; صورة من قريب للداعية الرباني الأستاذ عمر التلمساني.- رحمه الله | مجلة المجتمع

العنوان صورة من قريب للداعية الرباني الأستاذ عمر التلمساني.- رحمه الله

الكاتب محمد عبدالله الخطيب

تاريخ النشر الثلاثاء 19-مايو-1998

مشاهدات 53

نشر في العدد 1300

نشر في الصفحة 58

الثلاثاء 19-مايو-1998

هذه سيرة عزيزة حبيبة إلى النفوس والقلوب، يشعر المسلم الصادق بفيض من السعادة غامر حين يعيش معها، إنها سعادة لا تقدر بثمن، ولا تشترى من سوق، ولا تباع في حانوت، بل هي نعمة من الله عز وجل، وهبة خالصة. من عنده، قال تعالى ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُ عَزِيزٌحكيمٌ﴾ (الأنفال:63) 

مواقف وحقائق، وحين تراجع ما سجله من مواقف ثابتة في قضايا العالم ومشاكله، مثل قضية تحكيم الشريعة، وقضية فلسطين التي بدأت بلاجئين يهود، وانتهت بلاجئين مسلمين، حين تراجع هذه الحقائق التي عاشها من خلال جهاده المتواصل، وفهمه الشامل للإسلام، ووفائه بعهده مع الله أن يصدع بكلمة الحق مهما تكن الظروف والأحوال، إنه يقولها صريحة، ولكن في أدب وصدق، لا يحرج أحدًا، ولا يذكر غائبًا إلا بخير. حين تراجع هذا وغيره نجد سجلًا ضخمًا من العطاء والصدق والشجاعة .

لقد حاول مع إخوانه أن ينبهوا المسلمين للكارثة التي تنتظرهم، فأمريكا سحقت روسيا، ثم استدارت إلى تطويق العالم الإسلامي، وتصفية الحساب مع المسلمين، سواء في آسيا أو إفريقيا، وبخاصة مع الحركات الإسلامية الداعية إلى الله، والبعيدة عن العنف أو الإرهاب، لكن المسلمين لم يسمعوا إلا من رحم الله، ولقد نادى رحمه الله بترك كل أطروحات السلام وذكر كثيرًا بأن هذه الشعارات ما هي إلا أوهام وسراب يتوهمه البعض، ويظنون أنها يمكن أن تحقق لهم شيئًا، وهي في المحصلة تكريس للوجود الصهيوني، واعتراف بشرعيته، وأكد دائمًا أن الطريق الوحيد لتحرير فلسطين والأقصى الأسير والقدس يتمثل في اتحاد الأمة الإسلامية التي تعلن الجهاد في سبيل الله، ردًا للعدوان وحفاظًا على وجودها وكيانها، وكان يحث دائمًا على ضرورة إعداد الجيل المسلم ليكون بمستوى التحدي لهذه الهجمة الشرسة على الأمة كلها.

وما قاله بالأمس القريب تحقق اليوم، فها هي يهود تضرب بكل القيم وبكل المعاهدات عرض الحائط وتمضي في غيها، تبني المستوطنات. و تطارد أهل الديار تقتل وتسجن وتعذب كيف شاءت ولا حول ولا قوة إلا بالله.

يودع الدنيا

في يوم الأربعاء ١٣ من رمضان ١٤٠٦هـ «٦ أبريل ١٩٨٦م»، سكت الصوت الجريء في الحق. الصوت القوى الصريح المؤدب فقد غادر المرحوم الأستاذ عمر التلمساني المرشد العام للإخوان المسلمين هذه الدنيا الفانية، ولحق بالرفيق الأعلى عن عمر يناهز 82 سنة، وهو أحد رجال الرعيل الأول من الإخوان ومن الذين رصدوا حياتهم لدعوة الإسلام وعاشوا بها ولها، ومن الذين حملوا الأمانة بصدق، وتعرضوا لأبشع ألوان التعذيب والتشريد والسجن لمدة طويلة، ولقد أخذ نفسه بالعزيمة، كشأن أصحاب الدعوات دائمًا، وظل حارسًا وفيًا أمينًا عليها حتى لقي ربه عزيزًا كريمًا على دعوة الإسلام.

الدين والسياسة

لقد عاش يوضح مفاهيم الإسلام وشموله. فيقول عن بعض المصطلحات المغلوطة: (إن سلفنا الصالح كله لم يعرف في مجال عباداته ومعاملاته هذا الاصطلاح العجيب الغريب «الدين والسياسة» على أنهما شيئان مختلفان، لا يجتمعان في أي عمل من أعمال الدنيا والآخرة، ولا يعرف ذلك السلف الصالح الفاقه، إلا أن كل شيء من أعمال الدنيا والآخرة لا يقصد به غير وجه الله وحده).

ثم يقول: «إن حقيقة الإسلام التي تفرد بها دون غيره من الأديان أنه يربط الدنيا بالآخرة، رباط الحصاد بالزرع، فأنت إذا لم تزرع فلن تحصد. فإذا لم تجعل كل شيء في دنياك دينا، خلت آخرتك من كل شيء. إذا لم تكن أعمال المسلم كلها في دنياه مطابقة لتعاليم دينه فلن يحظى في آخرته بثواب ولا نعيم».

ثم يقول عن بعض المفتونين دائمًا بالتفريق بين الدين والسياسة ومحاولة عزل الدين عن الحياة «فالذين يفرقون بين أعمال الدنيا كلها، وبين قواعد الدين، إما ضالون وإما مضللون، وكلاهما لا يستمع إليه، ولا يقبل منه، ولا يتلقى عنه». ويرد على قضية «الدين لله والوطن للجميع» فيقول: «إن المسلم لا يعرف أن الدين لله والوطن للجميع، ولكنه يعرف أن كل شيء في هذا الوجود لله، فمن أراد أن يصرفه عن هذا المعنى، فهو مخادع يريد أن يصرفه عن مكمن القوة ليسهل عليه ابتلاعه إن المسلم لا يعرف ما لله الله، وما لقيصر لقيصر، لأنه يؤمن كل الإيمان، بأن قيصر لا شيء له مع الله وإلا كان شريكًا له في ملكه، والمسلم ينكر الشرك بكل صوره».

وكان يقول (إننا نريد صادقين مخلصين أن تعلم هذه الأمة علم اليقين حقيقة دينها وتاريخها حتى تتبين موقفها، ونحن نريد لها صلاحًا وعافية ورخاء. فنحن من أبنائها، وكل خير يعمها لنا فيه نصيب كبير، وحظ وفير﴿ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (هود:88) 

كلمات عن المحن

ومن كلماته عن المحن التي مرت به وبإخوانه يقول رحمه الله: (لقد خرجت من السجن ازددت يقينًا بالحكمة القائلة: «لو اطلعتم على الغيب لاخترتم الواقع» فالسجين قد استقر عند خاتمة المطاف، فليس لدى ظالمه إلا سجنه أو قتله والسجين المتمسك بعقيدته تسليمًا لأمر الله أشد إيلامًا لنفس الظالم من غيره، وإذن ففي ثبات السجين على دعوته انتصار للحق على الباطل وهزيمة للباغي في عجزه عن تحقيق بغيه، فالباغي مهزوم مهزوم وصاحب العقيدة منصور منصور وهذا من فضل الله . عز وجل في تثبيتهم قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ (الإسراء: 74)

وكان يكره من يتظاهر بالشجاعة أو الغيرة مادام في أمان، فإن كانت الأخرى ولَّى الأدبار، يقول «ولعل أعلى الناس صوتًا بالشجاعة والإقدام أسرعهم إلى الفرار يوم الزحف جريًا على قول القائل:

وفي الهيجاء ما جربت نفسي

ولكن في الهزيمة كالغزال

نعم.. إن أشد الناس اندفاعًا وتهورًا، يستهلك طاقاته في انفعالات لا تقدم ولا تؤخر، ثم ينهار ولا يستطيع مواصلة الطريق».

ويقول عن جهاد الإخوان وتضحياتهم في جميع الميادين وبخاصة جهادهم في فلسطين ثم في القناة، وعن أثره في حياة المسلمين: 

«وما من شك أن مواقف الإخوان ودماءهم الطاهرة التي روت شجرة الإيمان على ثرى فلسطين، وعلى ضفاف القناة، قد هزت المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وهكذا أثبتت دعوة الإخوان للعالم بأسره، أنها قوة ولاء عملي، رسخ الإسلام في صدرها، وصدق العمل في حركاتها وتصرفاتها وتضحياتها وصبرها ومرابطتها» «راجع مفاهيم تربوية ج4»

سلوك أصحاب الدعوات: لقد عاش حياته عاملًا للإسلام، مجاهدًا في سبيل إعلاء كلمة الله، امتاز بالإيمان الصادق والوعي العميق، والأدب الجم مع الصغير والكبير، تكاد تفقده في مجالات المجاملات والظهور والشكليات، فهو لا يظهر إلا في مجال الخدمة لدعوة الإسلام، وهي قضيته وشغله الشاغل يطلب دائمًا العمل المثمر والمنتج، ويؤثر السبيل الجاد، فلا تراه إلا حيث النظر الجاد والتنظيم العملي.

 لقد كان رائعًا فعلًا، يكره التهريج والنفاق والمنافقين وأحاول أن أرسم في حدود رؤيتي بعض ملامحه البارزة لأقدمها إلى الشباب المتعطش إلى النظرة الإسلامية الخالصة والقيادة الواعية والقدوة الحسنة التي قل أن يكون لها مثال. 

لقد أتاحت لي الظروف أن أكون قريبًا منه فرأيته على سجيته حياء فوق ما تتصور البساطة المتناهية، قوة وجدية في الحق، حديثه لا يخلو من روح المرح والسماحة والتواضع، ورأيت الكثير الكثير من جوانب العظمة التي لا تتوافر إلا في الرجال الأفذاذ.

قضى في سجون الظالمين قرابة 18 عامًا، لم يحد عن الحق، رغم ضغوط السجن النفسية والبدنية الشديدة، عاش طوال حياته في حي الظاهر في شقة قديمة متهالكة، وبالأثاث الذي تزوج به لم يغير من ذلك شيئًا رغم العروض المغرية التي كان يرفضها بأدب وعفة.

كان عفيف القلب صادق اللسان طاهر اليد، عرضت عليه ذات مرة إحدى المجلات أن يكتب بعض المقالات لها، فرحب بذلك، ولكنه فوجئ بمبلغ كبير مقابل المقال، فرفض التعامل معهم، وأمر بسحب المقال، وبذلك ارتقى وارتفع أن يكون من هذا النوع الذي يقول الشهيد سيد قطب رضي الله عنه فيه (كم من رجل يملك أن يكون شريفًا وأن يكون كريمًا، وأن يصون أمانة الله بين يديه، ويحافظ على كرامة الحق وكرامة الإنسانية، ويكون في موقفه هذا مرهوب الجانب، لا يملك له أحد شيئًا)، وهذا النوع نادر، وكان أستاذنا منهم رحمه الله.

وكان لا يعترف بالحدود المصطنعة بين المسلمين، ولا يؤمن إلا بوطن موحد، وهو وطن الدين لا وطن العصبية والطين، وكان يعرض للمحن التي تقع للحركة الإسلامية، فيصلها بالمشكلة الكبرى وجذورها في الزمان والمكان وظواهرها في الماضي والحاضر، ويتحدث عن آمال المستقبل العظيمة للإسلام، وكان يتحدث بهدوء الواثق، يحسه كل من يستمع إليه، وكان دائمًا يرتفع عن النظرات الضيقة، فيرتفع فوق العصبيات القومية والظروف السياسية، والأفكار الشائعة، والمقاييس الفاسدة والمناورات الحزبية. 

وعن مشكلة الإرهاب يحدد علاجها بصراحته المعهودة فيقول: «أن الحاكم هو الطرف الأقوى. وعبء إصلاح العوج يقع على عاتقه وعليه أن يبدأ حتى يحس الشباب أنه يتعامل مع عاطفين عليه محبين له، لا مع كارهين له ناقمين عليه، إننا نطالب الشباب بالعدول عن العنف، وفي الوقت نفسه نطالب المسؤولين بأن يبنوا صلتهم بالشباب على هذا الأساس الصالح، وحبذا لو أفسحوا المجال أمام الدعاة الذين طال تمرسهم بمعالجة النفوس إذن لرجونا أن تؤتي جهودهم الثمرات الطبية المرجوة».

ويذكر رضي الله عنه حادثة لقائه مع بعض الشباب في سجن طره والنتيجة الفورية لهذا اللقاء. فيقول «ذات يوم بعد أحداث العام ۱۹۸۱م طلبت مني وزارة الداخلية أن أذهب إلى سجن طره للتحدث مع المعتقلين «من غير الإخوان» وفعلت والتقيت بالكثيرين منهم، وكانوا من مختلف الاتجاهات والأقطار، ودخلت معهم في حوار متفاوت الحرارة ساخن مرة وهادئ أخرى، ولكن ما إن انتهى الحوار بعد ساعة ونصف، حتى اندفع الشباب كلهم إلى احتضاني، وتقبيل رأسي ويدي إعرابًا منهم عن الاقتناع بما سمعوا ووعوا». 

وأختم حديثي عنه رحمه الله ببعض ما كتبه في مجلة «الدعوة» تحت عنوان «متى نصر الله؟» يقول «الحانات والكباريهات يباح فتحها، فتباشر فحشها تحديًا لأوامر الله جل وعلا، والمساجد يحرم الكلام المباح فيها، والذين ينفذون سنة من السنن فيطلقون لحاهم، يصبحون موضع الشك والتنقيب والمطاردة والفتيات المحتشمات يمنعن من دخول مدارسهن، إلا إذا غيرن زيهن الشرعي، وكل داعية إسلامي يحارب بمختلف الأساليب سرًا وجهرًا، بعد هذا كله تتساءل: متى نصر الله؟ نعصي الله ونستنزل نصره، نحارب الدعاة إلى الله ونطلب نصره، ترى أضلت العقول فلم تعد تعرف كيف يأتي نصرالله؟ وعلى من يتنزل نصر الله أم على قلوب أقفالها. ألا ما أيسر طريق النصر لمن يريد، وما أصعبه وبعده عمن يأبى إن الله بنا رؤوف رحيم، ولن يسلمنا لأعدائنا، ولن يضيعنا إذا ما اتقيناه لخشيناه ورجوناه وليس النصر بكثرة العدد والعدة، وإن كانت أسبابًا وإنما النصر عند مسبب الأسباب ﴿وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ﴾.

رحم الله أستاذنا، وتقبله في الصالحين ورضي الله عنه وأرضاه وجزاه عنا خير الجزاء...اللهم أمين.

الرابط المختصر :