العنوان صفحات من دفتر الذكريات (٧٤): بين بن بيلا وخيضر
الكاتب الدكتور توفيق الشاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 21-نوفمبر-1995
مشاهدات 117
نشر في العدد 1176
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 21-نوفمبر-1995
أثناء مناقشاتي مع بن بيلا ومحمد خيضر حول موقع الإسلام والعروبة في إعلان الاستقلال، وفي مشروع قانون الجنسية كان محمد مقتنعًا بوجهة نظري، وبن بيلا يحاول ألا يظهر موقفه الشخصي، بحجة أن هذا موضوع يجب أن يفصل فيه المكتب السياسي والحكومة، مع أنني كنت أعتقد أن موضوع الإسلام والعروبة مسألة مبدأ وهدف استراتيجي لا يمكن أن نقبل من الحكومة والمكتب السياسي شيئًا يفهم منه التخلي عنه أو التعارض معه.
بعد ذلك لاحظت أنه بدأ هناك فتور بين محمد خيضر وين بيلا، وكنت أعتقد أنه مجرد تنافس على الزعامة، وإن كان يبدو أن بعض أسباب هذا الفتور ترجع إلى اقتناع محمد خيضر بوجهة نظري فيما يتعلق بالجنسية والمسائل الإسلامية سواء في بيان المجلس الوطني بإعلان الجمهورية أو نصوص قانون الجنسية، ولم تكن قد أثيرت بعد مسألة أموال جبهة التحرير التي كانت في حوزة محمد خيضر باعتباره الأمين العام للجبهة والمكتب السياسي، لكن سمعت مرة من محمد خيضر أن قضية المال بدأ يثيرها ويتكلم فيها بومدين، وقال لي مرة: إن جماعة بومدين كانوا يريدون الاستيلاء على هذه النقود بحجة تسليح الجيش لأن الجيش في يدهم، وأنهم يأملون أن يكون لهم مركز قوة أكبر عن طريق تقوية الجيش. وكان محمد خيضر يعرف هذا ويدرك أنهم يرسمون لفرض سيطرتهم على الحكومة عن طريق الجيش، وهو لذلك كان يعارض تسليم المال كله أو بعضه لهم؛ لأنه لم يكن يريد أن يزداد مركز القوة، هذا بحيث يطغى الجيش على الحكومة وعلى الحزب، وين بيلا كان يظهر تأييده لبومدين في هذه المطالب إلا أنه كان يحاول أن يكون محايدًا، وأنه محرج بسبب علاقته ببومدين، وكان في حواره مع محمد خيضر في هذا الموضوع يتظاهر بأن الضغوط آتية من أعضاء المكتب السياسي الآخرين، وأنه محرج بين الطرفين، وقال لي محمد خيضر مرة إن بومدين طلب من الحكومة ومن المكتب السياسي جزءًا من هذا المال لشراء سيارات لاندروفر وغيرها من مستلزمات للجيش. وقال إنني لا أوافق على هذا لأن هذه ليست فلوس الجيش، وأنها فلوس أو أموال الثورة والحزب وهو جبهة التحرير، وأنا أمين الحزب، وأن الجيش الآن ليس هو جيش الحزب، وإنما هو في نظره جيش بومدين، وإذا كان رسميًا جيش الدولة فعليه أن يموله من ميزانية الدولة، ولا نريد أن تستولي الدولة على أموال الحزب، لأن الدولة شيء والحزب شيء آخر، ومن باب أولى لا يرضى أن يستولي الجيش عليها، حتى ولو ادعى الجيش أنه جيش الدولة، وهو لم يكن يرى هذا الادعاء صحيحًا، ويعتقد أن بومدين يسيطر على الجيش وسيتخذه وسيلة للاستيلاء على السلطة.
خطة بومدين لعزل بن بيلا:
وكانت خطة «بومدين» وأصحابه تبدأ بعزل بن بيلا عن محمد خيضر وإثارة مشاكل بينهما، حتى يمكنهم القضاء على كل منهم منفردًا، وقد بدأ بتصفية جميع العناصر التي كانوا يحسون بأن لها قدرًا من الاستقلال عنهم مثل محمد شعباني - قائد الولاية السادسة - الذي استفزوه ودفعوه دفعًا للتمرد، ثم أعدموه، وأصبح الجيش تحت سيطرتهم الكاملة.
طوال الفترة التي قضيتها مع بن بيلا وخيضر لاحظت أن محمد خيضر كان يميل إلى المغامرة ويسرع إلى مواطن الخطر، في حين أن بن بيلا كان يلتزم الحذر ولا يبدي رأيًا إلا إذا كان يطمئن إلى أنه لن يسبب له مخاطرة، وكان يعتقد أنه يستطيع أن يُرضي الجميع، وأن يحظى بعلاقات طيبة مع الأطراف المتنافسة أو المتصارعة بل كان يطمئن كلما وجد الخلافات حوله تشتد بين الجميع ظنًا منه أن سيكون الحكم الذي يرجعون إليه، وقد كان الأمر كذلك في البداية.
كان محمد خيضر واثقًا من نفسه إلى حد كبير، ولذلك كان يعلن رأيه في كثير من المسائل ولا يتردد في ذلك مع علمه بأن آخرين لا يوافقون عليها أو حتى يقاومونها. ولذلك أصبح له مشاكل مع جهات كثيرة يجاملها بن بيلا وتجامله، وأول هذه الجهات جماعة بومدين في الجيش، وجماعة «المنتفعين» في الحكومة، وخاصة المستوزرين وكبار المسؤولين الذين كان بن بيلا يتغاضى عن كثير من تصرفاتهم التي يعتبرها محمد خيضر ضمن دائرة الفساد والاستغلال، ويعارض فيها لهذا السبب علنًا وفي كل مناسبة.
يظهر لي أن هذا كان من الأسباب التي دعت البعض لإثارة موضوع أموال جبهة التحرير التي كانت تحت يده، ولكن هذا الموضوع لم يحدث بشأنه أي حوار أو جدال أثناء وجودي في الجزائر، وعندما لقيت محمد خيضر في المغرب فيما بعد وذكر لي ما حدث من خلاف بشأن هذا الموضوع، قال: إن جماعة بومدين هم الذين كانوا يتكلمون ويحرضون غيرهم على ذلك، وأن غرضهم من ذلك الإيقاع بينه وبين بن بيلا، وأنهم نجحوا في ذلك، وكان دائمًا يتوقع أن يعذروا بصاحبه «بن بيلا» فيما بعد، وكان يردد تعبيره الفرنسي عن ذلك بقوله: « إنهم سوف يوقعون به في أول منحنيات الطريق ILS L AURANT AU TOURNANT»
هرب خيضر إلى المغرب:
بعد خروجي من الجزائر بفترة، وبعد محاولة أوفقير لإخراجي من المغرب وإلغاء تعاقدي مع وزارة العدل، فوجئت بمحمد خيضر يزورني في منزلي بالمغرب، وقال لي إنه أخذ من بن بيلا جواز السفر الخاص به ليسافر لبحث بعض الشؤون في تونس المتعلقة بأموال الجبهة الموجودة هناك. ولكنه بعد أن وصل إلى تونس قرر ألا يعود إلى الجزائر، وقد ذهب من تونس إلى جنيف ومنها للمغرب، ولا يريد أن يعود إلى الجزائر حتى تُسوى مسألة النقود بينه وبين الحكومة الجزائرية بصورة عادلة بعيدًا عن التهديد والابتزاز، وسألته كيف أن بن بيلا أعطاه جوازه، وهل كان يعرف أنه سيعود، وكان عنده ثقة في هذا، والظاهر لي أن محمد خيضر في بعض الأحيان كان عنده شيء من السذاجة في صراحته، وأنا أعتقد أن بن بيلا لم يكن يريد الضغط على محمد خيضر، وكان يريد أن يبقيه كاحتياطي يقف في جانبه لإيجاد نوع من التوازن بينه وبين فريق بومدين الذين يريدون أن يكونوا مركز قوة في وجه زعامته عن طريق سيطرتهم على الجيش؛ ولذلك لم يكن في مصلحته أن يخرج محمد خيضر من اللعبة خاسرًا، ورغم ذلك فإن محمد خيضر لم يدر بخلده هذا، بل كان شديد السخط على بن بيلا، وهذا شيء عجيب، وقد حصلت بيني وبينه مشادة عجيبة أذكرها ولا أنساها، وكان ذلك يوم. يونيو ١٩٦٥م، إذ كنت معه في طنجة وركبت معه السيارة عائدين من طنجة إلى الرباط، وفتحنا الراديو وإذا بالراديو يعلن نبأ أن بومدين اعتقل بن بيلا وأخرجه من الحكومة وحصل انقلاب عسكري ضد بن بيلا، وفوجئت بأن محمد خيضر يبتهج بهذا الانقلاب، ويقول: إنني أريد أن أرسل برقية أؤيد بومدين،، وعارضته في ذلك معارضة شديدة لدرجة أغضبته وقلت له: هذا الذي أعطاك جوازك لتخرج سليمًا ستؤيد الذين انقلبوا عليه، وأنا عندي اعتقاد بأن من أهم أسباب تمردهم عليه هو أنه مكنك من الخروج، وقد أعلنوا ذلك وقالوه فيما بعد، ولكنه لم يقتنع بذلك، وأنا أعتقد أنه فقد حياته فيما بعد بسبب ذلك، وفي رأي كثيرين أن بعض أعوان بومدين ومخابراته هم الذين حرضوا على اغتياله فيما بعد. وربما كان دورهم التحريض والتشجيع.
بعد أن وصلنا إلى الرباط اتصل تليفونيًا بإحدى وكالات الأنباء لتأخذ منه تصريحًا يؤيد فيه هذا الانقلاب العسكري ضد بن بيلا، وقد حاولت بكل الوسائل أن أمنعه من ذلك، ولما لم أستطع من ذلك طلبت منه أن يكون معتدلاً وألا يسرف في التأييد لبومدين ولا في الهجوم على بن بيلا صديقه وزميله في الكفاح.
بومدين في المغرب:
والحقيقة لابد أن أذكر أنه قبل الانقلاب على بن بيلا جاء بومدين إلى المغرب في وقد رسمي، أعتقد أن ذلك كان قبل الحرب بين الجزائر والمغرب أو بعدها، وكانت العلاقات عادية تقريبًا بين المغرب والجزائر، وجاء بومدين نفسه ومعه بعض زملائه وكانوا يقابلون الملك الحسن في مراكش، وقال لي محمد خيضر: إنه يريد الذهاب إلى مراكش، ولكنه يفضل ألا يذهب ما دام بومدين هناك حتى لا يكون هذا سببًا لاستفزاز بومدين، ولكنه قال: إنه عند عودة بومدين سوف يزوره ويتصل به، وفعلاً لما جاء بومدين إلى الرباط في طريق عودته إلى الجزائر اتصل به محمد خيضر تليفونيًا وكان يتكلم من منزلي، وقال له نريد أن نلتقي ونتحدث بعض الوقت، وفعلاً جاء بومدين إلى منزلي لأول مرة في حياته، وتغدى معنا في المنزل، وقضينا بعض الوقت في سمر وحوار عادي، وحدث أمر لابد أن أذكره لأنه كان حدثاً طريقًا، فقد كان عندي ديوان شاعر الثورة الجزائرية المعروف مفدي زكريا، وكان بومدين قد التحق بالزيتونة والأزهر فترة قصيرة، ولذلك كان يحب الشعر وبدأ يقرأ بعض القصائد بحماس، فقلت له: إنني أريد شخصيًا أن أسجل لك قراءك لهذه القصيدة، وعندي جهاز تسجيل، فوافق وفعلاً أعطيته القصيدة وجلس يقرأها كما يقرأ أي تلميذ نجيب قصيدة شعرية من المحفوظات بحماس وانفعال، وسجلته على شريط للذكرى، وبعد أن تم هذا التسجيل أراد محمد خيضر أن يداعبه، فقال له: أنت ستترك هذا الشريط وأنت لا تعرف ماذا سيفعل به، ففزع بومدين وقال: لا أترك هذا الشريط، وقلت له: أنا سجلته لكي أحتفظ به وأنا أحب أن أسمعه من حين لآخر أو أسمعه لبعض الأشقاء، قال: لا، وأصر بصورة عجيبة على أن يأخذ الشريط فأعطيته له. فهذه قصة طريقة تبين مدى ما يصل إليه البعض من سذاجة.
اغتيال محمد خيضر:
كنت في مدينة طنجة مع محمد خيضر عقب خروجه من الجزائر، وصحبته في سيارته من طنجة إلى الرباط، وسمعنا نبأ الانقلاب ضد أحمد بن بيلا من الإذاعة المغربية ونحن في السيارة، وقضينا خمس ساعات في الطريق وحدنا في حوار حول نتائج هذا الحادث وأسبابه، وكنت أنا متألمًا لمصير بن بيلا وخائفًا عليه، أما هو فقد قال لي: إنه كان يتوقع ذلك وطالما حذر بن بيلا فلم يستمع إليه، وأنه لما يئس منه خرج من الجزائر ليتركه يلاقي مصيره وحده، وسألته إن كان يثق في بومدين ومن معه، فقال: إنهم يريدون المال ولا بأس من ذلك، ولكن بشروط، وقال إنه مازال على استعداد للتفاهم معهم إذا وجد لديهم أي استعداد لأن المشكلة من بدايتها كانت بينه وبينهم أكثر ما كانت بينه وبين بن بيلا، بل ذهب إلى أبعد من ذلك، فقد أصر على أن يرسل برقية من الرباط إلى بومدين بهذا المعنى رغم معارضتي الشديدة.
قلت له: إنني غادرت الجزائر تنفيذًا لما قلته لصديقي حافظ إبراهيم من أنني أفضل أن أتخلى عن صاحبي معًا بدلاً من أن أتخلى عن أحدهما وأنحاز للآخر، وإنني قصدت بذلك الابتعاد عن مشاركة أيهما في موقفه وخطته، ولكني لم أفكر ولن أفكر قط في التخلي عن صديق لي يواجه محنة شخصية وخطرًا يهدد حياته.
لم استرح كثيرًا لما فعله محمد خيضر من تفاؤله بالانقلاب، وعلمت منه في لقاءات تالية أنه حاول أن يتصل بجماعة بومدين لتصفية الموضوع والاتفاق معهم، وقال لي: إن هناك وسطاء اتصل بهم، وأنهم أرسلوا له رسولاً واستقبله، ولهم شروط وله شروط، البعض اعتقد أنه كان المقصود مخادعته واستدراجه للاطمئنان لهم حتى تم اغتياله، وهناك كثيرون يعتقدون أن اغتياله قام به جهاز من أجهزة الاستخبارات في الحكومة الجزائرية في عهد بومدين، ومع ذلك فأنا أرجع أن جهات أجنبية كان لها الدور الأول في هذا، ومازلت أعتقد أن تأييده للثورة الفلسطينية والفتح كان من أهم الأسباب التي أدت إلى اغتياله.
إنني أعتقد أن المسؤولية الأولى عن اغتياله ليست من داخل الجزائر، ولكن من خارجها، وربما استغلوا بعض الأشخاص الذين يريدون ابتزاز المال أو الحظوة لدى الحكومة الجزائرية أو ما شاكل ذلك، وربما دخل طرف ثالث من القائمين على البنك الذي توجد فيه الأموال ليستأثروا بنصيب منها على الأقل، وكان محمد خيضر يقول لي دائمًاً إنني أماطل في تسليم هذه النقود لأنني أعتقد أنه طالما أن هذه النقود معي فإنهم لن يغتالوني، وقال لي مرة: إنني أخشى أن اليوم الذي أسلم فيه هذه النقود فإنهم ينتقمون مني أو يُعرضون حياتي للخطر، إن بقاء النقود معه كان يجعله يطمئن إلى أن هدفهم الأول هو الحصول عليها عن طريق مصالحة وأن يعود إلى الجزائر، ولذلك كان يقول إنه لن يسلم النقود إلا بعد أن يعود الوفاق بينه وبينهم حتى يكون في مأمن من أي اغتيال بعد تسليم النقود.
المعروف أن الشخص الذي اغتاله كان جزائريًا، ولكنه ربما كان يعمل لحسابه الشخصي أو لحساب جهة أو جهات أجنبية وللحكومة نفس الوقت، كما أن اغتيال الخمستي قام به أحد الجزائريين، ويقول كثيرون إنه كان يعمل لحسابه الشخصي لأنه كان قد خطب السيدة التي تزوجها الخمستي فاعتبر زواجه بها اعتداء عليه وانتقام منه، وآخرون يرون أن بعض مراكز القوى كان لها مصلحة في ذلك بسبب صلته الوثيقة مع بن بيلا، بدليل أن الذي تولى بعده كان «بوتفليقة» وهو من جماعة بومدين
مزاج جزائري:
إن بعض الجزائريين تصل بهم شهوة الانتقام إلى هذا الحد ويستبيحون القتل لأسباب قد تكون تافهة، وهذا يرجح عندي القول بإن هذا الشخص قام بقتل خيضر لحسابه أولًا، وثانياً: لحساب إحدى الجهات الأجنبية، وربما يكون لحساب الجهات التي كانت الفلوس موجودة عندهم، الفلوس هي ملك للمودع، ولكنها عندهم موضوعة في البنوك، وهذه البنوك تعرف أنه إذا أُغتُيل فإن الفلوس ستبقى عندهم ويساومون الحكومة حتى يكون لهم نصيب منها، وهذا ما حصل فعلاً لأن الحكومة الجزائرية لم تستطع الحصول على الأموال إلا بصعوبة ومفاوضات وقضايا وما إلى ذلك، وهذا يؤكد أن بعض الجهات في الأوساط المالية، أو الصهيونية، أو الماسونية، أو الفرنسية، كان لها الدور الأول في عملية اغتيال محمد خيضر رحمه الله، واغتيال محمد خيضر وقع بعد أن تركت المغرب وذهبت إلى السعودية، وأذكر أنني كنت في سيارة بالرياض عاصمة السعودية قادمًا من المطار بعد أن وصلت من الخارج، وفتحت راديو السيارة، وكان أول خبر أسمعه هو اغتيال محمد خيضر في مدريد، وكان هذا محزنًا وكان يضيف ألمًا جديدًا، إلى ما لقيته من آلام بسبب فشلي كثير من مشروعاتي، وضياع آمالي في الاستقرار بالجزائر أو العمل لصالح هذا الشعب الذي أحبه وأقدره، وأعرف كثيرًا من الشهداء الذين ضحوا بأنفسهم في ميادين الجهاد من أجل تحريره وسعادته.