العنوان صفحات من دفتر الذكريات.. طريق الجزائر «99» زيارة ثانية وثالثة للشيخين
الكاتب الدكتور توفيق الشاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 05-نوفمبر-1996
مشاهدات 80
نشر في العدد1224
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 05-نوفمبر-1996
حينما التقيت بالرئيس زروال قدمت له ملفًا يحوي عشرين مقالًا من المقالات التي نشرتها المجتمع تحت عنوان «طريق الجزائر»
شعرت بالوحدة وتناوبتني الوساوس والمخاوف بعد سفر الدكتور محمد عمر زبير، ولكنني لم أتردد في إتمام برنامج الزيارة طالما لا يوجد ما يحول دون ذلك، وقررت الاستفادة بما أبلغني به د. زبير عندما ودعني صباح ذلك اليوم بأن من يتصل به من جانب الحكومة أبلغه بأنهم سوف يتصلون بي مساءً لتحديد موعد لمقابلة الرئيس، ورغم أنني فوجئت بذلك فإنني زدت إصرارًا على أن أحقق أكبر قدر من الاتصال والبحث حتى أكون قد حققت كل ما أستطيع من الرحلة قبل أن يتغير الحال إذا حدث ذلك لا قدر الله.
بعد الغداء توجهت إلى مقر الشيخين وقلت لهما: إنني جئت لأودعكما لأنني على نية السفر غدًا ظهرًا عقب مقابلتي للرئيس، والآن أريد معرفة رأيكما في هذه الدعوة لمقابلة الرئيس زروال قبل السفر، قالا: إن من المصلحة أن تقابله بشرط أن تمر علينا بعدها لتعطينا فكرة عما دار فيها .
ودار بيننا حديث طويل شرحت لهما فيه مقابلتي مع السيد عبد الحميد المهري، وذكرت الشيخ عباس بما قلته له دائمًا من أن تعاونهم مع جبهة التحرير ضروري لصالح البلاد ومحاصرة عملاء التغريب والفرانكفونية والانفصالية الذين يرسمون الخطط لمحاصرة التيار الإسلامي وعزله عن القوى الوطنية والقومية... وشرحت لهم ما دار في مقابلاتي مع المهري في «بيروت» أولًا ثم في هذه الزيارة، وأنني أرى أنه في نظري من أفضل العناصر الوطنية في الجبهة وأكثرها إيمانًا بالعروبة التي لا يمكن أن تنفصل عن الإسلام.. وأعدت لهم ما قلته للإخوة الثلاثة المفرج عنهم وإلحاحي عليهم في متابعة الاتصالات معه ووعدهم بذلك في لقائنا معهم بالأمس «الثلاثاء 7/ 12».
ثم إنني ذكرت لهم خلاصة الحوار الذي دار بيني وبين الثلاثة المفرج عنهم، وأن دورهم في نظري سيكون مهمًا في مواصلة الحوار مع من يتصل بهم من ممثلي السلطة، وأن هذا الحوار سيكون مفيدًا وضروريًا في المستقبل لتشجيع المخلصين في الحكومة على مقاومة الضغوط الأجنبية التي تحاول عرقلة أي مسعى للتقريب بين الحكومة والإنقاذ... وهدفها من ذلك تحقيق مصالح أجنبية تستلزم في نظري منع استقرار الأوضاع في الجزائر وتعطيل مسيرتها في طريق النهضة والقضاء على نفوذها الذي استغلته، ودعم حركات التحرير في إفريقية والعالم كله، ودعم الكفاح الفلسطيني في الفترة الماضية.
خرجنا إلى الحديقة وبدأت أعرض وجهة نظري في ضرورة التعاون مع جبهة التحرير وأن الوقت الحالي مناسب لذلك، وقلت لهم: إنه رغم الأخطاء التي ارتكبتها حكومات جبهة التحرير ومظاهر الفساد الذي استشرى في صفوف مؤيديها- إلا أن الاستعمار كان يكرهها ويحاول القضاء عليها لأنها تمارس دورًا كبيرًا في دعم حركات التحرر الوطني في كثير من البلاد، ولأنها سارت في طريق التعريب شوطًا كبيرًا، ولم يكن في إمكانها التخلي عنه رغم كل الضغوط التي مارستها فرنسا لتعطيل مسيرة التعريب.
لقد قلت لهم: إنني على يقين بأن الخطة الاستعمارية تسعى لاستبعاد جبهة التحرير من الميدان السياسي بالقوة نفسها والتصميم الذي ترید به استبعاد جبهة الإنقاذ.... وأن الجبهتين تواجهان خطرًا واحدًا من جانب الاستعمار والأحزاب المصطنعة التي تمولها القوى الأجنبية التي تعادي الإسلام والعروبة تارة باسم الفرانكفونية أو الاشتراكية أو البربرية أو الحداثة... أو ما إلى ذلك...
إن القوى المعادية لشعوبنا تعتبر أن العروبة والإسلام وجهان لعملة واحدة- وقد استغلت التيار الاشتراكي الذي افتتن به قادة جبهة التحرير في الفترة الماضية سعيًا وراء إغراءات الدعم السوفييتي وكتلته الاشتراكية في المجال الدولي والعالمي... والآن وقد انهارت هذه الكتلة اليسارية وانحاز عملاؤها إلى صف الإمبريالية الغربية في هجومهم على الإسلام وشعوبه، فإننا نرى الوطنيين المخلصين في جبهة التحرير ومؤيديها لا يجدون أي غضاضة في مساندة دعوة التحرر التي تمثلها جبهة الإنقاذ، وكثير منهم لا يمكن أن يتخذوا موقفًا ضد من يرفعون الشعارات الإسلامية ويشعرون بخطر علماء القوى الأجنبية سواء المتغربون أو الفرانكفونيون أو العنصريون الانفصاليون.....
إنني أدعو جبهة الإنقاذ لكي تتخلص من رواسب المعركة الانتخابية عندما كانت تتخذ مهاجمة جبهة التحرير وسيلة لاجتذاب الجماهير الساخطة على الحكومات السابقة والذين كانوا يثورون على حكم تلك الجبهة ....
إن جبهة التحرير في المعارضة الآن هي غير الجبهة التي كانت تحتكر السلطة ومكنت الاشتراكيين والعسكريين من الاستيلاء على مراكز القوى في الإعلام والإدارة والجيش..... إلخ.
إنني أقترح توجيه إخوانكم في الداخل والخارج الذين يستطيعون التحرك والاتصال ألا يضيعوا هذه الفرصة، وأن يتابعوا خطة جديدة للتنسيق مع جبهة التحرير أو التعاون معها على أسس جديدة واضحة..
إن هذا التعاون سيكون له تأثير كبير في تشجيع العناصر الوطنية في السلطة من بقايا جبهة التحرير في الإدارة والجيش على مقاومة السيطرة التي يمارسها الآن العناصر الفرانكفونية التي ربط مصيرها بالقوى الأجنبية وخاصة فرنسا، لقد قلت لهم إنني مازلت أعتقد أن في السلطة عناصر وطنية لكنها تسير مع عملاء فرنسا اعتقادًا منهم أن فرنسا تهددهم بتحريك عملائها في الأحزاب المالية لها لمعارضة الحكومة إذا تصالحت مع الإنقاذ ..
إنني فهمت من بعض المتابعين للسياسة الفرنسية أن العناصر الموالية للصهيونية والماسونية تمول وتسلح بعض العناصر الانفصالية والمستغربة وتلمح للمسؤولين في الجيش والحكومة الجزائرية بأنها إذا اقتربت من جبهة الإنقاذ أو تصالحت معها فإن هناك تنظيمات مسلحة سوف تبدأ حركة مسلحة ضد وحدة البلاد وعروبتها وإسلامها، ويستنتج البعض من ذلك أن هناك عناصر وطنية في السلطة تأخذ هذه التهديدات مأخذ الجد وتساير حزب فرنسا بحجة إنقاذ وحدة البلاد من خطر هذه الحركات الانفصالية، إن هذه العناصر الوطنية ما زالت في نظري موالية لجبهة التحرير وكل تعاون مع هذه الجبهة يشجعها على مقاومة «حزب فرنسا»... .
