العنوان صور من الواقع: جيلنا المدخن.. اقتل نفسك بالنار
الكاتب محمد المجذوب
تاريخ النشر الثلاثاء 20-أبريل-1971
مشاهدات 78
نشر في العدد 56
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 20-أبريل-1971
ولجتُ مدخل المصلحة لإنجاز معاملة أرى تحقيقها لزامًا عليّ عملًا بواجب الطاعة لأولي الأمر وأول ما استقبلني هناك روائح التبغ، تمازج الهواء، وتتشبث بالجدران، وتُداعب وجه المراجعين مع أنفاس الموظفين وحملت أوراقي أجول بها ما بين المكاتب ذوات العلاقة، وكلما تخطّيت عتبة واجهتني هذه المشاهد المؤثرة دخان يتصاعد إلى الأعلى، متموج كأنه عفريت من الجن استحال ضبابًا، فهو يتمعج في صعوده يمنة ويسرة.
ولفائف تحترق بين أصابع هؤلاء الغافلين، يمتصونها بين الحين والحين، ليعبوا منها ما يحرق أفئدتهم ورئاتهم، وهم يحسبون أنهم يستمتعون، وأنهم لأنفسهم يحسنون.
كل شيء أبصرته من هذه المشاهد كان طريفًا وغريبًا ومبكيًا حتى الضحك، وشر البلية ما يضحك على أن أطرفها وأبعدها في الغرابة ذلك المنظر لا أنساه أبدًا.
إذ دخلت على كبيرهم لاستكمال المعاملة، فإذا هو وراء مكتبه منكبًا على عمله في اهتمام ونشاط وكأنه خشي أن يفارق شيشته لحظة واحدة، فمد أنبوبتها ما بين صدره ومكتبه، حتى صارت في مستوى فمه، ولم يعد بحاجة إلى إمساكها بيده، إذ ثبتها هناك بما لا أعلم، وراح يعمل كلتا راحتيه فيما بين يديه فهو كالنخلة، وهي على صدره كالفسيلة.
حقًا إنها لمفاجأة ذكية وطريفة وباعثة للتقدير.
وضحكت في سري ثم أطلقت لخيالي العنان.
-2- لا عذر
قلت لنفسي «كان هؤلاء المقبلون على الاحتراق معذورين إلى ما قبل سنوات، إذ كان الفقهاء أنفسهم على خلاف في أمر هذه النبتة الشيطانية» أحلال هي أم حرام؟ فمنهم من رآها في نطاق المحرمات، لاندراجها في أصناف الخبائث بنظره، ولأن في استعمالها نوعًا من التبذير الذي هو كفر لنعمة الله، إذ هو اتفاق في غير مردود وذلك دون ريبٍ من عمل الشيطان بنص القرآن.
ولكن منهم من أخذ بها فجعل يسوِّغها محتجًّا بأنها من المباحات التي لم يرد لها ذكر في تحريم أو تحليل ويُمعن في التظرف فيقول: «إن كانت حلالًا فقد شربناه، وإن تكون حرامًا حقًّا فقد أحرقناه، وطبيعي أن هذا الصنف من المفتين بحلها لا يرى فيها خبثًا ولا سرفًا، بل يراها تحت تأثير المفتر من أطيب الطيبات.
أجل كان هؤلاء معذورين إلى حد ولكن أي عذر لهم بعد أن أجمع علماء الصحة في الشرق والغرب على القول بخطر هذه النبتة الرهيبة على القلب والشرايين والرئة والنسل، لقد أثبتت موازين الإحصاء العلمي لدى أدق خبراء العالم أن التدخين من أهم أسباب سرطان الرئة، وأن المدخن لا بد أن يقع ضحية لتصلب الشرايين، الذي يؤدي بدوره إلى موت الفجأة بانفجار القلب أو الدماغ غالبًا، وأن الخبراء قد انتهوا إلى اليقين بأن نسبة الوفيات في صفوف المدخنين تعادل مثليها لدى غيرهم، وأن الإجهاض لدى الحوامل من المدخنات هو كذلك أضعاف أمثاله لدى السويات من النسوة إلى عشرات البلايا والرزايا التي تجرها هذه اللفافة السامة وأختها الشيشة الطامة، ولقد بلغت ثقة الشعوب الغربية بهذه الإحصاءات العلمية إلى حد أنهم وهم المتفانون في عبادة الشهوات، قد أخذهم الرعب من مصير المدخنين، فجعلوا يتهيبون التدخين، ويفطمون أنفسهم عنه، حتى بات هاجروه في تزايد مستمر.
ومع ذلك كله فإخواننا وأبناؤنا لا يزالون أسارى هذه العادة الخبيثة، يُقلّد الصغير الكبير، والفقير الميسور حتى لتجد بين معاقريها من لا يعدو من عمر العاشرة.
فيا ليت شعري أعزل هؤلاء عن مجرى الحياة فلم يسمعوا هذه الأنباء عن طريق الإذاعات ولم يقرؤوها في الكتب والمجلات ولم يطالعوها فيما يسطره العلماء من المقررات التي أسفرت عنها مختلف المؤتمرات أم علموا وسمعوا وقرؤوا وأدركوا تلك الحقائق من خلال تجاربهم ومشاهداتهم اليومية، ولكنهم عجزوا عن الاستجابة لداعي الهدى، فآثروا سهولة الانحدار في مهاوي العبودية، على التسلق إلى مقامات الأحرار.
ليتهم يقرؤون في تدبر سيرة آبائهم من تلاميذ النبوة كيف كانوا أسارى الإدمان للخمور، يكرعونها صبوحًا وغبوقًا، يفخرون بها، ويتغنون بنعوتها وآثارها والتزامهم إياها، إلا من رحم الله منهم وقليل ما هم، ثم كيف لفظوها من صدورهم، وهراقوها من آنيتهم، وقذفوا بها مجاري الأقذار، منذ أن أنزل الله في تحريمها قوله الحكيم المبين: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡخَمۡرُ وَٱلۡمَيۡسِرُ وَٱلۡأَنصَابُ وَٱلۡأَزۡلَٰمُ رِجۡسٞ مِّنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ فَٱجۡتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ (سورة المائدة: 90).
لكن وهل تنفع شيئًا ليت
ليت شبابًا بوع فاشتريت.
-3- خمسون مليون دينار يوميًّا
وانطلق بي الخيال إلى أبعد من ذلك، إذ تذكرت أن جيلنا (المدخن) هذا يعيش أحرج مراحل التاريخ العربي والإسلامي.
فهناك وطن ورثناه من فضل أولئك الفاتحين، تمتد إليه مخالب الطواغيت فينتقصون من أطرافه، دون أن نستطيع عنه دفاعًا، لأننا أصبحنا في الشعوب المتخلفة التي لا تملك سلاحًا تذود به العدو عن مقدساتها، إلا إذا قايضته عليه بحريتها، أو اشترته منه بخبزها.
وهناك صبابة الخلق الإسلامي الأصيل، تهاجمها ثعابين الكفر، لتستأصل جذورها، باسم المدنية والحضارة والتقدم، فنفتح لها أبوابنا، بل قلوبنا، ونحن غافلون عما وراءها من تخطيط يريد بهذه البروق الزائفة نسف البقية الباقية من معاقل المقاومة في وجودنا كله.
وفي ظلمات هذه المأساة تنطلق تلك اللفافة والشيشة لتسهم في التهام ما تخلف من أموالنا وصحتنا حتى إذا انتهينا إلى الملحمة الحاسمة، التي لا مندوحة من اشتعالها ذات يوم، كنا كالقصب الأجوف لا نستطيع الصمود أكثر من أيام -دون الستة- أمام الإعصار الذي لا يرحم مريضًا، ولا يقبل اعتذارًا.
وسألت نفسي: كم ترى من أموال أمتي تنفق كل يوم ثمن هذه السموم في هذه المصلحة أو لا؟ ولم يتطلب الأمر كبير جهد فقدرت متوسط ذلك بما لا يقل عن خمسين دولارًا، ثم مضيت في تتبع هذا التقدير في المصالح الأخرى، ثم في البلد ثم في القطر، ثم في العالم الإسلامي، وإذا أنا تلقاء ما لا يقل عن خمسين مليونًا من الدولارات، تدفعها أمتي كل يوم لصناع هذه الرزايا في معامل العالم الصليبي، وما وراءه من البطون اليهودية التي لا تشبع وكان لا بد من أن أتساءل «وماذا يصنع أعداؤنا بهذه الأموال التي نشتري بها مصنوعاتهم المغرية جدًا من سموم كنت وكرافن ولوكي؟ فيأتي الجواب عجيبًا رهيبًا». إنهم يصنعون بها الرصاص الذي يطلقونه على إخوتنا في كشمير والأرتيرية ونيجيريا وتنزانية وتشاد وفلسطين فيكون ربحهم بذلك مضاعفًا، إذ يضمون إلى القذائف والرصاص، التدمير الذي لا مندوحة منه لصحة هؤلاء الإخوة، ليس فقط في المصالح والمؤسسات والمتاجر والأسواق والمقاهي، بل في خنادق القتال أيضًا.
- 4 - توتر في القتال وسعال في المساجد
ويصل بي هذا التساؤل إلى تصوّر الشباب المقاتل من أمتي وهو يزحف للقاء العدو، وفي جعبة كل واحد منهم زاده من تلك السموم التي أسرته لا يستطيع منها فكاكًا.
كيف يعيش مع هذه السموم المدمرة في حومة القتال؟ وكيف به إذا لجأ إلى الكمون لمراقبة غرة من عدوه، حيث يكون إشعال الدخينة الواحدة سببًا في القضاء على الكتيبة المحاربة كلها؟ كيف يُصبّر نفسه عن التدخين؟ وكم يعاني القلق والتوتر والضياع في أثناء ذلك الانقطاع وإذا مسته نفحة من البرد في كمينه ذاك فماذا تحرك في صدره من تفاعلات تدفعه إلى الكحة المتتابعة، كالذي يطلقه المصلون المدخنون في أثناء الانتقال من فصل الحر إلى أوان القر، حتى ليستحيل المسجد على سعته ميدان صراع، تتنافس فيه أصوات السعال على تبديد ذلك الجلال وشد ما حيرني ذلك التدبير العبقري الذي نهض لتحقيقه بعض حكومات أمتي.
إذ تمخّضت أفكارهم العاملة في حقل التنمية الاقتصادية، فكان من ولائدها مصانع لإنتاج السجائر تغني البلاد عن الاستيراد. ويتبع ذلك تطوير زراعة هذه الشجرة الإبليسية، حتى تكون قادرة على مضاعفة الدخل عن طريق ذلك التحسين ثم زيادة الإقبال على هذه التخريب الصحي من قِبَل المدخنين هذا إلى تعطيل ملايين الأفدنة، وملايين الأيدي النشيطة على هذه التجارة الوبائية، وحرمان المجتمع الإسلامي من البركات التي كان من حقها أن تفيضها عليه، لو وجهت في الطريق السوي الأمين.
وهكذا استسلمت إلى تصوراتي المحزنة، وأنا أتلقى بصدري تلك الروائح العفنة، وأتملى بعيني ذلك الدخان الذي يتصاعد إلى الأعالي من الأفواه، ومن خلال الأصابع كأشباح العفاريت.
ولما غادرت تلك المصلحة كان شيء رهيب قد استقر في خاطري الكئيب، هو أن قومي يعبثون ويعبثون، وهم لا يعلمون ما يعملون على حين أن الشيطان واليهود والصليبين هم وحدهم الذين يضحكون ويضحكون، وهم قاصدون لما يصنعون.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل