العنوان صليبية فرنسا الجديدة القديمة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 18-أبريل-1989
مشاهدات 70
نشر في العدد 913
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 18-أبريل-1989
حاولت فرنسا
طوال السنوات الظهور بمظهر المحايد إزاء القضية اللبنانية، وأخفت ما استطاعت
صليبيتها، ولكن الأحداث الأخيرة عرتها على حقيقتها وكشفت تلك الصليبية الدفينة رغم
مضي حوالي ألف سنة على الحروب الصليبية التي انطلقت من فرنسا واستهدفت مقدسات
المسلمين.
لقد افتضح
الموقف الفرنسي المنحاز إلى الفريق المسيحي في لبنان من خلال تصريحات ساستها
وتحركاتهم فأثار موجة من الاستنكار ليس في الوسط الإسلامي اللبناني فحسب بل في كل
البلاد الإسلامية.
لقد كانت
الصليبية الفرنسية تختفي دائمًا وراء المقولات العلمانية والادعاءات الحضارية،
وكأن الدين لا يعنيها في شيء، فالفلاسفة الفرنسيون هم الذين روجوا لمقولة الفصل
بين الدين والدولة تحت يافطة «أعط ما لله لله وما لقيصر لقيصر» والإعلام الفرنسي
خاصة والغربي عمومًا هو الذي يركز على تخلف المسلمين دون غيرهم من الأمم وينعتهم
بالجهل والانغلاق، مُلمحًا إلى أن سبب ذلك كله يعود إلى الخلط بين أمور الدنيا
وأمور الدين، للإيقاع ببعض المسلمين وجرهم إلى التنكر لدينهم واستعدائهم على إخوتهم،
فتحدث البلبلة ويدب الخلاف وتستعصي المشكلات، وهكذا تحقق الصليبية ما أرادت من
وراء الأستار ودون أن تكشف عن وجهها القبيح إلا عندما تجد نفسها مضطرة إلى ذلك
اضطرارًا مثلما هي الحال الآن بالنسبة للقضية اللبنانية.
نحن نسأل
المتشبثين بالعلمانية في بلادنا الإسلامية المصدقين للمقولات الغربية: لماذا ترمي
فرنسا باسم المسيحية الغربية كلها وبعد أن أخذت موافقتها بكل ثقلها إلى جانب نصارى
لبنان؟ لماذا تقول فرنسا كلامًا لا غبار عليه حول تأييدها المطلق ودعمها المبدئي
لنصارى لبنان؟ لماذا أخذ الفرنسيون فجأة يتباكون على مصير لبنان، وتدفقت مئات
الشخصيات الباريسية البارزة على سفارة لبنان في باريس تطلب رسميًا الجنسية
اللبنانية؟ لماذا تعلن فرنسا على لسان رئيسها ميتران أنها مصممة على التحرك بسرعة
لوضع حد لمأساة هذا البلد وشعبه؟ ولماذا السرعة الآن فقط وقد مضى على الحرب
الأهلية في لبنان زهاء 15 عامًا؟ أليس هو الدم المسيحي؟
لقد سالت دماء
المسلمين أنهارًا في لبنان ولم يتحرك الضمير الفرنسي، ولم نر «المواقف الإنسانية
الفرنسية»، ولكن عندما طالت القنابل والقذائف مناطق المسيحيين وهددتهم الحرب بجدية
وصلت سفن المساعدات الإنسانية إلى شواطئ لبنان.
إننا لا نؤيد
طرفًا هناك على حساب طرف آخر، ولكن إذا كان لا بد من إصلاح النظام السياسي
اللبناني بتغيير المعادلة السياسية تغييرًا عادلًا حسب المعطيات السياسية
والاجتماعية والسكانية الجديدة وقبول جميع الأطراف بالمعادلة الجديدة، فإنه لا يحق
لفرنسا أن تتدخل لإبقاء الوضع على ما هو عليه والحفاظ على مكاسب المسيحيين التي
حصلوا عليها في زمان فرنسي مضى وولى؟
ومهما كانت
ادعاءات فرنسا بخصوص انحيازها السافر للفريق المسيحي في لبنان، فإن الحقيقة التي
لا مناص من الاعتراف بها هو أن فرنسا تنطلق من منطلقات صليبية في سياستها إزاء
المسلمين، وإن كل ما يهم فرنسا من قضية لبنان هو مصالح النصارى هناك وهي مستعدة
للدفاع عن تلك المصالح توطيداً لرابطة الدين التي برهنت الأحداث على أنها علت على
كل الروابط.
وإذا كان
العلمانيون في بلاد العرب والمسلمين يجادلون في الدوافع التي دفعت الغرب إلى
مناهضة القنبلة النووية الباكستانية، وإحداث ضجة حول هذه القنبلة التي لم تجهز بعد،
في حين يسكت عن القنبلة النووية الهندية الجاهزة منذ سنوات ولا يكلفون أنفسهم
الإشارة إلى أخطارها، وإذا كان أولئك العلمانيون يجادلون في موقف الغرب الرافض
لانضمام تركيا للسوق الأوروبية المشتركة والسماح لليونان بالانضمام إليها رغم أن
اليونان أكثر تخلفًا.
أما بالنسبة لنا
كمسلمين، فإننا نرى دخول تركيا للسوق الأوروبية المشتركة محاولة لفصلها عن كونها قُطرًا
إسلاميًا وشعبًا مسلمًا لانتمائه إلى الإسلام، وزج تركيا في أحضان الغرب مدعين عن
باطل أنه لا شأن للدين بهذه المواقف، فماذا تراهم يقولون اليوم عن موقف الغرب
الأخير بزعامة فرنسا إزاء نصارى لبنان؟ هذا الموقف الذي لم يعد أحد يشك في صليبيته
وتحيزه التام ضد مصالح المسلمين في لبنان وضد عروبة وإسلام هذا البلد.
لقد عبرت بعض
الشخصيات اللبنانية عن دهشتها للمواقف الفرنسية الأخيرة وأوجست خيفة من مغامرة
سياسية أو عسكرية فرنسية في لبنان، وقالت: إن موقف الإعلام والمثقفين وحتى الكنيسة
في فرنسا صدمنا، والحقيقة أن مثل هذه المواقف الفرنسية ليس مستغربًا، والذين صدموا
بها هم الذين ظنوا أن فرنسا تخلت حقًا عن صليبيتها ولم يعد للاعتبارات الدينية شأن
في مواقفها السياسية، وها هي الأحداث تكذب هذا الظن وتؤكد من جديد أن الصليبية
ضاربة في أعماق الفرنجة والغربيين عمومًا، وأن ما يحركهم في سياستهم إزاء العرب
والمسلمين على ضعفهم هو الحقد الصليبي في المقام الأول، وإلا فلماذا يُخص المسلمون
دون غيرهم من شعوب العالم الثالث بالنصيب الأكبر من مؤامراتهم واعتداءاتهم ومسخهم
الثقافي؟ ولماذا توضع مختلف أنواع العراقيل في طريق المسلمين حتى يبقوا متخلفين
ويسمح لأمم كانت بالأمس القريب غارقة في التخلف بأن تقفز قفزات إلى الأمام وأن
تتقدم على سائر الدول الإسلامية دون اعتراض أو «فيتو» غربي؟
الحقيقة أن
فرنسا التي استعمرت لبنان طيلة ثلاثين سنة وزرعت الطائفية في هذا البلد ورعتها حتى
أينعت وأثمرت ثمارها المُرة، تتحرك اليوم ليس بدافع الحرص على لبنان وعلى وحدته،
بل بدافع الحرص على تلك الشجرة الخبيثة التي زرعتها في لبنان، فأين كانت فرنسا
أيام الغزو «الإسرائيلي» لبيروت عام 1982م؟ ولماذا لم تظهر بواخر المعونات
الفرنسية الإنسانية أثناء حروب المخيمات على أرض لبنان؟ هل هو محض الصدفة أن يعود
العقل الفرنسي إلى وعيه في هذه الأيام بالذات؟
إننا لا نطالب
فرنسا أن تكون واضحة في موقفها من لبنان؛ لأننا لا نريد أن نغالط أنفسنا، إذ
الموقف الفرنسي أوضح ما يكون في دعمه السياسي والمادي للطائفية وللموارنة بالذات،
بل إن الدعم العسكري لا يبدو مستبعدًا في إطار الأوضاع الحالية والإصرار الفرنسي
الصليبي على التدخل السافر في شؤون لبنان.
إن الذين يرجون
فرنسا اليوم ألا تسير وفق هذا الموقف حتى آخر الشوط، إنما يخشون من تعريتهم هم
الآخرون ومما يسببه لهم هذا الموقف الصليبي من إحراج، وهم الذين راهنوا على
العلمانية التي أخذوها عن أسيادهم.
أما نحن فنطالب
بموقف عربي إسلامي واضح من هجمة صليبية جديدة بوابتها لبنان ويتزعمها ساسة منافقون
يظهرون لنا أنه لا شأن للدين بشؤون الدولة، في حين نجدهم يتحركون وفق اعتبارات
دينية صليبية، فإلى متى يغرر بنا وكأننا لم نبلغ بعد سن الرشد؟!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل