; صناعة الفتنة في المجتمعات الإسلامية من ورائها؟ | مجلة المجتمع

العنوان صناعة الفتنة في المجتمعات الإسلامية من ورائها؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 19-ديسمبر-2000

مشاهدات 113

نشر في العدد 1431

نشر في الصفحة 9

الثلاثاء 19-ديسمبر-2000

في شهر رمضان الفضيل الذي يستبق فيه المسلمون الخيرات قربي إلى الله تعالى في شهر تتضاعف فيه الحسنات في تلك الأيام المباركة نجد بعض من يزعم انتسابه إلى الفكر الإسلامي يلجأ إلى ممارسات أبعد ما تكون عن الإسلام وشرائعه.

ففي السودان فجع المسلمون بنبأ الهجوم على أحد مساجد مدينة أم درمان يؤمه اتباع جماعة أنصار السنة والذي خلف قرابة ثمانين ما بين قتيل وجريح، وفي الجزائر أصبح من المعتاد أن تزداد جرائم ذبح النساء والأطفال والشيوخ في شهر رمضان، وقد تكرر ذلك لأكثر مع عام على التوالي. 

إن تكرار تلك الحوادث المفجعة في أكثر من قطر إسلامي له أكثر من دلالة!

فهناك فئات تعتنق أفكارًا تزعم أنها مؤسسة على قواعد فقهية ترتكب جرائم لا تقل بشاعة عما يرتكبه الأعداء المجرمون، ويكون وقعها أشد والصدمة بسببها أكبر لأن مرتكبيها يرفعون رايات تزعم الانتساب إلى الإسلام والإسلام منهم براء، وهذه يستغلها أعداء الإسلام وخصوم الدعوة ليبدأوا منها حربًا على عموم التوجه الإسلامي وتضخيم حال تلك الهوامش شديدة التطرف والانغلاق والانعزال عن المجتمع، وإبرازها على أنها الحالة الحقيقية للإسلام والمسلمين، وهذا غير صحيح على الإطلاق. 

إن وقوع تلك الأحداث في أوقات معينة وباستخدام مداخل معينة يحقق أهدافًا سواء للأشخاص المنخرطين فيها أو الأطراف أخرى داخلية أو خارجية هدفها الإساءة للدعوة الإسلامية الراشدة ولا يخالطنا شك في أن هناك من يسعى لإيجاد تلك التيارات الشاذة وتقويتها ودعمها واستخدامها سواء بعلم منها أو بدون علم الضرب الدعوة الإسلامية والتوجه الإسلامي الرشيد، وتاريخ نشوء بعض الحركات الهدامة واستمرارها وانتشارها وتمويلها يؤكد ذلك الرأي.

ومما يساعد على تفريخ تلك الجيوب وصناعة تلك الفتنة في مجتمعاتنا ما تواجهه الشعوب من البعد عن تحكيم شرع الله، بل ومناصبة الشريعة العداء في بعض المجتمعات، وحالات الكبت السياسي والفكري والاضطراب الاجتماعي وتردي الأوضاع الاقتصادية والفشل الحكومي في مواجهة التحديات الخارجية، وخاصة مواجهة العدو الصهيوني واعتداءاته المستمرة على الشعب الفلسطيني ومخططاته الماكرة في المنطقة العربية.

فإذا التقت تلك الظروف مع حالة الجهل بالإسلام عند بعض الشباب والحماس الانفعالي غير المنضبط في الوقت نفسه، وغياب التوجيه الصحيح، وانعدام التربية المنهجية السليمة في وسائل التربية والتعليم والإعلام، فقد تهيأت بذلك البيئة المناسبة لتفريخ الفتن، وإنتاج عدد من دعاة الفتنة الذين يصدمون الأمة كل حين بمثل ما نرى من أحداث. 

وفي مثل تلك الحالات يتساءل الناس عن الحل والسبيل المناسب للخروج من الفتنة الحالية وتوقي الوقوع في غيرها، ومن أشكال العلاج المناسب ما أقره الإسلام من حدود رادعة تحفظ دماء المسلمين وأعراضهم، وتغل يد كل من يتطاول عليها: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (المائدة:٤٥)، وهو علاج أمني ووقائي في آن واحد، وحيث إن هذا العلاج يكون في يد من بيده السلطة وكثير من أولئك لهم مواقف غير طيبة تجاه الدعوة الإسلامية، فإننا نحذر من أن يؤخذ الأبرياء بجريرة الجناة، أو أن يتم التوسع في هذا الباب دون وجه حق، وإنما جعلت الحدود لصون دماء المسلمين لا لسفكها ولحماية حقوقهم لا لإهدارها. 

وقد عمدت حكومة السودان بعد الحادث المؤلم الأخير إلى تعديل قانون الأمن الوطني الذي يعطي الأجهزة الأمنية صلاحيات أكبر لمحاصرة الممارسات المتطرفة الطارئة في المجتمع السوداني، ونرجو أن يكون ذلك في حدود تصريحات الرئيس السوداني عمر البشير، الذي تعهد بان الدولة لن تحجر على الحريات الممنوحة بنص الدستور، ولكنها لن تسمح في الوقت ذاته بالتصرفات التي تتعارض مع أمن الدولة والناس.

أما الوجه الثاني للعلاج فهو العلاج الفكري والذي يقع عبئه على العلماء والمفكرين الذين ينبغي ألا يؤلوا جهدًا في تبيان وجه الحق وتربية النشء على الأسس الفكرية الصحيحة في المسجد والمدرسة والجامعة، وأمام شاشات التلفاز، وعلى موجات الأثير، وعلى صفحات الصحف والمجلات بعد أن تكون الدولة قد فتحت أمامهم كل الأبواب.

ولعل فيما يقع من فتنة عبرة لبعض الحكومات التي تصر على اضطهاد التيار الإسلامي الرشيد وإغلاق أبواب الدعوة أمامه، وفتح أبواب السجون والمعتقلات لأبنائه، والزج بهم في قضايا ومحاكمات ظاهر فسادها، باطلة أحكامها فها هم يواجهون فتنًا شديدة الوقع على مجتمعاتهم وانحرافًا فكريًا وسلوكيًا لا يبشر بخير لا من دعاة الفتنة الذين تحدثنا عنهم آنفًا فحسب، بل من قطاعات أخرى لا تقل خطرًا بانحرافاتها الفكرية والسلوكية، والتي وصلت إلى التجرؤ بالجهر بالكفر والفجور وعبادة الشيطان والعياذ بالله.

وهذا مما يزيد من مسؤولية الحكومات التي فرغت مناهج التعليم من مضمونها وسمحت بإعلام ينمي الجريمة، ويبث الرذيلة.

نسأل الله تعالى أن يقي مجتمعاتنا شر الفتن وأن يهيئ لها من أمرها رشدًا، وأن يرد الجميع إلى التوجه الإسلامي الصحيح.

﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (يوسف:١٠٨).

الرابط المختصر :