العنوان صناعة الرأي العام (٥): التلاعب بالعقول
الكاتب حامد عبدالماجد قويسي
تاريخ النشر السبت 08-سبتمبر-2001
مشاهدات 98
نشر في العدد 1467
نشر في الصفحة 66
السبت 08-سبتمبر-2001
العملية الثالثة التي يتم بها صناعة الرأي العام بعد غسل المخ والتطويع الحضاري وغسل المخ الجماعي، هي التلاعب بالعقول Manipulation ويقصد به التأثير بطريقة تنطوي على التمويه والتلاعب بالإدراك الذاتي للوقائع بحيث يحيد عن الحقيقة والصواب من قبل شخص أو هيئة أو جماعة؛ فالسلطة السياسية الحاكمة تحاول- عامدة- طرح توجهات، وأفكار لا تتطابق مع حقائق الوجود الاجتماعي عبر:
1- وضع أسس تداول المعلومات والصور والإشراف على معالجتها وتنقيحها وإحكام السيطرة عليها.
۲- استخدام الأساطير والمقولات السياسية التي تفسر الشروط السائدة للوجود الاجتماعي، وتبررها، وفي هذا الإطار يرى البعض أن التلاعب يحدث فيما يسميه بـ «سياسة الحقيقة» إن لكل مجتمع نظامه الخاص للتعلق بالحقيقة، وطرقه الخاصة لتدبير شؤونها ، أي أن له أنماطًا معينة في الخطابات يتقبلها على أنها خطابات الحقيقة، وآليات وهيئات ومنابر تمكنه من التمييز بين المنطوقات الصحيحة وغير الصحيحة، وسلطات معينة توكل إليها مهمة تحديد ما يمكن اعتباره حقيقيًّا، وبالتالي فإن التلاعب بالعقول يجرى من خلال استحداث معان غير حقيقية.
وبالتالي تزييف للوعي الجماعي.. فلا يكون الرأي المعلن قائمًا على أساس موضوعي حقيقي، وبهذا تستطيع السلطة الحاكمة «تطويع الجماهير»
و«استتباعها» و«صناعة شرعيتها» من خلق الرضاء الكاذب، وضمان التأييد الشعبي لنظام اجتماعي وسياسي لا يخدم المصالح الحقيقية للأغلبية على المدى البعيد.
فعندما يؤدي التلاعب بالعقول- كمنطق دعائي للسلطة السياسية- أدواره في صناعة الرأي العام لا يكون ثمة حاجة إلى اتخاذ تدابير تسلطية بديلة، ولكن السؤال: متى تلجأ السلطة الحاكمة إليه؟
الواقع أنها لا تلجأ إليه إلا عندما تبدأ الفئات المحكومة القادرة على الفعل المؤثر في الظهور كإرادة عامة منظمة في خضم الحياة السياسية، أما قبل ذلك فلا وجود له بالمعنى الدقيق للكلمة، فليس هناك ضرورة لتضليل الخاضعين للقمع والعنف الجسدي ولعله مما ساعد على بروز هذه الظاهرة ارتباط التطور التكنولوجي الهائل فيتقنيات الاتصال ووسائل حفظ المعلومات وتخزينها بظاهرتين على درجة عالية من الأهمية.
أ- فقد أتاح التطور الهائل في تقنيات الاتصال، لأقلية أن تتحكم في «الجمهور الكبير»، وأن تشكل رأيه وتحركه سلوكيًّا بطريقة غير ملموسة أو مرئية.
ب- تعملق السلطة الحاكمة وتمركزها في أجهزة التنشئة والاتصال، سواء أكان ذلك على المستوى المحلي أم الدولي، فعلى المستوى الحكومي يلاحظ أن السلطات الحاكمة في معظم الدول النامية تتحدث عن سياسات «الإصلاح» و«التخصيصية أو الخصخصة» لكنها تحتكر كافة مصادر المعلومات الأساسية بما يمكنها من رسم إطار وموضوعات هذه السياسات، ثم تقوم بنشرها وإذاعتها عن طريق أجهزة الاتصال والإعلام التي تمتلكها.
وعلى المستوى العالمي يتضح تعملق السلطة في الولايات المتحدة- وخصوصًا في الجانب الاتصالي وتقنية المعلومات- حيث الكارتلات الضخمة، والشركات العابرة للقوميات، التي تتحكم في هذه الوسائط ولم يكن القمع وسيلة السلطة الحاكمة في المجتمع الأمريكي للسيطرة علي الأغلبية البيضاء، وإنما كان التلاعب بالعقول والاستمالة والتمويه.
وحينما يكون التلاعب بالعقول هو الفلسفة الأساسية التي تتحقق من خلالها «السيطرة» كأحد وجهي السلطة تكون الأولوية لتنسيق وتنقيح الوسائل التقنية له على حساب الأنشطة الأخرى. وإذا كان من غير العلمي ربط القمع والاستبداد بمجتمعات معينة، فإنه من غير العلمي كذلك الربط بين أشكال معينة من السلطة والتضليل أو التلاعب بالعقول.
وهكذا فإن منطق «التلاعب بالعقول» يكمن خلف عملية صناعة الرأي العام من حيث تزييف رؤية الواقع الموضوعي وصنع سياسة زائفة للحقيقة، وهدم صورة إيجابية معينة، وإرساء صورة مخالفة محلها، وقد يرتبط بحوادث ومواقف محددة تتصل بطبيعة الواقع الاجتماعي والسياسي الكلى.