الأحد 10-سبتمبر-1978
أتعس ما أصاب هذه الأمة وما ابتليت به أبواق إعلامها، وأبشع ما تتذوقه صباح مساء وما تغذي به ثمرات أقلامها.. ذلك أن الإعلام والأقلام لم يقفا عند حد التآمر على تزوير الحقائق، ومسخ وجه الأمة وتشويه إرادتها وفق رغبات المزايدين في سوق النخاسة الفكرية، وإنما انطلقا يبدعان من ضروب الرياء ما لا يخطر على بال الشيطان، ويصنعان من صور التزلف ما لا يرضى به حتى الذين يحرقون لهم بخور النفاق في مواكب العبيد.. والأمثلة على ذلك كثيرة نسوق بعضها للقارئ عرضًا للبضاعة لا حصرًا للأصناف الرخيصة المكدسة:
رمضان.. كيف تنكروا له؟
حين وقعت الحرب المدروسة البداية والخطوات والختام في رمضان عام ١٣٩٣ للهجرة وفي تشرين أو أكتوبر عام ١٩٧٣ للميلاد كان الشعار المرفوع والصوت المسموع الله أكبر.. والويل الغاصبين.. وبالثارات الإيمان.. في حروب رمضان.
كان ذلك والحرب دائرة.. ورصاص الموت يحصد الأعداء.. والزحف الذي زحفه المؤمنون من أبناء مصر يسطر ملحمة البطولة بالإصرار على كسر الطوق المرسوم في رحلة العبور الذي قام به جند مصر رافضين أغلال السياسة وتوجيه الساسة..
ليسجل صفحة ناصعة تبيض جانبًا من وجه التاريخ..
ويتوقف الزحف.. وتوضع العقبات بين يدي العبور.. وتصمت المدافع ويخرس الرصاص وتشل الأصابع على الزناد.. وإذ بالموجة تتبدل.. لتحمل للعالم شعارات جديدة كل همها تحرير الأرض لا نصرة العقيدة وطاعة الزعيم في مسيرة السلام لإجهاد الأعداء ودحر الغاصبين.
ويتسلل المسخ الرهيب.. وإذ برمضان الحبيب يصبح في دمشق تشرين.. وفي القاهرة أكتوبر، وتصدر لذلك صحف وتنشأ لذلك مؤسسات ويبدأ الأبطال الموهومون
يتحدثون عن بطولاتهم في أكتوبر وعن تضحياتهم في تشرين.
على كل حال.. لسنا بآسفين لهذا المسخ المتعمد والتشويه المقصود لأن يكون رمضان عنوان البطولة والجهاد ورمز الثبات والتضحيات، فلما تولى القوم يوم الزحف حق لهم أن يسموا حرب الهزيمة ومعركة الفرار: أكتوبر في أرض الكنانة.. وتشرين في في ديار الشام.
والحق.. كيف مسخوه؟
في العدد -١٧٥٧- من أخبار اليوم القاهرية الصادر يوم الأحد بتاريخ 3 شعبان ۱۳۹۸ الموافق ۸ يولیو ۱۹۷۸ عناوين بارزة عن زيارة السادات للنمسا ومقالات كُثُر عن لقائه بوزير الدفاع اليهودي، وعن الجهود التي يبذلها بطل العبور كما سموه.. من أجل تحقيق السلام القائم على العدل الذي يمنح نصف فلسطين، أو أكثر من ذلك لليهود دولة حرة مستقلة باعتراف العرب وتواقيع قادتهم وسادتهم المكرمين.
والصحافة المصرية -شأنها في كل العهود- تعطي لنفسها الحق في أن تسمي لقاء السادات بشمعون بيريز خطوة على طريق النصر ولبنة في صرح السلام، وتبيح لأقلامها أن تكتب النثر والشعر والخاطرة والتعليق والقصة والمسرحية.. وكلها تصف بطولات السعي نحو السلام.. والتحركات من أجل رفع راياته لترتفع كما قال الشاعر الإسرائيلي راية في حمى المهد وظل الحرم.
ولكن الشيء المستهجن خلقًا، المستقبح ذوقًا، المرفوض عقيدةً، أن تستشهد الصحيفة المصرية المزورة لكل ما ساقت من زور وما نشرت من ضلال بآية كريمة من كتاب الله حين تنشر تحت العناوين الإخبارية للقاء -فينا-.. ومع المقالات السياسية عن فضائل ذلك اللقاء آية كريمة تحت عنوان حكمة اليوم تقول:
﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ (النمل: 79).
أي هوان هذا الذي تردت فيه صحافة مصر.. وأي داء هذا الذي أصابها حتى أفقدها اتزانها وجردها من حاسة التمييز بين البسمة الودود الحانية والبصقة المهينة القاسية في وجه أمتنا المغلوبة المنكوبةالذي يخفف من وقع هذا البلاء.. أن صحافة مصر الرخيصة لم يعد لها التأثير العميق في جماهير أمتنا ولله الحمد وأن الناس باتوا يدركون بعمق وهدوء أن الأقلام التي نسبت فاروقًا لبيت النبوة يومًا ووضعت عبد الناصر في مصاف الآلهة وهو يحمل سوط الجلاد وخنجر القاتل.. تسعى اليوم وستسعى غدًا لتزوير تاريخ مصر.. وغير مصر.. وتأليه هذا الحاكم أو الثمن..
في سبيل الله.. كما تفهمها مجلة أکتوبر
في العدد -۸۹- من مجلة أكتوبر القاهرية مقارنة بين صاحبتي لقب: أم كلثوم –سيدة- الغناء العربي، ووردة الجزائرية سيئة الغناء العربي كما سمتهما المجلة أو كما وصفهما كاتب المقال وهو يتحدث عن خلو مكان أم كلثوم ممن يخلفها.. ونحن لا يهمنا هنا من المقارنة ما أوردته المجلة الأكتوبرية من مدح لأم كلثوم أو هجاء لغيرها.. فللمجلة السياسية الاقتصادية الاجتماعية الرياضية الفنية إلى غير ذلك من ميادين التخصص، والرعاية والتوجيه.. للمجلة الحق من وجهة نظر -القلم- القائم على أمرها أن تمدح هذه من المطربات وأن تذم تلك ما دام الأمر يعني الأمة كما ترى المجلة، وما دامت القضية مُلحة في أن يفهم العرب الضائعون الحيارى.. من سيدة غنائهم وهم يطربون.
ولكن الذي يعنينا هنا ويهمنا أن يحشو كاتب المقال الذي احتل صفحة كاملة من المجلة مفاهيم عجيبة، وآراء غريبة تدور حول معنى في سبيل الله.
الكاتب يرى، والمجلة تتبنى الرأي بحماسة، أن ما كانت تقدمه أم كلثوم من أغنيات إنما كان في سبيل الله.. وأنها كانت بذلك تخدم دينها وشعبها كما قال الكاتب المبجل !.
وبدأت أبحث عن -سبيل الله- أين تكون.. وأم كلثوم تغني في أعقاب هزيمة الخامس من حزيران على مسرح الأولمبياد في باريس والدم ما زال يسيل والجراح ما زالت ساخنة: هذه ليلتي وحلم حياتي..
وحاولت أن أصل إلى معنى معين وسبب واحد لهذا الافتئات وهذا الضلال فلم أجد غير المعنى السليم، والفهم القويم للكلام الصادق والتعبير الدقيق.. إذا لم تستح فأصنع ما شئت.
كتّاب المتون.. وشراح الحواشي
مهمة الصحفيين في مصر شاقة لا يحسدون عليها.. إذا كانوا يدركون خطورة الرسالة التي يؤدون وكرامة الأمانة التي يحملون.. أما حين تكون الأمور في انسياب والمفاهيم في تداخل.. والآراء في خلط فما أسهل ما يصنعه الصحفيون.. وما تفتريه الأقلام.
والصحفيون في مصر منشغلون هذه الأيام، كما انشغلوا من قبل، شُراحًا للمتون وكُتابًا للحواشي.. أما المتون فكلمات الزعيم والحاكم بأمر الله.. أطلق عبد الناصر بالأمس مصطلحات عدة تناولت - الحياد الإيجابي و - عدم الانحياز - و - مجتمع الكفاية والعدل - وكتب له بعض الكتاب متونًا صدرت باسمه في كتب
تحمل -فلسفة الثورة- و- الميثاق- وانشغل الصحفيون في تفسير المصطلحات وفق الهوى مع رغبة السيد المطاع وتبارت أقلامهم في كتابة الشروح والحواشي.. إلى أن سقط الميثاق وتهاوت فلسفة الثورة وأصبح الحياد الإيجابي في خبر كان حين انقسم العرب قطيعين كبيرين.. قطيع يرعى الكلا في مراعي البيت الأبيض.. وقطيع يرعى العشب في حقول الكرملين..
واليوم عاد الصحفيون- يشاركهم بعض أساتذة الجامعات- لينشغلوا في تفسير المصطلحات وكتابة الحواشي والشروح من جديد.. منذ أطلق الرئيس السادات مصطلحات المبادرة، والسلام القائم على العدل وضوابط الديمقراطية.. وألف كتابه البحث عن الذات..
وإذا كان لكل شاعر هاجس يملي عليه شعره، أو يوحي له به كما يرى عرب الجاهلية وأن لكل شاعر راوية يروي شعره، ويحمله على لسانه بين القبائل كما كان واقع الحال بين الشعراء..
فقد قدر أن يكون لكل سياسي عربي كاتب يكتب له فكره ويصوغ له آراءه.. ومع الكاتب راوية من الصحفيين، أو الإذاعيين يحمل الرأي والفكر على ثنايا الأثير أو في أعمدة الصحف وبين دفات الكتب في أكف الناس.
اللاهثون وراء.. العملة الصعبة والنخاسة المفضوحة
ليس مستهجنًا أن يلقاك في الشارع أو السيارة شاب مصري خرج من مصر ليلتحق بعمل في الكويت أو السعودية أو العراق ليسهم في إعمار هذا البلد أو ذاك نجارًا أو حدادًا أو بناءً أو معلم أجيال.. وهو بخروجه من مصر يحقق هدفين اثنين.. يعمر البلد الذي حل فيه ويدخر لمستقبله ومستقبل عياله -قرشًا- أبيض للأيام السود الكثيرة المتلاحقة.
ولكن الغريب أن يندرج مثل هذا التصور على حملة الأقلام من كتاب وصحافيين.. وضعوا أقلامهم في سوق النخاسة الفكرية يعلنون عنها خلال مزادًا علنيًّا يجري عليها فيفوز أصحابها برصيد من العملة الصعبة، ويمارسون لعبة الولاء المتنقل لهذا النظام أو ذاك.
وقد فعل فريق من شيوعيي مصر هذا عندما نزح الكاتب الصحفي عبد الرحمن الخميسي، وغيره إلى العراق لتتقيأ أقلامهم المريضة قذارات من الباطل، وتنفث سمومًا من الفكر ترضي الدافعين والقابضين معًا.. وآخر صفقة كانت مقالًا عن الإمام الشهيد حسن البنا والإخوان المسلمين وتاريخهم وحركتهم كتبه في مجلة آفاق عربية التي تصدر في بغداد الدكتور رفعت السعيد، والدكتور المشار إليه ليس عراقيًّا، على كل حال.. لأنه حشر في المغالطات التي كتبها وسماها بحثًا كثيرًا من المفتريات لا يحسنها إلا من عاش في مصر وعرف كثيرًا من الوقائع والأسماء ليمر بها مرورًا يمسخ به الحق باطلًا والجهاد خيانة..
إنها الأقلام التي اعتادت أن تزور تاريخ هذه الأمة في عصرنا هذا، فسمت الفجار أحرارًا، وسمت الأبرار خونة وأطلقت على السفاحين والقتلة ألقاب القيادة والريادة والبطولة، كما أضفت على الضحايا من الأبرياء، والمصلحين ثياب الإرهاب والتآمر.
ولست أدري لم هذا التصدي لحركة الإخوان المسلمين وهي المطاردة في الآفاق العربية، الحبيسة في زنازين الإرهاب العربي، الجريحة التي ما زالت دماء الأبرار تسيل دمًا ساخنًا لما تندمل جراحه بعد.. إلا أن تكون الحركة وهي مطاردة حبيسة جريحة.. ترعب الذين بيدهم السلاح، وتخيف الذين يتربعون على كراسي الحكم في ظلال الحراب الحمراء والسوداء على السواء.
إنها إحدى كوارث أمتنا المعاصرة أن يُكتب على الصحافة والأقلام العربية أن تدور في دوامة الكهنوت السياسي و-مافيا- الحكم والزعامات بحيث لا تخرج عن هياكل النفاق، ونطاق الولاء الذي تنبعث منه رائحة الزيف ونتن التزوير.. في رقعة مترامية الأطراف من ديار الإسلام لا ترى فيها إلا مظاهر الخور.. ولا تسمع فيها إلا طبول الكذب ومزامير الضلال..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل