العنوان صورة ثقافة بعيدة عن السياسة.. حسن البنا في ذكراه السابعة والأربعين
الكاتب إبراهيم البيومي غانم
تاريخ النشر الثلاثاء 06-فبراير-1996
مشاهدات 101
نشر في العدد 1187
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 06-فبراير-1996
- ألقى حسن البنا في خلال حياته القصيرة ٣٠ ألف خطبة وكلمة، وكتب ١٠٣٠ رسالة ومقالة عدا مجموعة الرسائل.
بحلول مساء يوم ۱۲ فبراير من هذا العام ١٩٩٦ م، تكون قد مضت سبعا وأربعين سنة على حادثة اغتيال الشيخ حسن البنا، في شارع الملكة نازلي «رمسيس حاليا» بقلب القاهرة، وأمام المقر الرئيس لجمعية الشبان المسلمين في تمام الساعة الثامنة والربع بعد غروب شمس ذلك اليوم.
وقد أثبتت محاضر التحقيق في القضية- وهو التحقيق الذي أعاد الضباط الأحرار فتحه فور نجاحهم في الإطاحة بعرش الملك فاروق، بعد أن كانت سلطات الملك المخلوع قد أغلقته دون أن تبت فيه بشيء- أن مجموعة الاغتيال كانت من رجال البوليس، وبقيادة مدير المباحث الجنائية بوزارة الداخلية، وبعلم وإيعاز من رئيس الحرس الحديدي للملك، أي أن الدولة هي التي دبرت اغتيال الشيخ ونفذته على قارعة الطريق.
وتداولت أوراق القضية أسماء عشرات من رجال العهد الملكي كان منهم الملك فاروق نفسه، وذلك الشاب الأسمر النوبي الذي التقط نمرة السيارة التي فر بها الجناة وسلمها لأحد العاملين بجمعية الشبان واختفى بعد ذلك ولم يظهر له أي أثر، إلا أن الرقم الذي التقطه كان له دور كبير في سير التحقيقات، وكان منهم أيضا ذلك المخبر السري ببندر سوهاج- بصعيد مصر- الذي روى لسلطات التحقيق ما سمعه من زميليه اللذين شاركا في عملية الاغتيال، وقولهما له: «لو كنت معنا يا مغفل كنت قعدت مع عبد الرحمن عمار، ومحمود عبد المجيد، وإبراهيم عبد الهادي اللي أخذنا لزوجة على وقعدنا واحد على يمينها وواحد على شمالها وأعطتنا كل واحد ۲۰۰ مائتا جنيه».
وانطوت قصة القتل مع قصة القتلة، ووحدها بقيت قصة القتيل تتناقلها أجيال الصحوة الإسلامية داخل مصر وخارجها وصار معروفا منذ اغتياله بلقب أثير هو «الإمام الشهيد» وإلى هنا نستسمح القارئ بأن نسكت- في هذه المناسبة- عن كل ما له صلة بالسياسة، ونتجه صوب موضوع آخر طالما أهمله الكتاب والمؤرخون الذين تناولوا سيرته، ونعني بذلك ثقافة الشيخ حسن البناء من أين استقاها؟ وما هي مصادرها؟
لقد أتيحت لنا فرصة نادرة للاطلاع على مكتبته الخاصة- التي لم تمتد إليها يد منذ اغتياله سنة ١٩٤٩ م- ولا تزال بحوزة نجله الأستاذ سيف الإسلام البنا، وبفحصها ودراستها تكشفت لنا صفحة جديدة من حياة «الإمام الشهيد» في صفحة «الثقافة»، وصلته بمصادرها المطبوعة من كتب ومجلات شراء، وقراءة، وإهداء، وحفظ، وهل كانت مقتنياته منها تمكنه من التعرف على العالم الذي يعيش فيه، والإلمام بأفكاره ومذاهبه وصراعاته؟ أم أنه كان منغلقا على القديم وكتب التراث فقط؟
وفي نظرنا أن الثقافة ليست بالأمر الذي يمكن التعرف عليه فقط من الكتب التي يقتنيها الشخص ويطلع عليها، فهناك مصادر أخرى كثيرة أهمها «الأسرة»، و «المجتمع»، والمدرسة والأساتذة والعلماء والمفكرون الذين يسهمون في تشكيل المناخ الفكري العام، إضافة للخبرات الذاتية للشخص نفسه.
إذا فنحن نرى أن الكتب والقراءات الحرة لا تعدو كونها مصدرا من مصادر التكوين الثقافي للشيخ حسن البناء وحتى منكم بأطراف سيرته الثقافية فإننا نبدئها من حيث بدأت- بإيجاز- على أن تسهب بعض الشيء في الحديث عن مكتبته الخاصة ومحتوياتها.
ولد حسن أحمد عبد الرحمن البناء يوم الأحد ٢٥ شعبان ١٣٢٤هـ - ١٤أكتوبر ١٩٠٦م بمدينة المحمودية بدلتا النيل، وهو ينتسب إلى أسرة ريفية متوسطة الحال كانت تعمل بالزراعة في قرية شمشيرة قرب مدينة رشيد الساحلية.
ومن أسرته- التي هي محضنه الاجتماعي الأول- بدأت سيرته مع الثقافة وتعرفه على روافدها المختلفة، وبخاصة رافد الأصول والتراث، إذ كان والده الشيخ أحمد- إضافة إلى حرفة تصليح الساعات- من علماء الحديث النبوي، وله أعمال مهمة في هذا المجال، أشهرها كتابا «الفتح الرباني في ترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني»، وكان للشيخ دور كبير في توجيه ولده حسن ولفت نظره باكرا إلى علوم الشريعة ومصادرها، وإلى كتب التراث العربي الإسلامي بصفة عامة، ولتحقيق ذلك لجأ إلى أساليب شتى كان منها تعريفه- وهو صبي صغير- ببائع الكتب القديمة، وتشجيعه على الشراء منه، وكان منها أيضا إهداؤه بعض الكتب المختارة من مكتبته الخاصة مثل كتاب «الأنوار المحمدية» للنبهاني، و «مختصر المواهب اللدنية» للقسطلاني، و «نور اليقين في سيرة سيد المرسلين» للشيخ الخضري، وقد تحدث الشيخ حسن البنا عن هذه الكتب التي أهداها له والده وقال في كتابه «مذكرات الدعوة والداعية» إنها تركت في نفسه «أعمق الأثر».
ولكن والده الذي أهداه بعض الكتب التي تركت في نفسه أعمق الأثر على حد تعبيره، لم يستطع- أو لم يشأ- أن يكرهه على المواظبة على حفظ القرآن الكريم في «الكتاب» إذ كان دائم التبرم من نظام الكتاب، وتنقل بين عدة كتاتيب، حتى أنه لم يتم حفظ القرآن في أي منها، وإنما أتمه في منزله وبمراجعة والده الشيخ أحمد، وقصته هذه مع الكتاتيب تشبه إلى حد كبير قصة الإمام محمد عبده معها في مطلع حياته، إذ كان دائم الفرار –وهو صبي– من عصا الشيخ، ومما اعتبره جمودا في النظام التعليمي للكتاتيب وقد يكون هذا الموقف من فتى أو صبي صغير دليل ذكاء وفطنة أكثر منه دليل رفض وإدانة، فقديما قال الجاحظ: إن أكيس الصبيان أبغضهم للكتاب».
ومن «الكتاب» -الذي لم يتمه- اتجه حسن البنا إلى المدرسة الإعدادية ومنها إلى مدرسة المعلمين الأولية بدمنهور عاصمة البحيرة، بدلًا من الالتحاق بالمعهد الديني بالإسكندرية، الذي كان سيؤهله ليكون أزهريًا، وفي سنة ۱۹۲۳م، التحق بكلية دار العلوم بالقاهرة، وهي في أكثر أطوارها تقلبًا خاصة في مناهجها التي أضيفت إليها آنذاك دروس في علم الحياة، ونظم الحكومات والاقتصاد السياسي، وكانت القاهرة عند التحاقه بدار العلوم ساحة المعارك ثقافية وسياسية حامية بين أنصار الحديث وأنصار القديم وبين معارض النظام الخلافة ومؤيد له، وداعٍ للالتحاق بالغرب ومتمسك بالتراث والأصول الإسلامية والوطنية.
وفي القاهرة فوجئ بالكثير من مظاهر الانحلال الأخلاقي والبعد عن السلوك القويم، وفيها أيضًا اتسعت شبكة اتصالاته بعدد كبير من أعلام الفكر والثقافة والسياسة، والأدب، ودعاة الإصلاح، وبخاصة أولئك الذين كان يلتقي بهم في «المكتبة السلفية»، لصاحبها السيد محب الدين الخطيب من أمثال الشيخ طنطاوي جوهري، والشيخ محمد رشيد رضا، وشكيب أرسلان ومحمد فريد وجدي، إلى جانب أساتذته بدار العلوم وعلى رأسهم الشاعر المجيد الشيخ محمد عبدالمطلب وكثير غير هؤلاء ممن أسهموا في تشكيل المناخ الثقافي العام الذي عاشه حسن البنا.
وهكذا نجد صلته قوية بالقنوات والوسائل المؤدية إلى ما نسميه بالمجال الحيوي والثقافي والفكري الذي انخرط فيه المجتمع المصري بعامة، وصفوته المثقفة على وجه التحديد، وقبل الانتقال إلى مكتبته الخاصة لنتجول بين أركانها لا ننسى أن «حلقة الذكر» الصوفي للطريقة الحصافية التي انتمى إليها في مطلع حياته شكلت هي الأخرى جزءًا لا يتجزأ من عالمه الثقافي ونضحت باستمرار على سلوكه وصلاته الاجتماعية بمن عرفوه وعرفهم وكانت كتب التصوف وأوراد الشيوخ من أوائل قراءاته ومقتنياته التي حفظتها لنا مكتبته، وهي من أهم المصادر التي تأثر بها في وضع المناهج التربوية والثقافية لجماعة الإخوان المسلمون بل وفي بناء الهيكل التنظيمي الداخلي للجماعة أيضًا ، وهذا موضوع آخر يحتاج إلى دراسة مستقلة.
ماذا في مكتبة حسن البنا؟
إحصاء وتصنيف بالمكتبة نحو ثلاثة آلاف كتاب -مختلفة الأحجام والموضوعات- وبها مجموعات أعداد أربعة عشر من المجلات الثقافية الأسبوعية، والدوريات العلمية الشهرية، وهذا العدد يمثل النصف فقط مما اقتناه الشيخ، أما النصف الآخر فقد صادرته السلطات المصرية من مقر مجلة شهاب التي أصدرها في أواخر حياته بعد قرار حل الإخوان سنة ١٩٤٨م، وكان قد نقل قسمًا كبيرًا من مكتبته إلى مقر الشهاب ليستعين به في تحرير موادها التي كانت متخصصة على نمط مجلة «المنار» التي كان يصدرها الشيخ رشيد رضا.
وساعة دخولي المكتبة وجدت طبقات من الأتربة قد غطت جميع الكتب إلى درجة تعذر رؤيتها، وذلك لطول زمن غلقها، وعدم تردد أحد عليها فضلا عن أنها منسقة اللهم إلا في تصنيفات عامة لم تمنع من اختلاط بعضها في بعض، وكان ما يقرب من ثلثها موضوع بطريقة عشوائية تماما.
وأيا كان الأمر فقد جمعت عنوان الكتب وأسماء مؤلفيها، وأعدت تصنيفها موضوعيا فجاء في خمسة وعشرين قسما، شملت مجالات شتى في المعرفة الإسلامية والإنسانية العامة، وإذا اكتفينا بعناوين هذه الأقسام في حدود المساحة المتاحة هنا، فهي كالتالي:
١- القرآن الكريم وعلومه. ۲– الحديث النبوي وعلومه. ٣– الفقه وأصوله ومذاهبه. ٤– السيرة وتراجم الأعلام. ٥– علوم اللغة والأدب والشعر. ٦- علوم التصوف وتاريخه وآدابه. ٧– علم الأخلاق ومناهج التربية.
٨- علم الكلام والفلسفة ٩- كتب الفرق والملل والنحل ۱۰- دراسات في المسيحية واليهودية. ۱۱– التاريخ الإسلامي قديما وحديثا. ۱۲– دراسات في المسألة الشرقية والدولة العثمانية. ۱۳– كتب عن المجتمع المصري وتاريخه. ١٤– القضايا السياسية المركزية المعاصرة. ١٥– المذاهب السياسية والفكرية المعاصرة. ١٦– تاريخ أوروبا وأدب الرحلة إليها. ۱۷– كتب في الجغرافيا والمساحة. ۱۸ – كتب في مختلف الفنون والحرف والصنائع. ۱۹– كتب في تدبير الصحة العامة. ٢٠– أبحاث عن المرأة وقضاياها. ۲۱– دراسات في علم الاقتصاد ونظرياته. ۲۲– كتب الحكمة السياسية ونصائح الملوك. ۲۳– مؤلفات بعض قادة ومؤسسي الحركات والجمعيات الإسلامية الحديثة. ٢٤– كتب ودراسات في مجالات ثقافية عامة ذات طابع موسوعي. ٢٥– أربع عشرة من المجلات والدوريات التي كانت تصدر في مصر مثل: العروة الوثقى والمنار، والمقتطف والهلال والحياة، التي كان يصدرها العلامة محمد فريد وجدي صاحب دائرة معارف القرن العشرين.
ويختلف الوزن النسبي لكل قسم من هذه الأقسام الخمسة والعشرين من حيث أهميتها ونصيب كل منها من إجمالي كتب المكتبة، فعلى سبيل المثال تحتل كتب اللغة والأدب والشعر المرتبة الأولى من حيث عددها وحجمها «١٥٠٠ كتابًا» تليها كتب الفقه «١٤٧٠ كتابًا»، في حين نجد أن إجمالي كتب الجغرافيا والمساحة هو سبعة كتب فقط، ودلالة ذلك واضحة وليست في حاجة إلى بيان أما من حيث القيمة العلمية لمقتنيات الشيخ من الكتب فقد أمكننا تقسيمها إلى ثلاثة اقسام رئيسية:
- أولها: الكتب الأساسية، أو ما يطلق عليها أمهات الكتب، وتمثل حوالي ٤٠ من المكتبة.
- وثانيها: كتب مبادئ العلوم والموسوعات الشاملة ونسبتها حوالي٢٠.
- وثالثها: الكتب المتخصصة في موضوعات أو قضايا محددة، بما في ذلك كتب الشرح على المتون ونسبتها ٣٥٪ تقريبًا، وتمثل الدوريات العلمية والمجلات الثقافية نسبة 5٪ من محتويات المكتبة.
طريقته في تكوين المكتبة:
اتضح لنا من خلال فحص وتصنيف المكتبة على النحو المشار إليه أن طريقة الشيخ في تكوينها قامت على ثلاث قواعد أساسية:
الأولى: هي قاعدة التنوع والشمول: بما يعني السعي لتغطية معظم مجالات الفكر الإنساني، وليس الإسلامي فقط.
والثانية: هي قاعدة التتبع: التي نقصد بها أنه كان يتقصى الكتب والمراجع التي تغطي مجالات اهتمامه على امتدادها الزمني، ولا يقتصر على مرحلة دون أخرى بشأن معظم الموضوعات والقضايا، وكأنه كان يعي أهمية البعد التاريخي وسياقاته الاجتماعية والثقافية المختلفة.
أما الثالثة: فهي قاعدة الالتزام بآداب الاختلاف وعدم الاكتفاء: بوجهة نظر واحدة حول المسائل المختلف عليها، وكان يحذر الناس من خطأ النظرة الأحادية ويقول «ويل للذين ينظرون إلى الأشياء من جانب واحد لن تجد على وجه الأرض أشد منهم ظلماً ولا أسقم فهما».
بين حسن البنا وعلي عبد الرازق
وكان من عادة الشيخ حسن البنا أن يضع علامات بقلمه على صفحات الكتب التي قرأها، فتارة نجده قد وضع خطوطا أسفل بعض السطور، أو أمامها على حاشية الصفحة، وتارة يكتب تعليقا أو فكرة أو رأيا يؤيد به ما هو مكتوب أو يختلف معه، وقد وجدت من ذلك الكثير على معظم صفحات كتب المكتبة، الأمر الذي يشير إلى قراءته لها، واهتمامه بما فيها، ولنضرب على ذلك مثال واحد مما كتبه على هوامش كتاب الإسلام وأصول الحكم للشيخ علي عبد الرازق «طبعة شركة مصر ١٣٤٤-١٩٢٥»، ففي ص ٨ قال المؤلف: «وإذا أنت رجعت إلى كثير مما ألف العلماء، -خصوصا- بعد القرن الخامس الهجري، وجدتهم إذا ذكروا في أول كتبهم أحد الملوك والسلاطين رفعوه فوق صف البشر، ووضعوه غير بعيد عن مقام العزة الإلهية»، فكتب الشيخ حسن البنا أمام هذه الفقرة: «ولا يصح أن يكون هذا دليلا على على ضعف النفسية فقط»، ويمضي مع كتاب الشيخ علي عبد على مسجل على هوامشه آرائه، والأفكار التي تعن له، وهي في مجملها تعبر عن اختلافه مع ما ذهب إليه صاحب «الإسلام وأصول الحكم»، ويبدو أن البنا كان يجهز ردا عليه إلا أنه لم ينجزه، ولا تحدثنا المصادر المتاحة عن تفاصيل العلاقة بين الشيخين علي عبد الرازق وحسن البنا، وفيما يبدو لنا أنها كانت حسنة حتى أن الشيخ عليا أهدى نسخة من كتابه الإجماع في الشريعة الإسلامية، إلى الشيخ حسن، وكتب له في نص إهدائه... «تحية تقدير ومودة»، وكان ذلك سنة ١٩٤٧ م، ويمكننا أن نستنتج من ذلك أن الرجلين اختلفا، ولكن ظل الود والاحترام المتبادل بينهما قائم.
وإلى جانب كتاب الشيخ علي عبد الرازق «الإجماع» وجدت مئة كتاب تلقاها الشيخ حسن البنا كهدايا أيضا، إما من مؤلفيها- وهذا في معظمها- أو من أناس آخرين، وقد سجلوا عبارات إهداء ذات على على الصفحات الأولى لها، تحمل معاني الاحترام والود والدعاء، وأحيانا طلبات للانضمام لعضوية جماعة الإخوان المسلمون، وقد جاءت الإهداءات من مختلف أقسام وطبقات النخبة المثقفة داخل وخارج مصر من أطباء ومحامين، ومدرسين ومهندسي وأساتذة الجامعة، وموظفين وكتاب، وصحفيين من المسلمين والأقباط وتشير تواريخ الإهداءات إلى أنه ظل يتلقى هدايا على على مدى عشرين عاما من ١٩٢٧ إلى ١٩٤٨ م، وشهد العامان الأخيران ٤٧ و ١٩٤٨ م زيادة كبيرة في عدد الكتب المهداة إليه، وفي هذين العامين نفسيهما كان البنا قد وصل بجماعته إلى درجة كبيرة من القوة والتنظيم والجماهيرية
لقد كان الشيخ حسن البنا يتمتع بثقافة غنية ومتنوعة أصيلة ومعاصرة بلا على على حد تعبير الدكتور الطاهر مكي في مقالته عنه سنة ١٩٨٥ م بمجلة «الدوحة»، وهذا ما أكدته لنا مكتبته وآثاره التي تركها على على النحو الذي عرضنا له بإيجاز، ويزداد الأمر توكيدا إذا وضعنا ذلك من جانب ما كتبه هو من رسائل ومقالات وبحوث مختلفة نشرها في صحف ومجلات الإخوان التي كانت تصدر في الثلاثينيات والأربعينيات وقد بلغ عددها ۱۰۳۰ مقالة ورسالة صغيرة، عدا مجموعة الرسائل المعروفة برسائل الإمام الشهيد، وعدا ٣٠ ألف خطبة وكلمة ألقاها في مناسبات مختلفة طوال حياته القصيرة.
كان حسن البنا في الثالثة والأربعين من عمره عندما على على يد عملاء الحكومة في مساء ١٢/٢/١٩٤٩ م، وكان متوسط القامة ممتلئ الجسم في اعتدال، ذا لحية سوداء مرسلة، يرتدي ملابس بسيطة ونظيفة وكان يحرص على أن تكون ملابس من مواد مصنوعة في وطنه مصر. وفي مصانع أقامها الإخوان المسلمون، ولم يكن له زي واحد يلتزم به فكان يرتدي الجلباب حينا، والعباءة أحيانا، والبدلة الإفرنجية في بعض المناسبات والطربوش والعمامة مرة أخرى.
أمضى تسعة عشر عامًا مدرسًا بالمدارس الابتدائية في الإسماعيلية ثم في القاهرة، وعندما استقال من وظيفته كمدرس سنة ١٩٤٦م كان قد نال الدرجة الخامسة في الكادر الوظيفي الحكومي، وبعد استقالته عمل لمدة قصيرة في جريدة «الإخوان المسلمون» اليومية، ثم أصدر مجلة الشهاب الشهرية سنة ١٩٤٧ م لتكون مصدرًا مستقلًا لرزقه هو وأسرته، ولكنها تعطلت بحل الجماعة في 8 ديسمبر ١٩٤٨م، وعندما رغبت في الاطلاع على ملف خدمته كمدرس بالمدارس الحكومية لم أعثر له على أثر في أرشيف وزارة التربية والتعليم، وقالوا لابد أن ملفه أعدم، فذهبت إلى هيئة التأمين والمعاشات بشارع قصر العيني؛ فوجدت في سجل نموذج إعدام ملفات الموظفين بوزارة المعارف، تحت رقم م/٧٨/٣/٦٥٠ أن ملف «حسن أحمد عبدالرحمن البنا - مدرس بالجمعية الخيرية» قد أعدم، وأنه قد تم إرسال خطاب إلى إدارة قضايا الحكومة قسم الاستئناف بتاريخ ٢١/ ٩/ ١٩٥٣م يفيد بأن وزارة المالية لم تربط له أو لورثته معاشًا أو مكافأة، وكان هذا هو نص قرار لجنة المعاشات الخاصة.
وقد اشتهر في حياته وبعد موته بعدة ألقاب، أهمها خمسة، وهي تضاف إليه كالتالي:
١- حسن أفندي البنا. ۲- الشيخ حسن البنا. ٣- الإمام حسن البنا.
٤- المرشد العام حسن البنا. ٥- الشهيد حسن البنا.
(*) باحث في العلوم السياسية بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية -مصر.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل