العنوان صفحات من حياة العالم المجاهد د. نزار ريان
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 26-ديسمبر-2009
مشاهدات 61
نشر في العدد 1882
نشر في الصفحة 32
السبت 26-ديسمبر-2009
في الذكرى الأولى لاستشهاده
- كان محبًا للشهداء والمجاهدين.. وتوسّط لابنه إبراهيم ذي الـ (۱۷) عاما للقيام بعملية استشهادية نوعية
- أحد تلامذته: كان مرجعية علمية لطلاب غزة.. ولا أبالغ عندما أقول: إنه مُحدث فلسطين
- عشق فلسطين حتى قيل: إنه يحتفظ بحبات من رمالها
- ابنته سلوى: كان أبًا رحيمًا.. وكان يبين لنا فضل خدمة المجاهدين ويحثنا على الزواج منهم
اجتهد العلماء فكان أفقههم، وتحدّث الخطباء فكان أبلغهم، وتقدم المرابطون فكان سابقهم، وبذل الكرماء فكان أجودهم، وقام المتهجدون فكان أولهم، واقتدى بالسنة المحبون فكان أحرصهم، وتواضع القادة فكان قدوتهم ، وكره الشرفاء التطبيع فكان أبغضهم، وتردّد المصلحون في خوض غمار السياسة فكان أشجعهم، وابتسم المطمئنون لقضاء الله فكان أكثرهم بشاشة، وسعى الآباء لرفعة أبنائهم بشهادات علمية وأدبية فلم يرض لأبنائه إلا شهادة ترفع شأنهم في ا الملأ الأعلى، وتوسطوا لهم للحصول على وظائف مرموقة فتوسط لابنه إبراهيم ذي الـ(۱۷) عامًا للقيام بعملية استشهادية نوعية؛ فكان بذلك أول من توسط لابنه طلبا للشهادة. هذه بعض صفات العالم المجاهد الشهيد د. نزار عبد القادر ريان التي يرسمها لـ «المجتمع مجموعة من أبنائه في الجامعة والمسجد ،والحركة الذين تربوا بين يديه ويسعون للسير على دربه
يُحَدِّث عنه ابنه «براء» الذي حمله بين يديه بعد استشهاده وهو جسد بلا رأس محتضنا صغيره أسامة، قائلًا: «كان أبي ومعلمي وواعظي الذي تربيت بين يديه، وكنت تلميذه من قبل أن أتعلم القراءة والكتابة حتى شرفت بأن جلست بين يديه طالبًا بالجامعة، فمنذ نعومة أظافرنا كان يُجلسنا على ركبتيه؛ يقربنا ويداعبنا ويدللنا، ويقرأ علينا الأحاديث النووية ويفسرها، ومازلت أذكر وأنا في السادسة من عمري عندما أجلسنا وقرأ علينا حديث الغلام الشهيد صاحب قصة أصحاب الأخدود، وكأنه يقول لنا: «هكذا أحب أن أراكم»، فكان لنا أبًا ومعلمًا وقائدًا تنظيميًا وجهاديًا وقدوة لنا وللكثيرين».
قدوة للجميع
ولم يقتصر حث ريان أبناءه على العلم والجهاد بمجرد كلمات، فقد كان قدوتهم في ذلك، ثم كان يشجعهم بإعانتهم ماديا كما يروي براء قائلاً: «رأيتُ بريق السعادة في عينيه يوم عدت من المدرسة متفوقاً حائزاً المرتبة الأولى، ولا أنسى إكرامه لي واحترامه لاهتماماتي العلمية والأدبية ولم تمنعه مكانته العلمية من أن يطلب مني أن أساعده في مراجعة أبحاثه.. أذكر يوم أن جلست بجانبه وقرأت له نصاً يقتبسه من كتاب «شواهد التوضيح» للعلامة الإمام مالك النحوي، وفي العبارة كانت هناك كلمة مخالفة للقاعدة النحوية المشهورة التي تُدرس في المدارس والجامعات، وكان الوالد – يرحمه الله- يعلم أن مالكًا عالم له أسلوبه فكان من تقديره واحترامه لمكانته أنه لم يصححها، وكتب في الحاشية «كذا في الأصل»، فقلت له يا أبي: إن هذه لها وجه وقاعدة في اللغة، فتهللت أساريره فرحا بي وبمعرفته لقاعدة جديدة، وطلب مني توثيق هذه المعلومة، وكنت قد تعلمتها من كتاب «الرسالة» للإمام الشافعي، وأصر على منحي مكافأة قيمتها ۱۰۰ ،دولار، وهكذا كان يفعل مع جميع طلابه.. وكان هذا ديدنه في الجهاد أيضا، فقد تعهد بشراء السلاح على نفقته لمن أراد من أبناء العائلة أن يجاهد».
