتصادية والاستراتيجية بقواعد عقائدية صليبية.
ويستطيع القارئ أن يربط بين مخططات هذه القوى. والبهرة وغيرهم من الطوائف المارقة يخدمون نشاطهم مصالح قوى دولية معروفة، فزميلهم آغا خان يملك جريدة يومية في نيروبي- عاصمة كينيا- ومنذ أيام طالبت هذه الجريدة بعودة «الوجود الصهيوني» إلى قارة أفريقيا لأن هذا الوجود- كما تقول- يعطي أفريقيا الفقيرة المتخلفة زخما حضاريا وتكنولوجيا رائعًا»!!
وإذا كانت القوى المعادية للإسلام قد صنعت طوائف القاديانية والبهائية -مثلا- لتكيد الإسلام فإن هذه القوى- مثلا- استغلت وجود الطوائف المارقة، وسخرته في محاربة الإسلام والتشويش على مسيرته.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل