; وقف إطلاق النار في مقدونيا : دوافعه و انعكاساته.. صمود المقاتلين الألبان «جر» الجميع إلى مائدة المفاوضات | مجلة المجتمع

العنوان وقف إطلاق النار في مقدونيا : دوافعه و انعكاساته.. صمود المقاتلين الألبان «جر» الجميع إلى مائدة المفاوضات

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 14-يوليو-2001

مشاهدات 59

نشر في العدد 1459

نشر في الصفحة 28

السبت 14-يوليو-2001

100 ألف مهاجر لم يعودوا إلى ديارهم،  و 50 ألف آخرين  ما زالوا محاصرين بين الحياة والموت

في علم الاجتماع تعد الحرب: من أهم عوامل حصول التحولات الكبرى في التاريخ الإنساني، وفي علم السياسة:« استئناف الحوار عن طريق الحرب لإخضاع الخصم لشروط الطرف المقابل»، وفي الاستراتيجيات العسكرية «محاربة الخصم ليقبل بالحوار، من خلال استخدام القوة»، أو بعبارة أخرى «الحرب من أجل السلام» و«العنف لتحقيق الديمقراطية» إن كان الأمر كذلك فما الذي يحدث في مقدونيا، بعد «توقف» القتال على إثر اتفاق لوقف إطلاق النار توصل إليه الألبان والسلاف، والطرفان مقدون بوساطة أوروبية أطلسية، حيث فشل الحل العسكري الذي استخدمته الحكومة للقضاء على المقاتلين الألبان.

 نجاح الألبان: من وجهة نظر عسكرية سياسية اجتماعية يعد العمل العسكري الذي قام به الألبان ناجحًا، فقد أجبروا حلف شمال الأطلسي الذي كان يصفهم بـ «الإرهابيين» و«المتطرفين على الجلوس معه، ومناشدته لهم بألطف العبارات «بعد فشل سياسة الخشونة اللفظية والتهديدات» للقبول بوقف إطلاق النار، كما أجبروا المجتمع الدولي على احترامهم من خلال الاستماع إلى مطالبهم والتوسط في أزمة قرية أوراتشينوفو، وحدثت المفارقة الكبيرة عندما خرج المقاتلون الألبان من القرية بضمانات أطلسية وحافلات تابعة لحلف شمال الأطلسي، وارتفعت أصوات تنادي بضرورة الحوار مع المقاتلين من بينهم أعضاء في الكونجرس الأمريكي، ومهندس اتفاقية دايتون ريتشارد هلبروك والمبعوث الأوروبي الحالي فرانسوا ليوتار« وإن كان قد تراجع عن دعوته بسبب احتجاجات سلافية لن تدوم»، كما نادى بذلك المبعوث الدولي في البوسنة والهرسك فولفغانغ بيتريتش الذي قال «إن صيغة الاتفاق الذي وقع في دايتون نهاية ۱۹۹٥م هي الحل الأمثل للقضية المقدونية»، كانت تلك المواقف إفرازًا لفشل الجيش المقدوني في القضاء على المقاتلين المسلمين الألبان «مقدونيين»، وتركيعًا لهامة الاستكبار التي عبر عنها جورج روبرتسون الذي كان يقول «لا حوار مع الإرهابيين، وحماية مقدونيا منهم مهمة حلف شمال الأطلسي»، ولا «حقوق تعطى تحت التهديد بالسلاح»، لقد ذهبت تلك التصريحات بدون رجعة، وهبت رياح جديدة في مقدونيا .

 أسباب تحول الموقف الغربي: انتظر الغرب والشرق الأطلسي وروسيا، الولايات المتحدة وأوروبا مخاض المجهود الحربي للحكومة المقدونية في حربها ضد الألبان مدة تزيد عن الأربعة أشهر بعد أن زودوها بالأسلحة وغضوا الطرف عن علاقات سكوبيا العسكرية مع بلغراد وروسيا وأوكرانيا، وقدموا لها الغطاء السياسي والإعلامي لتواصل حرب الإبادة ضد الألبان مقاتلين ومدنيين: مواقع عسكرية وبيوت سكنية، مزارع ومساجد، أربعة أشهر كاملة والحكومة المقدونية عاجزة عن إلحاق الهزيمة بالمقاتلين الألبان، وكانت تلك الفترة كافية ليعيد حلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي النظر في مواقفهم تجاه الأزمة في مقدونيا، وبعد أن كان موضوع الأزمة بين الثنائي: سولانا وروبرتسون أصبح هناك مبعوث أوروبي وهو فرانسوا ليوتار وآخر أمريكي وهو جيمس بارديو، وكان ذلك التحول في اختيار الأشخاص لإدارة دفة الصراع في مقدونيا مقترنًا بتحول في الموقف من القضية، فبعد أن كان ينظر إليها على أنها خروج مسلح لـ «مجموعة من الإرهابيين الذين يريدون تقويض الديمقراطية في مقدونيا وزعزعة الاستقرار في البلقان»، وهي عبارة رددها كثيرًا خافيير سولانا وجورج روبرتسون، أصبح هناك تفهم أعمق نسبيًّا لدى المجتمع الدولي لما يدور في مقدونيا وأسباب انفجار الوضع واندلاع القتال داخلها؛ وهو تفهم ليس نابعًا من تفكير أو صحوة ضمير، وإنما فرضه صمود المقاتلين الألبان.

 اتفاق وقف إطلاق النار:  للمرة الثانية يتم التوصل إلى توقيع اتفاق وقف إطلاق نار بين المقاتلين الألبان والحكومة السلافية في مقدونيا، ففي مناسبات عدة أعلن المقاتلون الألبان عن وقف إطلاق نار من جانب واحد، وفي أواخر الشهر الماضي وافق المقاتلون الألبان على هدنة كان من المفترض أن يحترمها الطرفان حتى السابع والعشرين من يونيو الماضي، لإعطاء فرصة للمحادثات التي جرت آنذاك تحت قبة البرلمان، والتي قاطعتها الحكومة السلافية في مقدونيا معلنة عن فشل المحادثات و اعتبار مطالب الألبان مبالغ فيها، ثم خرقت الهدنة وقصفت أوراتشينوفو في محاولة لتحقيق نصر عسكري لم تحصد من ورائه سوى ذهاب هيبتها وتحول الموقف الدولي لغير صالحها، وعلى أثر ذلك قدم خبراء في القانون الدستوري من فرنسا ودول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة مشروع اقتراح لتعديل الدستور يكون أساسًا للمفاوضات التي «تجري الآن»، ويبدو أن حلف شمال الأطلسي ودول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة حريصة هذه المرة على صمود وقف إطلاق النار والتوصل إلى اتفاق سياسي ينهي الأزمة من جذورها، بحكم أن الحيف والظلم هو السبب الأول والأخير الذي دفع الألبان للمواجهة المسلحة، وهناك آمال عريضة أعرب عنها جورج روبرتسون الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، وإن كان ركز علي عملية وقف إطلاق النار أكثر من أي شيء آخر: مثل القرى التي لاتزال محاصرة ولم يشملها اتفاق وقف إطلاق النار، وهي نقطة فاتت المقاتلين قليلي الخبرة السياسية حيث كان بإمكانهم إدراجها كشرط لوقف القتال لاسيما وأن جورج روبرتسون كان مصرًا على صمود وقف اطلاق النار عندما قال «أدعو كل ذي صلة بإنهاء العنف وعدم إطلاق النار»، وأضاف «وقف إطلاق النار يعني وقف إطلاق النار»، وتصريحه يتناغم مع وزيرة خارجية مقدونيا التي دعت إلى نزع سلاح المقاتلين الألبان قبل التوصل إلى اتفاق سياسي، وهو ما يرفضه المقاتلون شكلاً ومضموناً.

 خافيير سولانا المنسق الأوروبي للشئون الأمنية والعلاقات الخارجية عبر عن أمله في صمود الاتفاق إلا أنه لم يخف انزعاجه مما سماه بالمنغصات في تيتوفو، بيد أن الحرص الأطلسي والأوروبي على عدم خرق الاتفاق لم يمنع السلاف من الاحتجاج على المساعي الدولية الجديدة الهادفة لتعديل الكفة السياسية قليلاً؛ لينال الألبان بعض ما استأثر به السلاف من حكم وثروة وامتيازات، فقد هاجم سلاف مدنيون المبعوث الأمريكي في سكوبيا، كما هاجم مسلحون مجهولو الهوية يوم ٧ يوليو «الجمعة الماضي» قافلة عسكرية ألمانية على بعد عشر كيلو مترات من العاصمة سكوبيا، وأسفر الهجوم عن جرح بعض الجنود وتعرض سيارة جيب عسكرية لأضرار طفيفة، وقد رد وزير خارجية ألمانيا على ذلك، بالقول «البلقان جزء من أوروبا والحرب في مقدونيا يمكن أن تهدد السلام في القارة»، وأضاف « انتصرنا على الإرهاب القومي في سنة ١٩٩٥م و ۱۹۹۹م»، «في إشارة لميلوسوفيتش» والآن نتعرض لتهديد آخر وقال: «اليوم نحن مدعوون لمنع حرب أهلية جديدة، والوضع في مقدونيا يمكن أن يكون خطيرًا»، وتساءل يوشكا فيشر قائلاً «ماهو مستقبل البلقان؟» وأجاب : «إنه سؤال استراتيجي يتعلق بمستقبل أوروبا لأن البلقان جزء منها ..

انعكاسات اتفاق وقف إطلاق النار:  في حالة صمود اتفاق وقف إطلاق النار فإن ذلك ولا شك سيكون له انعكاسات على مجمل الأوضاع القائمة في مقدونيا، إلا أن ذلك مشروط بتقدم على مستوى المفاوضات الجارية بشأن التعديلات الدستورية، ففشل المفاوضات معناه العودة مجددًا إلى دوامة القتال، وهو ما تحاول الجهات الدولية تجنبه، ويبدو أنها حريصة على تحقيق إنجاز سياسي مهما كان الثمن وإجبار الألبان على التخفيف من مطالبهم وإقناع السلاف بشرب الدواء المر، وهذا ما جعل سولانا يعلم أن هناك ضوءًا في آخر النفق.

وإذا ما تم التوصل لاتفاق حول الإصلاحات الدستورية، فإن ذلك سيكون له انعكاساته على أصعدة عدة أولها:

الصعيد الأمني: حيث سيحل المقاتلون تشكيلاتهم العسكرية، ويعود الجيش إلى ثكناته والشرطة إلى مراكزها، ولن يكون هناك حواجز تفتيش ولا قصف ولا اعتقالات، ولا اعتداءات طائفية من قبل السلاف ضد الألبان.

الصعيد الاجتماعي: بدأ المهجرون يعودون إلى ديارهم، وبعضهم وجدها مجرد أكوام من الحجارة والأسمنت والحديد، وهناك أكثر من مائة ألف مهجر خارج قراهم، وما يقرب من مائة وخمسين ألف ألباني محاصرين الآن لم ينعموا بعد بفوائد وقف إطلاق النار، ويمكن للاتفاق السياسي أن يعطيهم الأمل في الحياة، إن بقوا على قيد الحياة حتى يتم ذلك الاتفاق.

الصعيد العسكري: سيعزز حلف شمال الأطلسي من وجوده في مقدونيا وفي المنطقة بإدخال ثلاثة آلاف جندي آخرين إلى مقدونيا، حيث يحتفظ حاليًّا بثلاثة آلاف جندي حسب التصريحات الصادرة من حلف شمال الأطلسي بعد حادث القافلة العسكرية الألمانية، ورغم أن الحلف يدعي أن المهمة ستدوم شهرًا إلا أن ذلك ليس صحيحًا؛ فقد ادعى أنه سيبقى سنة في البوسنة، وها هو يقضي قرابة ست سنوات دون بارقة تفيد أنه سيرحل قريبًا، كان الرئيس الأمريكي جورج بوش قد وعد بسحب القوات الأمريكية، ويعتبر البعض تصريحات بوش تلك مجرد لعبة سياسية تخفي مبررات وجود الأطلسي في المنطقة.

الصعيد السياسي: سينعم الألبان ببعض الحقوق إن لم يكن كلها، فهم يطالبون بمؤتمر دولي واتفاق يشبه اتفاق دايتون للسلام الخاص بالبوسنة، ويطالب الألبان بانتخابات في غضون شهرين، كما يطالبون بمنصب نائب الرئيس، وتجريد المليشيات المدنية من الأسلحة التي وزعت عليها، وعفو عام عن المقاتلين، بالإضافة للمطالب المتعلقة بحق استخدام اللغة وعدالة توزيع المناصب السياسية والإدارية والعسكرية والأمنية.

الخلاصة: أن مقدونيا اليوم ليست مقدونيا الأمس، ومقدونيا الغد ستتوفر فيها الحرية النسبية، ولكن الخوف ألا يجد المسلمون من هو في مستوى التحديد السياسي والإعلامي والثقافي والحضاري العام، وتصبح الأحلام ضربًا من العجز.

الرابط المختصر :