كان هدف هذه الزيارة الثانية في نظري هو توديعهم على أساس حجزي للسفر في اليوم التالي، لكنني بدأت أعتقد أن ما سمعته عن مقابلتي لرئيس الجمهورية قد يفتح لي باب أمل جديد أو باب تحول لا أستطيع أن أحدد مداه ولا اتجاهه... وعاودتني مخاوف من تربص عناصر يسوؤها وجودي- وما يترتب على ذلك من الظروف التي تجتازها البلاد التي يلتفت فيها كل من يمشي في شوارع الجزائر خشية أن يصاب بمكروه... أو رصاصة لا يعرف أحد من أطلقها... لكني مع ذلك قررت أن أطيل إقامتي مهما تكن هذه المخاطر...
عندما عدت إلى الفندق وجدت رسالة تليفونية من أحد المسؤولين برئاسة الجمهورية يخبرني بأنه سيرسل لي سيارة في التاسعة صباحًا لتقلني لمقابلة رئيس الجمهورية.... تساءلت إن كانوا سيعيدوني إلى الفندق لأغادر الجزائر... أم سيذهب بي إلى مكان مجهول... وفكرت فيما أقوله له، واستقر رأيي على أن أكون صريحًا وواضحًا، ولم يكن لدي شيء من كتبي، إلا أن معي ملفًا يحوي عشرين مقالًا نشرتها في مجلة «المجتمع» الكويتية بعنوان «طريق الجزائر»- فطلبت من مرافقي حسن أن يصور لي نسختين منها وقررت أن أقدم إحداها للرئيس زروال ليعرف حقيقة اتجاهاتي وأفكاري ....
بعد لقائي مع الرئيس زروال ذهبت مباشرة في زيارة ثالثة للشيخين ولخصت لهما حديثي مع الرئيس، وأضفت أنني أعتقد أن الرجل حريص على أن يحقق تقدمًا في الحوار مع الإنقاذ، وذلك ليدعم مركزه أمام العسكريين الذين أعتقد أنهم هم الذين يمسكون بزمام السلطة وإن كان هو لا يسلم بذلك.... ويقول إنه هو الرئيس وأمره مطاع... وهو يعتقد أنه قدم تنازلات بنقلكما من السجن إلى الإقامة الجبرية والإفراج عن ثلاثة من قادة الجبهة... ويتوقع أن تقدموا له مقابلًا لذلك يمكنه من اتخاذ خطوات أخرى... فيمكن في نظري أن نفكر في خطوة محدودة لا تصل إلى حد التورط في البيانات التي يطلبونها .
وقلت لهما: إن هذه المقابلة تحتاج إلى وقت أطول للمناقشة، ولذلك فإنني آثرت تأجيل سفري الذي كان محددًا له عصر ذلك اليوم إلى موعد آخر لكي أعود لهما مساء وأقدم لهما بعض الآراء على ضوء ما سمعته من الرئيس- واستأذنتهما في الذهاب إلى القبة لأشارك في جنازة المرحوم محمدي السعيد، وكنت آمل أن أعود لهما بعد ذلك في اليوم نفسه لكنني شغلت بلقائي الثاني مع إخوانهما الثلاثة المفرج عنهم الذين فصلت قصتهم فيما قبل... وبعدها عدت للفندق متعبًا وأجلت زيارتي الرابعة لهما إلى اليوم التالي «الجمعة 9/ 12/ 1994م» على أمل أن أغادرهم إلى المطار للعودة في نفس اليوم إلى «الدار البيضاء» لحضور المؤتمر الذي جئت من أجله ....
