العنوان صفات النفس
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الأحد 12-يناير-1992
مشاهدات 58
نشر في العدد 984
نشر في الصفحة 38
الأحد 12-يناير-1992
إن لهذه النفس التي أودعها الله فينا صفات كثيرة لابد من معرفتها
ليتكامل فهمنا لأسلوب مدرسة التابعين ومنهجهم في التربية، وأبرز هذه الصفات تلك
التي ذكرها الله تعالى في كتابه الكريم.. والتي منها:
الأمر بالسوء
يقول تعالى على لسان امرأة العزيز: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ
النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي
غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي لا أزكي نفسي ولا أنزهها فإن النفس البشرية ميالة إلى
الشهوات(1)، فالنفس البشرية بطبيعتها ميالة إلى الشهوات إلا من تعب في تربيتها
فانتقلت من الأمر بالسوء إلى الأمر بالخير فتتغير طبيعتها الآمرة بالسوء لكثرة
التربية إلى طبيعة أخرى وهي اللوم لاقتراف كل ما من شأنه الإبعاد عن رضى الله
تعالى.
اللوم
يقول تعالى: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾
(القيامة:2) قال قرة بن خالد عن الحسن البصري في هذه الآية: إن المؤمن والله ما
نراه إلا يلوم نفسه: ما أردت بكلمتي؟ ما أردت بأكلتي؟ ما أردت بحديث نفسي؟ وإن
الفاجر يمضي قدما ما يعاتب نفسه(2). فهو دائما ينقي نفسه مما يعلق بها كل يوم من
الأقوال والأفعال التي تؤخره عن دخول الجنة، ويصفها الإمام مجاهد أنها «هي التي
تلوم على ما فات وتندم فتلوم نفسها على الشر لم فعلته وعلى الخير لِم لا تستكثر
منه»(3).
فهو يتذكر ماضيه البعيد والقريب وما اقترف فيه من المعاصي ويعتصر قلبه
لذلك الماضي الأسود فيندم أشد الندم على تضييع الأوقات في غير طاعة الله وعدم
استغلالها في مرضاته، ويندم على استسلامه لتزيين الشيطان فهو في محكمة دائمة مع
نفسه اللوامة لذلك فهي نفس حساسة حية تشعر بالحسن والقبيح.
|
· يقول الحسن البصري: إن الله تعالى إذا أراد أن يقبض
روح عبده المؤمن اطمأنت النفس إلى الله تعالى واطمأن الله إليها. |
يقول سيد رحمة الله: «فهذه النفس اللوامة المتيقظة التقية الخائفة
المتوجسة التي تحاسب نفسها وتتلفت حولها وتتبين حقيقة هواها وتحذر خداع ذاتها هي
النفس الكريمة على الله، حتى ليذكرها مع القيامة، ثم هي الصورة المقابلة للنفس
الفاجرة نفس الإنسان الذي يريد أن يفجر ويمضي قدما في الفجور، والذي يكذب ويتولى
ويذهب إلى أهله يتمطى دون حساب لنفسه ودون تلوم ولا تحرج ولا مبالاة»(4).
وهو يستشعر دائما شر نفسه فيكون متحفزا متنبها أن تأخذه على حين غرة
فيذكر نفسه صباحا ومساء وقبل أن يأوي إلى فراشه، كما أوصى النبي صلى الله عليه
وسلم الصديق أن يقولها قبل أن يأوي إلى فراشه: «اللهم فاطر السموات والأرض، عالم
الغيب والشهادة رب كل شيء ومليكه أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه وأن أقترف
سوءًا على نفسي أو أجره إلى مسلم»(5). فطلب المعونة للوقوف أمام شر نفسه هو أول ما
يلجئه إلى الله.
وإذا ما استمر على الالتزام بهذه الصفة فإنها توصل إلى صفه أخرى
كنتيجة طبيعية لالتزامه بصفة اللوم ألا وهي الطمأنينة.
الطمأنينة
يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ.
ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً. فَادْخُلِي فِي عِبَادِي. وَادْخُلِي
جَنَّتِي﴾ (الفجر:27-30).
يقول الإمام القرطبي: النفس المطمئنة الساكنة الموقنة أيقنت أن الله
ربها فأخبتت لذلك.
وقال ابن عباس: أي المطمئنة بثواب الله.
وعن مجاهد: الراضية بقضاء الله التي علمت أن ما أخطأها لم يكن ليصيبها
وأن ما أصابها لم يكن ليخطئها .
وقال الحسن البصري: إن الله تعالى إذا أراد أن يقبض روح عبده المؤمن
اطمأنت النفس إلى الله تعالى واطمأن الله إليها(6).
وأنى يكون لها تلك الصفات لولا المحاسبة الدائمة لكل لفظة أو خطرة أو
لحظة أو خطوة. فإن هذا اللوم الدائم يعدل من مسارها حتى تستقر على الخط الأصيل
والصراط المستقيم فلا تؤثر فيها رياح الفتنة وزينة الدنيا وشدة البلاء وتسويل
الشيطان، فإنها تهزأ بذلك كله بطمأنينة المؤمن الموقن بقدر الله تعالى والمستسلم
لإرادته تعالى.
يقول سيد عن هذه النفس: «المطمئنة إلى ربها... المطمئنة إلى طريقها..
والمطمئنة إلى قدر الله بها.. المطمئنة في السراء والضراء وفي البسط والقبض وفي
المنع والعطاء، والمطمئنة فلا ترتاب، والمطمئنة فلا تنحرف.. والمطمئنة فلا تتلجلج
في الطريق، والمطمئنة فلا ترتاح في يوم الهول الرهيب»(7).
فإذا خاف الناس
وإذا ارتعب الناس
وإذا سقط الناس
وإذا جزع الناس
وإذا مال الناس
فهو أبدا ثابت كالجبل الأشم لا يغيره شيء
لطمأنينته التي عمرت جوانحه.
الازدواجية
يقول تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا
وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ (الشمس:7-10)..
إن جهاز الاختيار الذي أودعه الله تعالى في هذا الإنسان جعله قادرًا على فعل الخير
أو الشر وهو يحاسب يوم القيامة طبقا لذلك، ولهذا فإن هذه النفس قابلة
أن تتغير إما ناحية الخير أو ناحية الشر وذلك بمقدار ما ينفق هذا
الإنسان من جهد لتغييرها؛ فالتغيير للأحسن يسمى التزكية.. والتغيير للأسوأ يسمى
التدسية، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ (النساء:79)
لأنه باختياره لم يتبع الحق فأصابه الشر.
يقول سيد: إن هذا الكائن مخلوق مزدوج الطبيعة مزدوج الاستعداد مزدوج
الاتجاه، ونعني بكلمة مزودج على وجه التحديد أنه بطبيعة تكوينية من طين الأرض ومن
نفخة الله فيه من روحه، مزود باستعدادات متساوية للخير والشر والهدى والضلال، فهو
قادر على التمييز بين ما هو خير وما هو شر، كما أنه قادر على توجيه نفسه إلى الخير
وإلى الشر سواء، وأن هذه القدرة كامنة في كيانه يعبر عنها القرآن بالإلهام تارة:
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ ويعبر عنها
بالهداية تارة ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ فهي كامنة في صميمه في صورة
استعداد، والرسالات والتوجيهات والعوامل الخارجية إنما توقظ هذه الاستعدادات
وتشحذها وتوجهها هنا أو هناك ولكنها لا تخلقها خلقًا؛ لأنها مخلوقة فطرة وكائنة
طبعًا وكامنة إلهامًا(8).
فكاذب من يدعي أنه غير قادر على فعل الخير والابتعاد عن الشر لأن الله
خلق فيه هذا الاستعداد، ويبقى القرار لهذا الإنسان باختياره للخير أو للشر.
القدرة على التكليف
يقول تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ﴾ (البقرة:286).
فعندما خلق الله تعالى الاستعداد في النفس البشرية لعمل الخير أو عمل
الشر صاحب ذلك خلق القدرة لعمل ذلك الخير المأمور به لكي يسهل عليها فعله.
يقول ابن كثير رضي الله عنه: «أي لا يكلف أحدًا فوق طاقته، وهذا من
لطفه تعالى بخلقه ورأفته بهم وإحسانه إليهم، وهذه هي الناسخة الرافعة لما كان أشفق
منه الصحابة في قوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ
يُحَاسِبْكُمْ بِهِ﴾، أي هو وإن حاسب وسأل لكن لا يعذب إلا بما يملك الشخص دفعه،
فأما ما لا يملك دفعه من وسوسة النفس وحديثها فهذا لا يكلف به الإنسان(9).
التطويع
فمن صفات النفس أنها تغري الإنسان وتسهل في عينه فعل الشر وتنسيه في
ذات اللحظة عاقبة ما يقدم عليه فيرى ذلك سهلا فيقدم عليه، يقول تعالى عن قصة ابني
آدم قابيل وهابيل عندما أقدم قابيل على قتل أخيه ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ
قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (المائدة:30).. يقول
الإمام القرطبي: أي سولت وسهلت نفسه عليه الأمر وشجعته وصورت له أن قتل أخيه طوع
سهل له يقال: طاع الشيء يطوع أي سهل وانقاد وطوعه فلان له أي سهله(10).
الوسوسة
والوسوسة هي الصوت الخافت الذي لا يسمعه الآخرون لذلك كان صفة من صفات
النفس وحديثها لصاحبها، وهذا الحديث قد يكون خيرا أو شرا فإن كان ممن تعب في
تزكيتها فإنها تأمره بالخير وإن لم يكن من أولئك فإنها تحدثه وتغريه بالسوء.
يقول القرطبي: «والوسوسة: حديث النفس يقال: وسوست إليه نفسه وسوسة
ووسوسا (بكسر الواو)، والوسواس (بالفتح) اسم مثل الزلزال، ويقال لهمس الصائد
والكلاب وأصوات الحلي وسواس. قال الأعشى:
تسمع للحلي وسواسا إذا انصرفت
كما
استعان بريح عشرق زجل(11)
التسويل
التسويل أو التزيين، أي إن النفس تزين لصاحبها فعل الخطأ، والزينة
توضع على الشيء حتى تغير من صورته الحقيقية فتقبلها النفس، يقول تعالى: ﴿قَالَ
فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ * قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ
فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتْ
لِي نَفْسِي﴾ (95-96).
يقول الإمام القرطبي: أي ما أمرك وشأنك وما الذي حملك على ما صنعت؟
قال: رأيت ما لم يروا.. رأيت جبريل عليه السلام على فرس الحياة فألقى في نفسي أن
أقبض من أثره قبضة، فما ألقيته على شيء إلا صار له روح ولحم ودم، فلما سألوك أن
تجعل لهم إلهًا زينت لي نفسي ذلك(12).
وجاءت كلمة التسويل في سورة يوسف عليه السلام عند قول يعقوب عليه
السلام: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌۖ﴾ (يوسف:18)، وكذلك قال
لهم نفس العبارة عندما أبقى يوسف أخاه الصغير عنده.
___________
(1) صفوة التفاسير 2/57.
(2) تفسير ابن كثير 4/445/446.
(3) تفسير القرطبي 19/63- الكاتب العربي.
(4) الظلال 6/3768.
(5) الإمام أحمد- ص. ج. ص 4378.
(6) التفسير القرطبي 20/57-58.
(7) الظلال 6/3907.
(8) الظلال 6/3916.
(9) تفسير ابن كثير 10/342.
(10) تفسير القرطبي 6/138 دار الكاتب.
(11) تفسير القرطبي 7/177.
(12) تفسير القرطبي: 11/239.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل