; صناع التاريخ وقادته في ذاكرتك أنت | مجلة المجتمع

العنوان صناع التاريخ وقادته في ذاكرتك أنت

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 14-سبتمبر-2002

مشاهدات 54

نشر في العدد 1518

نشر في الصفحة 47

السبت 14-سبتمبر-2002

لعلك يا بني تظن أن هذه الأيام التي نعيشها الآن، كانت قدرنا المكتوب طوال الدهر، ونصيبنا المقسوم على مر التاريخ، ولعلك تشعر بشيء من الازدراء والاحتقار لتلك الأجيال المهزومة التي تفرض عليك الطاعة والاحترام للدمى اللاهثة في وسط الخيال والوبال، أراك في كثير من الأحيان صامتًا ساخر الملامح عابس المحيا، تنظر إلى من حولك بازدراء واحتقار ومهانة، كيف صارت هذه الجبلة خوارة إلى هذا الحد؟ وكيف وصلت بأمتها إلى هذا الحضيض؟

على الرغم من ذلك فعليك يا بني وأنت تحكم عليهم أن تتذكر أولًا مدى ما لاقوه وما يعانونه من ماس، وكيف تحملوا المحن التي عاشتها أمتنا وتعيشها ويحملون وحدهم وزرها وآثارها. لقد حمل ذلك الجيل خلال قرنين على الأقل أوزارًا ليست من صنعه، وأن هذا الجيل ما هو إلا حلقة في سلسلة طويلة من الأجيال التي تنكرت لتعاليم آبائها الأوائل والتي خانت الوظيفة الحضارية الخلاقة التي عهدت بها العناية الإلهية لأبناء المنطقة، أي أنهم يحملون أوزارهم وأوزارًا مع أوزارهم، لقد توالت على الأمة أجيال محبطة، تركت للآخرين تشكيل عقلها ومنطقها، على المستوى الفردي والجماعي فاضحت لقمة سائغة في يد قوى معادية، لا يمكن إلا أن تقف من رسالتنا وهويتنا وحضارتنا موقف الضد والعداء والاستئصال.

لا شك أنك يا بني إذا أمعنت في النظر والتأمل لا تملك إلا أن تنظر إلى من حولك نظرة إشفاق وحب وازدراء ورثاء، وهل هناك يا بني أشد على النفس من أن تحتقر شخصًا وتحبه في آن واحد، وأن تزدري إنسانًا وتعطف عليه في اللحظة نفسها تزدريه لما هو عليه من وضع مهين وحالة بئيسة يرضاها وينساق إليها، وتحبه وترثي له لضعفه المتراكم ووضعه الصعب، ولأنه هو الذي سيتحمل تبعات النهوض، ومشاق البناء والجهاد الذي كتب عليه لبناء ذلك الصرح المنهار، والحضارة الغاربة.

إنك يا بني الآن تشاهد مسرحية تتذبذب فصولها بين الهزل المضحك والجد المبكي، وتعيش يا بني كل ذلك في آن واحد بين سلطات قد نسي كثير منها كل شيء إلا أهواءه وأنانيته، وديدان استطاعت أن تتسلق لتصل إلى أقصى القمة ونسيت طبيعتها حين تربعت على كراسي السلطة، وظنت أنها قد اكتسبت خصائص القيادة والريادة، ولكن دعني أقل لك: إن كل شعب يفعل به هكذا، ما يكون هذا إلا تعبيرًا عن فساد الجسد ورخاوة الإرادة، وتعفن الضمير، ولهذا ينال ما يستحقه «كما تكونوا يول عليكم» ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ﴾ (الرعد: ١١)

نعم يا بني: علينا أن نعترف أن تخلف المنطق القيادي، والانتكاس الحضاري ما هو إلا النتيجة الطبيعية لتنكب القوى الفكرية والتوجيهية والمثقفة عن أداء وظيفتها في المجتمع، وإذا كانت هذه الفئة ليست قادرة اليوم على فهم حقيقة الموقف الذي تختار والطريق الذي تجتاز، والهوية التي تسير بها. فإن مرد ذلك إلى أن الضمير والوعي الثقافي والفكري، لم يعد صالحًا للقيادة، والوعي الجماعي والتوجيهي لم يعد قادرًا على خلق ذلك الإطار القيمي والمثالي والرجولي للنهوض من الكبوة والصعود بالأمة إلى القمة.

إن خيانة التوجيه والتربية لا تقل جرمًا عن الخيانة السياسية والحربية، بل لا نكون مبالغين إذا قلنا إنها هي التي خلقت أمة «مستنوقة» محطمة مهزومة.

ونستطيع أن نقول بغير مواربة: إن أزمة الأمة اليوم هي أزمة فكرية قيمية نتج عنها تخلف قيادي خاضع يعيش بعقلية عفى عليها الزمن، تنفصل بكثير من البله عن شعوبها وتعيش في أبراج عاجية شادتها من الجهل والغرور والانسياق وراء الآخر، ولم تستطع أن تعايش أو تستوعب حقيقة التطور أو عصور التقدم والمعلومات، ولكن سادتها الأنانية والجمود وعدم وضوح الرؤية، إنها بعبارة أخرى لا تملك القدرة على إعطاء موقف متوازن حقيقي أو تتعامل مع المواقف من منطلق الفاعلية والقدرة الواعية، والسبب في ذلك -مع كل ما سبق- غياب الثقافة السياسية بالمعنى القومي والإسلامي والاستراتيجي زد على ذلك الكذب الذي تعودته على الأمة وتزوير الحقائق الذي مارسته بصلابة وعناد واستمراء، حتى إنها انتهت بأنها أصبحت هي ذاتها تصدق تلك الأكاذيب، يلف ذلك كله خوف رعيد من فقدان السلطة، ضرب الأعداء على أوتاره كثيرًا وتسبب ذلك في معاداة الشعوب وتهميشها وقطع ألسنتها، وكراهية المناقشة أو سماع الرأي الآخر.

يا بني: إن قوة الشعوب ليست فقط في قيادتها الصالحة، ولكنها تكمن أساسًا في أمور معينة، منها أن تعرف طريقها، وترسم غايتها، وأن تحرس قانونها وحريتها، وأن تربي الفئة المختارة القادرة على التحدي وصناعة التاريخ.

إن تاريخنا هو تاريخ الرجال الذين حضروا العالم ومن جاء بعدهم، هو تاريخ محمد وصحبه ومن تبعهم بإحسان هو تاريخ أحمد بن حنبل الذي تحدى خلفاء ثلاثة لأنهم جانبوا الحق في نظره.

أخيرًا يا بني: إن النهضة هي أنت، أنت نقطة البداية في حضارة أمتك ومجدها، أنت الذي ستبني هذه النهضة، وليس أمامك إلا أن تعود إلى آبائك تسألهم وتسترشدهم عن حقيقة الأمر، وعن وظيفة الأمة التي تنتمي إليها والتي اختارتها لها العناية الإلهية لتقود الحضارة المثالية التي ينتظرها العالم، أنت فارس التاريخ، ومنك وبعزمك سوف تترعرع هذه الحضارة إن شاء الله، فهل تسمعني؟ نسأل الله العون والهداية.. أمين.

الرابط المختصر :