; صناع النكبة «أخيرة» دور القنصليات الأجنبية | مجلة المجتمع

العنوان صناع النكبة «أخيرة» دور القنصليات الأجنبية

الكاتب شعبان عبد الرحمن

تاريخ النشر السبت 07-يونيو-2008

مشاهدات 58

نشر في العدد 1805

نشر في الصفحة 13

السبت 07-يونيو-2008

في مجرى الأحداث

Shaban1212@Gmail.com

العنوان ليس من عندي، وإنما هو عنوان الدراسة قيمة وموثقة أصدرتها الباحثة الفلسطينية نائلة الوعري عام ۲۰۰۷م تحت عنوان دور القنصليات الأجنبية في الهجرة والاستيطان اليهودي في فلسطين ١٨٤٠ – ١٩١٤م، والتي تقع في ٤٠٣ صفحات من القطع المتوسط، وحافلة بالوثائق التاريخية العربية والأجنبية التي تكشف بما لا يدع مجالا للشك حالة من حالات التحالف الدولي الخدمة اليهود، والتمكين لهم في أرض فلسطين منذ النصف الأخير من القرن التاسع عشر حتى قبيل صدور وعد بلفور بثلاثة أعوام وهي فترة ٠ ٧٤ عامًا ، معتمة، لم تسلط عليها الأضواء كثيرًا، رغم أنها من أخطر حلقات المشروع الصهيوني، ومن هنا ندرك أن وعد بلفور وقرار التقسيم سبقهما ترتيبات مكثفة لفتح الطريق على مصراعيه أمام موجات الهجرة المكثفة بل والقيام على رعاية وحماية قوافل الهجرات منذ انطلاقها من أوروبا حتى وصولها، والتمكين لها على حساب ممتلكات وأراضي أهل فلسطين!

وقد أضفت المقدمة التي كتبها أ. د. محمد عيسى صالحيه أستاذ التاريخ بجامعة اليرموك والتوطئة التي كتبها أ. د. عبدالرحمن عباد الأمين العام لعلماء فلسطين وبيت المقدس مزيدًا من التوثيق على الدراسة، وهو ما أعتمد عليه في كتابة هذا المقال..

وتكشف الدراسة كيف أن القنصل الإنجليزي في فلسطين قد تسلل بقاربه في هدأة الليل، وقبل طلوع الفجر إلى باخرة كانت ترسو في البحر قبالة السواحل الفلسطينية، وتحمل فوجًا من المهاجرين اليهود، وكان يحمل المئات من جوازات السفر وتذاكر المرور، حيث سلم كل واحد منهم جواز سفره، أو تذكرة تحمل اسماً جديداً غير اسمه اليهودي، وديانة أخرى غير ديانته حتى يدخل إلى فلسطين دون استفزاز للمشاعر أو اكتشاف أمر هذه الهجرات المبكرة!

وقد أكدت هذه الدراسة القيمة ما تم إثباته في دراسات أخرى متعددة عن عمق العلاقة بين الحركة الصهيونية بمشروعها الخبيث والحركات الاستعمارية الغربية بل أكدت أن الحركة الصهيونية جزء مهم من نسيج المشروع الاستعماري الغربي، فقد كانت الحكومات الأوروبية جميعها تصدر يهودها إلى فلسطين مانحة إياهم جوازات سفر، وتتكفل بحمايتهم وأمنهم خلال سفرهم وترحالهم وحلهم كما قامت هذه الحكومات الغربية من خلال قنصلياتها وسماسرتها بشراء أراض فلسطينية جرى تحويلها إلى اليهود عند خروج الدولة العثمانية من فلسطين عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى (١٩١٤- ۱۹۱۸م) التي كان من نتائجها وضع فلسطين التي كانت في حوزة الدولة العثمانية تحت الانتداب البريطاني، ليصبح استجلاب اليهود إلى فلسطين أمرًا علنيًا مكشوفًا، وهدفًا تقوم حكومة الانتداب على تنفيذه من خلال مندوبها البريطاني الصهيوني في فلسطين الذي استباح الأرض -وبخاصة الأراضي الأميرية والتابعة للدولة- إلى أراض تابعة للوكالة اليهودية!

لقد قامت الدول الأوروبية عملياً بدور «العراب» لخدمة الأهداف الصهيونية التي تطابقت مع أهداف الدول الاستعمارية ووسائلها ؛ لأن الصهيونية حركة عنصرية احتلالية.

وتقول الأستاذة «نائلة الوعري» مؤلفة الدراسة: إن الأطماع الاستعمارية الأوروبية في الولايات الشامية وفلسطين في نهاية القرن التاسع عشر كانت لها آثار بعيدة المدى على الخارطة السياسية لأوروبا والوطن العربي، وقد كانت فرنسا وبريطانيا تتصدران تلك الأطماع باعتبارهما الدولتين الأقوى في العالم الأوروبي في ذلك الوقت، ثم جاءت الأطماع الروسية والألمانية لتشارك في نيل جزء من الكعكة التي كانت الدول الأوروبية ستتقاسمها..

ويجمع المؤرخون على اختلاف فهومهم واتجاهاتهم على أن الامتيازات الأجنبية التي حصلت عليها تلك الدول من الدولة العثمانية خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر أدت إلى زيادة حدة التنافس والصراع الأوروبي الاستعماري لتقسيم ممتلكات الدولة العثمانية التي أخذت قوتها تتراجع بفعل الضربات العسكرية التي تلقتها، مما اضطرها لتوقيع اتفاقات مذلة مع بعض الدول.

وتؤكد أن الأطماع الأجنبية والمصالح الأوروبية التقت مع الحركة الصهيونية لتنفيذ المخطط الصهيوني بإقامة وطن قومي يهودي في فلسطين، وعلى خلفية دينية متطرفة، فكان لكل دولة من الدول الاستعمارية دور ومخطط تنفذه من خلال نشاط قنصلياتها، الذي ابتدأ من العام ۱۹۳۹م.

وهكذا نجحت قناصل الدول الأوروبية في إقامة مد سرطاني نافذ في مختلف المدن الفلسطينية بين عام ١٨٤٠م – ١٩١٤م، وتدخلوا في الحياة المعيشية للشعب الفلسطيني، وإن سجلات المحاكم الشرعية في كل من القدس - يافا – عكا – نابلس حافلة بدعاوى وقضايا قدمها الأهالي ضد ممارسات القناصل أو نوابهم وبخاصة تلك التي استهدفت الحياة الاجتماعية العامة الناس في فلسطين والذين تحولوا إلى تجار للأراضي بعد أن نسوا مهامهم الدبلوماسية، ونسجوا علاقات مع ملاك الأراضي، وفتحوا أبواب الإقراض الربوي ورهونات العقارات والأراضي، والمثال الفج على ذلك ما كان يقوم به بتروشيلي مساعد القنصل الإنجليزي المقيم في حيفا، الذي تحول إلى تاجر أراض لحساب اليهود، وقدم قروضا ربوية للفلاحين، فإن جاء موعد السداد وعجز الفلاح عن الوفاء -وهو ما كان يحدث غالبًا- لم يكن أمامه سوى أن يعرض ما بحوزته من أراض ومنتجات زراعية وعقارات للسداد، وإلا فليس هناك من بديل سوى السجن ومصادرة أملاكه وبيعها بالمزاد!

وقد استندت الباحثة إلى مئات من الوثائق العربية والأجنبية والخاصة، التي كشفت من خلالها دور القنصليات الأجنبية على مدى ٧٤ عامًا (١٨٤٠-١٩١٤م)، وسلطت الضوء بقوة على تلك الفترة المعتمة التي مهدت للتمكين للمشروع الصهيوني، ووضعت يدها على الأنشطة وطرق الاحتيال والتزوير التي مثلت رأس الحربة في تنفيذ خطة الانقلاب الديموجرافي في فلسطين، والمتمثل في طرد العرب أصحاب الأرض، وتوطين اليهود القادمين من الغرب!

الرابط المختصر :