في مساء ذلك اليوم فوجئت بمرافقي حسن الذي طلبت منه تغيير موعد سفري للغد يقول لي: إن طائرة الجمعة تغادر في التاسعة صباحًا أستطيع الذهاب للشيخين قبل الذهاب للمطار ونظرًا لأنني كنت حريصًا على هذا اللقاء فقد طلبت منه الحجز لليوم التالي السبت «10 /12 /1994م»، واتصلت بصديقي الدكتور صديق التاوتي وقلت له: إنك دعوتني للغداء واعتذرت لك بضيق الوقت والآن وقد أجلت سفري فإني أكون سعيدًا لو تغديت عندك غدًا بعد صلاة الجمعة بشرط أن تدعو صديقي القديم الدكتور الهاشمي التيجاني مؤسس جمعية القيم في عام 1962م لأنني قصرت في الاتصال به ولقائه، فسر بذلك ووعد به ..
كنت قد حاولت الاتصال مرارًا بعميد كلية أصول الدين بالعاصمة الدكتور عبد الرزاق قسوم الذي يصدر مجلة تحمل اسم «الموافقات» إحياء لذكرى الشاطبي الفقيه العظيم مؤلف كتابه القيم الذي يحمل هذا الاسم- وقد وصلني العدد الأول من تلك المجلة، وأعجبت بما جاء فيها من أبحاث فقهية... فسارعت بإرسال مقال لنشره بها موضوعه «الإجماع شورى ملزمة»، لكن لم يصلني العدد الذي نشر به هذا المقال، وحرصت على لقائه وتركت له رسالة ليتصل بي، وفوجئت صباح الأربعاء بزيارته لي في الفندق وتمتعت بالحديث معه عن نشاط هذا المعهد الفريد، وحمل إلى مجموعة الأعداد التي صدرت من مجلته ومن بينها العدد الذي نشر به البحث الذي أرسلته له، وطلب مني أن أزور مقر المعهد وألقي به محاضرة إن أمكن، لكنني اعتذرت في ذلك اليوم بسبب نيتي في السفر يوم الخميس «9/ 12»، وعندما أخرت سفري إلى السبت اتصلت بالدكتور التاوتي ورجوته إن أمكن أن يدعوه على الغداء معنا يوم الجمعة فرحب بذلك وسعدت به.
كان السيد أحمد مختار أمبو مديرًا لمنظمة اليونسكو وعمل جهده لتشجيع الثقافة العربية والإسلامية وكان شجاعًا في مواقفه ضد الضغوط الأمريكية والصهيونية في كل ما يتعلق بمصالح العالم العربي والإفريقي والعالم الثالث على العموم- ولذلك عندما تقدمنا بطلب لتسجيل الاتحاد العالمي للمدارس العربية الإسلامية في اليونسكو شجعنا وساعدنا في ذلك، ولما خرج من اليونسكو اقترحنا عليه أن يتعاون مع الاتحاد في نشاطاته وقبل ذلك وحضر ممثلًا للاتحاد في بعض المؤتمرات والاجتماعات التي لم أستطع الحضور فيها بسبب المرض والعلاج.
وبمناسبة مؤتمر القمة الإسلامي السابع في «الدار البيضاء» اقترحت عليه أن يرأس وفد الاتحاد فقبل ذلك- وعندما جاءت فكرة سفري للجزائر قبل المؤتمر قررت أن أذهب أولًا إلى «الرباط» لمقابلته- وذكرت له نيتي في السفر إلى الجزائر... فأبدى تخوفه، وقال: إن في ذلك مخاطرة، قلت: إنني أعلم ذلك ولهذا جئت لأتأكد من عزمه على حضور المؤتمر في حالة تعذر عودتي من الجزائر لأي سبب من الأسباب.
وعندما تأخر سفري في الموعد الذي حددته للعودة الخميس «8/ 12/ 1994م» اتصلت تليفونيًا أذكره بوعده في حضور المؤتمر وأبلغه بأن موعد سفري قد تأجل، ففزع لذلك.. ولكني طمأنته بأنني حجزت للسفر اليوم التالي «الجمعة 9/ 12» ولما عدلت عن السفر يوم الجمعة وجعلته يوم السبت «10/ 12» وأبلغته بذلك زادت شكوكه، وللمرة الثالثة اتصلت به يوم السبت لإبلاغه بتأخر سفري للأحد، لم يكن موجودًا في منزله وعرفت من زوجته أنه فعلًا ذهب إلى «الدار البيضاء»، لحضور المؤتمر وأنها سوف تلحق به .