; صفحات جامعية ... أم سقطات جامعية!! | مجلة المجتمع

العنوان صفحات جامعية ... أم سقطات جامعية!!

الكاتب عبد الحميد حسين

تاريخ النشر الثلاثاء 28-مارس-1978

مشاهدات 65

نشر في العدد 392

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 28-مارس-1978

سبق أن ذكرنا أن الاهتمام بأمور الجامعة من قبل الصحف أو من قبل أجهزة الإعلام الأخرى ظاهرة صحية لما تدل عليه من الوعي بأهمية الجامعة؛ فالجامعة هي أهم مؤسسة أكاديمية في البلاد ولا بد لها من الانفتاح على المجتمع ولا بد لها من التفاعل معه وعرض مشكلاتها عليه للمساهمة في حلها، وبرنامج صفحات جامعية الذي يعرضه التلفزيون مساء كل يوم أحد هو بهذا المفهوم جيد ولا اعتراض لنا عليه من حيث الفكرة. ولكن السؤال هو ماذا يعرض في هذا البرنامج؟ المشاهد العادي الذي لا علم له بدور الجامعة في المجتمع يخيل إليه حين يتابع حلقات هذا البرنامج أن الجامعة أشبه ما تكون بنادٍ كبير يمارس فيه الشباب والفتيات- على السواء- هواياتهم المختلفة، وهي- أي الجامعة- مقر للهو واللعب والرقص والموسيقى وإقامة الحفلات وتنظيم الرحلات والزيارات والأسفار ليس إلا، أما الدراسة وتحصيل العلم فعليها السلام.

فليس من البرنامج في شيء وليس البرنامج منها في شيء؛ لذلك فإني لم أستغرب قول طالب في الثانوية حين قال: بس لو أخلص الثانوية وأدخل الجامعة- ويقصد بذلك أن يتفرغ للعب واللهو. ونحن نسأل: هل هذه هي صورة الجامعة التي ينبغي أن ننقلها للمجتمع؟ أين البرنامج من مشاكل الطلبة والصعوبات التي يواجهونها مما تعج بها الجامعة؟ أين البرنامج من مشاكل الجامعة في تنظيم دراسة الطلبة وتلبية حاجات الطلبة وتذليل العقبات التي تحول بينهم وبين تحصيلهم العلمي؟ أين البرنامج من آراء واقتراحات الطلبة للتعبير عن مشكلاتهم؟ لقد تابعت معظم حلقات البرنامج على أمل أن أظفر بشيء من هذا أو- على أضعف إيمان- بمقابلة مع أحد الطلبة المتفوقين علميًّا فلم أجد غير لقاءات حول الرياضة والرسم والموسيقى والشطرنج وغير ذلك. فهل لهذا أوجد البرنامج؟

حول قضية تعريب المناهج

جامعة الكويت

لعل موضوع التعريب من الموضوعات التربوية الهامة التي ينبغي على المربين والموجهين أن يلتفتوا إليها ويولوها العناية والاهتمام؛ ذلك أن بقاء التدريس باللغات الأجنبية له آثار- على المدى البعيد- عميقة ومتشعبة سواء على المستوى النفسي أو البيئي أو الحضاري فهي من هذه الناحية قد تشكل انسلاخًا حضاريًّا من كيان الأمة واستعمارًا نفسيًّا لأعدائها عليها. وهي تمثل- في تقديرنا- أسلوبًا جديدًا من أساليب الاستعمار لتعميق الهزيمة في النفوس بهدف ربط مصير الأمة بإرادتها وترويضها على ذلك لسلخ ما بقي فيها من آثار حضارتها. ولسنا هنا نلقي القول جزافًا، فما حدث في بلاد المغرب العربي، والتي لم تزل تعاني من ويلاته حتى الآن، خير شاهد على ذلك؛ فلقد عمل المستعمر الفرنسي حين دخل البلاد على فرض لغته على أهاليها عنوة وحملهم على ذلك بالقوة والإكراه، فلجأ، أول ما لجأ إليه إلى- فرنجة- المناهج أو فرنستها على وجه التحديد، وبذل في سبيل ذلك أموالًا وجند له طاقات وأعداد ... وما فتأ- يفرنج- ظاهرة ... وباطنها حتى غدت البلاد مستعمرة فرنسية في قلب الوطن العربي. وقد بلغ الحال بها نتيجة هذا المسخ الحضاري إلى أن هجرت البلاد لغتها وعروبتها هجرانًا يكاد يكون تامًا حتى أننا نجد الآن وبعد عقدين تقريبًا من خروج المستعمرين من البلاد، نجد الفرنسية موطنًا على الألسن ومكانًا في الجرائد والنشرات حتى أن معالم العربية الفصحى تكاد تكون انمحت من قاموس البلاد، وما نجد الآن غير عربية متعسفة مشدوقة متحورة تتخللها ألفاظ فرنسية وكأن ناطقيها فرنسيون يحاولون تعلم العربية أو كأنهم يتحدثون بلغة جديدة هي لغة- الفرنسو عربية. ولسنا ندري كيف كان سيؤول إليه الحال لولا وجود القرآن الكريم الذي حفظ للبلاد لغتها من الضياع. ونحن حين نذكر بما حدث في مغربنا العربي فإنما ذلك لقناعتنا بثبات أهداف المستعمر في أية بقعة من بلادنا وبثبات استراتيجية في تحقيق ذلك مع السماح بتغيير التكتيك الفني الذي تتطلبه ظروف كل دولة على حدة وحالتها والظروف المحيطة بها، وقد لا تظهر آثار هذه الاستراتيجية الثابتة في المدى القريب ولكنها في واقع الأمر وبكل تأكيد محققة لأهدافها. ولا أدل على ذلك مما نجد في أوساط المتخرجين من مدرسة الغزو الاستعماري عمومًا من التباهي باستخدام الكلمات الإنجليزية في بعض الحالات كأنهم بذلك يرصعون أقوالهم بالدور أو أنهم يكسبون أنفسهم لباس العلم والحضارة، أو ما نجده في الوسط الجامعي خصوصًا من التحدث في أمور الحياة العامة وفي غير أوقات المحاضرات بالإنجليزية وتسابقهم في ذلك وإنها لهزيمة نفسية دونها هزيمة السلاح والسيف وإنها الاستعمار النفسي الذي يهون إلى جانبه استعمار البلاد عسكريًّا.

وللتعريب مبررات أخرى هامة، فهي بجانب كونها ضرورة حضارية لحفظ كيان الأمة من الذوبان هي كذلك ضرورة للاستقلال الحضاري وضرورة لتقدمها، فالأمة التي تنشد العلياء لا يسعها أن تبقى ذيلًا لغيرها؛ فالذيلية تعني الموت، وتعني وأد النفس بسكينها، والتابع مهما علا في سلم التطور والتقدم فإنه يبقى تابعًا لا متبوعًا ذليلًا لا عزيزًا وهو بذلك لا يملك أمر نفسه ولا يستجمع كيانه بذاته وإنما يبقى عالة على غيره ولا سبيل للعزة والسيادة إلا بالاستقلال التام، الاستقلال الشامل الكامل، ظاهرًا وباطنًا، صغيرًا وكبيرًا بحيث لا يبقى للمستعمر فينا أثر ولا تبقى له فينا صفة ولا شبه وبهذا فقط نستطيع القول إننا على أول أعتاب النصر وإننا فعلًا جادون في طلبه وأما بدون ذلك فإنما هو الهراء ...

وقد يرد إلى الأذهان كيف أن الرسول- صلى الله عليه وسلم- كان يحث أصحابه على تعلم لغة أعدائهم وكيف كان يحمل بعضهم على ذلك كما فعل حين أمر زيد بن ثابت بتعلم لغة أهل الشام، على أننا يجب ألا نغفل الحال التي أمر فيها الرسول- صلى الله عليه وسلم- أصحابه بذلك كما يجب أن توضع هذه الأحاديث وغيرها في مواضعها الصحيحة. فالرسول- صلى الله عليه وسلم- حين أمر أصحابه بذلك كان قد شرع في إرسال الرسل إلى ملوك الفرس والروم يدعوهم فيها إلى الإسلام وكان ذلك حين أصبح للإسلام عزة ومنعة ولم يعد يخشى معها- على أصحابه- الافتتان بثقافة الغير أو الإعجاب بها كما هو حال المغلوب دومًا مع الغالب، كما أنه- عليه الصلاة والسلام- علل ذلك بأنه ادعى لاتقاء شرهم ومكرهم، ولعل في حادثة عمر مع التوراة ما يؤكد هذا المعنى الذي ذهبنا إليه وذلك حين كان يقرأ صحائف من التوراة مبديًّا إعجابه ببعض ما فيها، فما كان من رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلا أن نهره ونهاه وقال: «والله لو كان موسى حيًّا لما يسعه إلا أن يتبعني».

وثمة مبرر ثالث للتعريب، فتدريس المادة العلمية بالإنجليزية إنما الهدف منه تدريس المادة وليس تدريس اللغة والطالب حين يشرع في الدراسة فإنه يجهد نفسه في فهم المادة العلمية وفهم قوانينها وأصولها ويبذل في سبيل ذلك جهده ووقته، ولكنه حين يدرسها بلغة غير لغته فإنه يجد نفسه أمام مشكلتين لا واحدة: مشكلة فهم معاني ما يدرس له باللغة الأجنبية أولًا، ومشكلة فهم المادة العلمية ذاتها ثانيًا، وحينها يجد نفسه مضطرًا إلى توزيع وقته وجهده في أكثر من سبيل وإضاعة جزء كبير من وقته وجهده هدرًا في غير هدفه الأول وهو تحصيل المادة العلمية، كما أن ذلك- ونعني به تدريس المادة العلمية بلغة غير عربية- يشكل في كثير من الأحيان عائقًا وحاجزًا دون الاستفادة من الطاقات العقلية الكبيرة التي تضيع سدى بسببها. فكم من طاقات ومواهب علمية شابة تعطلت! وكم منها صرفت في مجالات أخرى لو صرفت في مجالاتها العلمية لأنتجت وأثمرت! ولكنها أرغمت على ذلك حين لم تجد سبيلًا إليها إلا عبر لغة غريبة لا يجيدها وأصبحت بذلك المادة العلمية حكرًا على أصحاب المواهب في إتقان اللغات.

 هذه مبررات نراها كافية في ضرورة البدء بتعريب المناهج باعتبارها ضرورة حضارية قومية لا بد منها والبدء بوضع دراسات علمية جادة لاستدراك الأمة والأجيال القادمة من مصير لا تحمد عقباه، وفي العدد القادم- إن شاء الله- سوف نناقش أهم العقبات التي تقف في طريق التعريب وسبل التغلب عليها.

الرابط المختصر :