ومن يسأل عن أبناء «ريان» لن يسمع إلا إجابة واحدة: عن أي الأبناء تسأل؟ أتقصد أبناءه من العائلة أم من المسجد أم الجامعة أم أبناء الحركة والمرابطين؟! فقد كان -يرحمه الله- لا يدخر جهدا في تفقد كل هؤلاء حتى أصبحوا جميعًا يحبون مجالسته ويستشيرونه في كل أمورهم.. وقد استضافه بعض أبنائه المحاضرة في مسجد، واستعدوا لاستقباله بتزيين الطاولة التي أمامه بالورود، فابتسم ووضع يديه بين الورود وأزاحها يمينا ويسارًا قائلًا: «ما أجملها لكني أحب رؤية وجوهكم فهي أجمل».
الشيخ سعيد البيومي -أحد أبنائه من الجامعة، والمقربين إليه في جلساته الخاصة- يقول: «كان شيخنا د. ريان -يرحمه الله- لا يمل من الحديث عن الشهداء والمجاهدين وخاصة والده الشهيد عبد القادر، الذي كان كلما ذكره دعا الله أن يبعثه شهيدا مثله».
عنايته بالشباب
ولم تتوقف عناية ريان بالشباب عند حرصه على العلم والجهاد فقط، بل كان يسعى أيضاً ليزوجهم، ويمنحهم جزءاً من ماله الخاص في بعض الأحيان، وفي ذلك يقول «عبد القادر» أحد أبناء إخوته: «استشهد اثنان من إخوتي وجُرحتُ، فأقرضني عمي مبلغاً المال للعلاج، وبعد عدة أشهر أردت أن أرد له دينه فرفض، وقال: هو هدية زواجك، وكنتُ يومها في السادسة عشرة من عمري فقلت له: ما زلت صغيراً، فأجابني ممازحًا: «إذًا سآخذ المال لأشتري لك به بعض الحلوى».
ورغم أنها كانت مزحة، إلا أني قرأتُ منها جديته في أمر زواجي وسكت للحظات أفكّر: كيف يمكنني أن أتخلص من هذه الورطة؟ فمازلت صغيرًا، كما أنني أتمنى الشهادة مثل إخوتي، ولا أفكر في الزواج، لكنه لم يدع لي فرصة للتفكير؛ حيث عاجلني بصوته الحاني، طالبًا مني أن يصطحبني في نزهة بسيارته، حتى وصلنا إلى بيته، فسدد إلي نظرته الدافئة، وابتسم ابتسامته المعهودة، فعلمت أنه لا فرار! ثم دنى مني قائلاً: «لقد فقدت اثنين من إخوانك، ألا تتمنى أن تعوّضهم؟ فلم أجد بدا من أن أستجيب له قائلًا: نعم، ولكن أمهلني حتى أنهي دراستي، فعاجلني قبل أن أسحب موافقتي قائلا: تزوجت أنا ووالدك ونحن ندرس، ومازلت حتى اليوم أدرس، فأجبته: «أنت الشيخ قدك يا عم»، فضحك قائلا: «وأنت عبد قدك يا عم»، وتم الزواج بحمد الله، وأهداني «موكيت» للغرفة، وأقام لي وليمة عرسي. عاطفة جيّاشة
ولم تكن عاطفة ريان نحو بلاده بأقل من عاطفته لأبنائه؛ حيث كان يعرف نفسه دائما بقوله: نزار عبد القادر ريّان من «نعلين».. وقد عشق ريّان فلسطين، حتى قيل: إنه يحتفظ بحبات من رمالها وحول ذلك يقول سعيد البيومي: «في أول لقاء لي مع شيخي ريان -يرحمه الله- سألني عن اسمي، وما أن ذكرته له حتى قال: أنت من «أسدود»، وأخذ يحدثني عن بلدتي كأنه يراها ! وكان مما أخبرني به أنها كانت مقسّمة لأربعة أقسام، وعائلتي وحدها كانت تملك أحد هذه الأرباع، ولم أكن قد سمعت هذه المعلومة من قبل».
ويضيف البيومي: «استمرت إحدى جلساتنا الخاصة مع الشيخ أكثر من أربع ساعات، ونحن نسأله ويجيبنا بلا كلل ولا ملل، وكان هذا دأبه معنا.. كنا يومها في ذكرى النكبة فطلب منه أحد الجالسين أن يحدثنا عنها فسكت برهة وكأن على رأسه الطير، ثم بدأ يحدثنا عن فلسطين وكيف كانت نكبتها، وعن صورها التي بحوزته ومدى عنايته بها، وما هي إلا لحظات حتى اغرورقت عيناه بالدموع ثم أجهش بالبكاء قائلًا: اعذروني، فهذا حالي».
لم يكن هذا فقط ما يبكي ريان، لكنه كان كما قال الرسول المصطفى ﷺ: لن يحن عليكم بعدي إلا الرحماء»، وهذا ما جعل الشيخ يوسف أحد تلامذته يصفه قائلًا: «كان -يرحمه الله- ذا عاطفة جياشة؛ يحب الفقراء والمساكين، ولا يرد سائلا قط، وقد جاءه ولده يوماً وأخبره أنه سيشترى بيت أحد الجيران فذهب -يرحمه الله- إلى ذلك الجار ليسأله عن سبب البيع، وإذ به يُفاجأ بأنها ديون ثقيلة، فدمعت عيناه، وطلب من جاره ألا البيت على أن يعطيه مبلغ ۲۰۰ دولار شهريا لسداد ديونه واتصل بولده وعنفه قائلًا: «كان الأولى أن تعينه لا أن تشتري بيته».
بين طالباته
وقد بلغ من حرصه على الشباب، واتباعه السنة النبي ، أنه خصص بعض أيام جلساته الخاصة للطالبات، وتقول «سلوى» التي بكت يوم عقد قرانها لأنه كان قد وعدها بأن يعقد لها، إلا أن الله قد اصطفاه إلى جواره قبل ذلك اليوم قالت: كان أباً رحيماً، لا أذكر يوماً أنه عاقبنا لأننا أخطأنا، بل كان يصحح أخطاءنا بلطف، ويشجّعنا ويحثنا على أن نكون أفضل في المرة القادمة، كما كان دائماً يبين لنا فضل خدمة المجاهدين، ويحثنا على أن نتزوج منهم ويرشحنا لهم، وتضيف مبتسمة: «كما كان دائماً يحاول إقناعنا بأن نرضى بالتعدد، إلا أن هذه كانت نقطة شجار أبوي حان بيننا وبينه لا تنتهي»!
مرجعية علمية
ورغم دعوته للمشاركة في الحياة السياسية حيث كان أول من أفتى بجواز الترشح لانتخابات المجلس التشريعي منذ عام ١٩٨٦م، إلا أنه آثر التفرغ للعلم والجهاد في آخر عامين من حياته، يقول الشيخ يوسف: «تفرّغ شيخنا في آخر حياته للبحث العلمي، وحصل على إجازة من الجامعة بدون راتب، واستعان بخمسة من طلابه الذين فرّغهم للعمل معه برواتب شهرية لمساعدته في أبحاثه العلمية، وقد أنشأ مكتبة ضخمة أسماها «المكتبة العامرة» وشاء الله أن تُستشهد معه، فقد كان -يرحمه الله- مرجعية علمية لطلاب غزة، ولا أبالغ عندما أقول: إنه مُحَدِّث فلسطين».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل