; صور تربوية من البيئة الإسلامية والعربية (٧) دور المربي الناجح | مجلة المجتمع

العنوان صور تربوية من البيئة الإسلامية والعربية (٧) دور المربي الناجح

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 09-مارس-2013

مشاهدات 78

نشر في العدد 2043

نشر في الصفحة 56

السبت 09-مارس-2013

روي أن أبا سليمان داود بن نصير الطائي يرحمه الله لما بلغ من العمر خمس سنين، أسلمه أبوه إلى المؤدب «المربي»، فابتدأه بتلقين القرآن الكريم، وكان لقنًا «أي يحفظ ما يسمعه سريعًا»، فلما تعلم سورة ﴿هَلۡ أَتَىٰ عَلَى ٱلۡإِنسَٰنِ حِينٞ مِّنَ ٱلدَّهۡرِ لَمۡ يَكُن شَيۡـٔٗا مَّذۡكُورًا﴾ (الإنسان: 1)، وحفظها رأته أمه يوم جمعة مقبلًا على حائط، وهو يفكر ويشير بيده، فخافت عليه، وقالت له: قم يا داود، فاخرج والعب مع الصبيان، فلم يجبها، فضمته إلى صدرها، ودعت بالويل.

فقال: مالك يا أماه؟ فقالت: أبك بأس؟ قال: لا. قالت: أين ذهنك؟ كلمتك فلم تسمع. قال: مع عباد الله. قالت: فأين هم؟ قال: في الجنة. قالت: ما يصنعون؟ قال: ﴿مُّتَّكِـِٔينَ فِيهَا عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِۖ لَا يَرَوۡنَ فِيهَا شَمۡسٗا وَلَا زَمۡهَرِيرٗا(13) وَدَانِيَةً عَلَيۡهِمۡ ظِلَٰلُهَا وَذُلِّلَتۡ قُطُوفُهَا تَذۡلِيلٗا﴾ (الإنسان:14:13).

ومر في السورة وهو شاخص ببصره كأنه ينظر إليهم حتى بلغ قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا كَانَ لَكُمۡ جَزَآءٗ وَكَانَ سَعۡيُكُم مَّشۡكُورًا﴾ (الإنسان: 22)، ثم قال: يا أماه، ما كان سعيهم؟ فلم تدر ما تجيبه به.

فقال: قومي عني حتى أتنزه عندهم ساعة فقامت وأرسلت إلى والده، فجاء، فأخبرته خبره، فقال له: يا داود: ﴿إِنَّ هَٰذَا كَانَ لَكُمۡ جَزَآءٗ وَكَانَ سَعۡيُكُم مَّشۡكُورًا﴾ (أنهم قالوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فكان هجيرى داود «أي عادته» بعد ذلك: لا إله إلا الله محمد رسول الله !

إنك عندما تتأمل هذا المنهج التربوي تجده جعل من داود بن نصير أوابًا إلى ربه، تواقًا إلى الجنة، حفاظًا لكتاب ربه، مقبلًا على صحبة أهل الجنة، ذلك كله وهو ابن خمس سنين، وهذه الثمرة كانت نتيجة وجود مرب ناجح مخلص، كذلك أسهم البيت التربوي في تكوين هذه الشخصية، ودليل ذلك أننا وجدنا أمه تلاحظه، وتسأله، وتستمع منه ويسألها وتحاوره، وعندما لم تستطع الإجابة بادرت بدعوة أبيه، وهذا يعكس اهتمامها به تربويًا، ولما جاء الأب أجاب داود إجابة شافية، فاستجاب ولده من فوره، فأين نحن من هذا النموذج التربوي؟!

نموذج الإمام البخاري

يقول الإمام البخاري: «ألهمت حفظ الحديث وأنا في الكُتّاب، قيل له: كم أتى عليك إذ ذاك؟ قال: عشر سنين أو أقل. ثم خرجت من الكتاب، فجعلت أختلف إلى الداخلي وغيره، فقال يومًا: سفيان عن أبي الزبير عن إبراهيم فيما كان يقرأ للناس، فقلت: -أي يصحح للدخلي- إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم، فانتهرني، فقلت له: ارجع، فقال: كيف هو يا غلام؟ فقلت: هو الزبير، وهو ابن عدي عن إبراهيم، فأخذ القلم وأصلح كتابه، وقال لي: صدقت.

ويروى أن البخاري كان عمره آنذاك إحدى عشرة سنة، فلما طعن «أي كبر سنه» في سنه ست عشرة سنة حفظ كتاب ابن المبارك، ووكيع، وبعد ذلك بسنتين صنف كتاب «قضايا الصحابة والتابعين»، ثم صنف التاريخ في المدينة عند قبر الرسولﷺ.. قال حاشد بن إسماعيل: كان البخاري يختلف معنا إلى مشايخ البصرة وهو غلام، فلا يكتب حتى أتى على ذلك أيام، فلمناه بعد ستة عشر يومًا، فقال: قد أكثرتم علي، فأعرضوا على ما كتبتم، فأخرجناه، فزاد على خمسة عشر ألف حديث، فقرأها كلها عن ظهر قلب حتى جعلنا نحكم كتبنا من حفظه «منقول من فيض الباري شرح صحيح البخاري للشيخ محمد أنور الكشميري، 1/33».

أبو يوسف صاحب أبي حنيفة

توفي والد أبي يوسف وخلفه صغيرًا في حجر أمه، فأسلمت ابنها أبا يوسف إلى قصار يخدمه. يقول أبو يوسف: فكنت أدع القصار وأمر إلى حلقة أبي حنيفة، فأجلس أستمع فكانت أمي تجيء خلفي إلى الحلقة، فتأخذ بيدي، وتذهب بي إلى القصار، وكان أبو حنيفة یُعنى بي، لما يرى من حضوري وحرصي على التعلم، فلما كثر ذلك على أمي، وطال عليها هربي، قالت لأبي حنيفة: ما لهذا الصبي فساد غيرك، هذا صبي يتيم لا شيء له، وإنما أطعمه من مغزلي، وآمل أن يكسب دانقًا «أي سدس درهم»، يعود به على نفسه.

فقال لها أبو حنيفة: مري يا رعناء «أي يا حمقاء أو يا هوجاء»، هو ذا يتعلم أكل الفالوذج بدهن الفستق، فانصرفت عنه، وقالت له: أنت شيخ  قد خرفت، وذهب عقلك!

قال أبو يوسف: ثم لزمت أبا حنيفة، وكان يتعاهدني بماله، فما ترك لي خلة «أي حاجة».. فنفعني الله بالعلم، ورفعني حتى تقلدت القضاء، وكنت أجالس هارون الرشيد، وأكل معه على مائدته، فلما كان في بعض الأيام، قدم إلى هارون الرشيد «فالوذج»، فقال لي هارون: يا يعقوب كل منه، فليس يعمل لنا مثله كل يوم، فقلت: وما هذا يا أمير المؤمنين؟فقال: هذا فالوذج يدهن الفستق، فضحكت فقال لي: مم ضحكت؟ فقلت: أبقى الله أمير المؤمنين قال: لتخبرني، وألح علي، فأخبرته بالقصة من أولها إلى آخرها، فعجب من ذلك، وقال: لعمري إن العلم ليرفع وينفع دينًا ودنيا، وترحم على أبي حنيفة، وقال: كان ينظر بعين عقله ما لا يراه بعين رأسه. «محمد نور سويد، منهج التربية النبوية للطفل عن كتاب صفحات من صبر العلماء».

الإمام الشافعي

قال الشافعي: لم يكن لي مال، وكنت أطلب العلم في الحداثة-أي في صغر سنه- وكنت أذهب إلى الديوان أستوهب الظهور -أي ظهور الأوراق المكتوب عليها- فاكتب فيها. «عبد الفتاح أبو غدة، صفحات من صبر العلماء».

وحكى البويطي عن الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه كان في مجلس مالك بن أنس وهو غلام، فجاء رجل إلى مالك، فاستفتاه فقال: إني حلفت بالطلاق الثلاث أن هذا البلبل لا يهدأ من الصياح. فقال له مالك: قد حنثت فمضى الرجل فالتفت الشافعي إلى بعض أصحاب مالك فقال: إن هذه الفتيا خطأ، فأخبر مالك بذلك، وكان مالك مهيب المجلس، ولا يجسر أحد أن يرده، وربما جاء صاحب الشرطة فوقف على رأسه إذا جلس في مجلسه، فقالوا لمالك: إن هذا الغلام يزعم أن هذه الفتيا إغفال وخطأ، فقال له مالك: من أين قلت هذا؟ فقال الشافعي: ألست أنت الذي رويت لنا عن النبي ﷺ في قصة فاطمة بنت قيس رضي الله عنها قالت للنبي ﷺ: إن أبا جهم ومعاوية خطباني، فقال ﷺ: «أما أبو جهم فلا يضع العصا على عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له»، فهل كانت عصا أبي جهم دائمًا على عاتقه؟ وإنما أراد من ذلك الأغلب، فعرف مالك محل الشافعي ومقداره، قال الشافعي: فلما أردت أن أخرج من المدينة جئت إلى مالك، فودعته، فقال لي مالك حين فارقته: يا غلام اتق الله تعالى، ولا تطفئ هذا النور الذي أعطاك الله بالمعاصي.

والنور هنا يقصد به العلم، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمۡ يَجۡعَلِ ٱللَّهُ لَهُۥ نُورٗا فَمَا لَهُۥ مِن نُّورٍ﴾ (النور:40).



الرابط المختصر :