; صور من.. «ليالي تركستان» | مجلة المجتمع

العنوان صور من.. «ليالي تركستان»

الكاتب عبد القادر طاش التركستاني

تاريخ النشر الثلاثاء 16-يوليو-1974

مشاهدات 89

نشر في العدد 209

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 16-يوليو-1974

صور من.. «ليالي تركستان» عبد القادر طاش التركستاني للفن الرفيع فعل السحر في أعماق الإنسان، وفي تغيير واقعه، وقلب مفاهيمه، والتأثير على وجدانه ومشاعره، ودعوة الإسلام الهادية تتخذ من الفن الذي ينبع من تصورها للوجود والإنسان والحياة وسيلة لإيصال نورها الهادي وقبسها المضيء إلى القلوب البشرية. والأستاذ نجيب الكيلاني أحد الذين كانت لهم في مجال الفن الإسلامي مساهمات طيبة كان لها وقع عظيم وأثر كبير في كثير من الشباب المسلم الذي يبحث الآن عن مثل هذه الأعمال الجيدة التي تثري وجدانه وتستثير عاطفته السامية وتقدم له زادًا أدبيًا كريمًا في وقت انحدرت فيه القيم الإنسانية والمعاني الكريمة ولم يبق في الساحة الفنية - ومنها الساحة الأدبية طبعًا ـ إلا الفن الرقيع الهدام الذي يجري وراء إثارة الغرائز الحيوانية في الإنسان ويسعى لهدم وجوده وذلك بقتل قيمه ومثله العليا وأهدافه النبيلة وغاياته السامية التي خلق ليرنو إلى تحقيقها ويسعى إلى بلوغها. ومن ضمن الروايات الإسلامية التي أتحف بها الأستاذ نجيب وأثرى بمحتواها الهادف المكتبة الأدبية الإسلامية رواية (ليالي تركستان) وهي صورة تعبر عن بعض الأحداث الكبيرة في فترة حاسمة من تاريخ المسلمين في التركستان الشرقية وهي الفترة الممتدة من سنة ۱۹۳۰ إلى سنة ١٩٥٠م حيث تعرضت تركستان للعواصف الحمراء المدمرة من قبل الشيوعيين في الصين وروسيا فـي تآمر محكم للقضاء على استقلالها وإسلامها الذي تعتز به أيما اعتزاز. وتميزت هذه الرواية بأسلوب قصصي رائع فيه الكثير من التشويق والإثارة وتصعيد الأحداث مما يجعل القارئ حريصًا على متابعة أحداثها بشوق ونهم. وكانت الأحداث تمضي وهي متماسكة متلاحمة الأجزاء دون أن يلاحظ القارئ أي انقطاع أو قفز أو افتعال فيها، ويركز المؤلف على المعاني والأهداف التي يريد إيصالها إلى ذهن السامع ويعمقها في شعوره ومن ذلك قوله ص ۲۳: على لسان أمير(قومول) (أعرف أن الإنسان ليس شحمًا ولا دمًا ولا لونًا فحسب، إنه الفكرة والمعتقد، الأشياء العظيمة التي يؤمن بها الإنسان هي التي تجعلني أنظر إليه وأقيمه فأحبه أو أكرهه. والفكر يعطي كومة اللحم والعظم معنى وتقبلًا وشفافية). ويقول في ص ۱۸(الحق في الدنيا لا يكاد يختلف عليه اثنان لكن انغماس النفوس في الهوى قد يخلق من الباطل حقًا ومن الحق باطلًا). أما الحوار في القصة فقد اتسم بالقوة والتماسك الذين استقطبا اهتمام القارئ ومتابعته المستمرة واستمع إلى هذا المقطع الحواري الذي يجري بين القائد الصيني وأمير(قومول) المسلم في ص ٢٦ حين قال الصيني: سعادتي كلها في أن انتصر لا أنظر لشيء وراء ذلك يا أمير، أنتم تفكرون كثيرًا في الجنة والنار. -لأنها حقيقة أيها القائد. -كيف؟ -أنت تمسك الآن بالكأس المملوءة -نعم. -فأين النشوة التي تحدثها الكأس - النشوة!! -نعم أين النشوة أيها القائد؟ -هذه ليست مادة. لم اقرأ عنها شيئًا في كتابات ماركس ولينين وأنجلز لم يتحدثوا عن النشوة لأنها ليست مادة. - ولكنك تشعر بها. - نعم ولولاها لما شربت الخمر -هي موجودة. - بالتأكيد يا أمير - أريد أن ألمسها. - لا أنا ولا أنت تستطيع لمسها. غمغم الأمير، والنشوة العظمى أيها القائد في جنة الله، وأنا أستشعرها بلا كأس. والمؤلف بعد ذلك دقيق في تصويره حتى لكأن الأشياء التي يصورها ماثلة أمامه يتحسسها ويطلع على كثير من دقائقها وتفاصيلها. وكان المؤلف موفقًا في اختيار الألفاظ التي يعبر بها عن المعاني التي يريدها فهو مثلًا يقول على لسان الضابط للصيني الذي يعتبر نفسه أداة في يد قادته لا يدري ماذا يفعلون به، إنه يقول: (أنا في الحرب كالأعمى) ص ٨٦، وأنظر إلى هذا الاقتباس الجميل الذي وافق موضعه في قول أمير (قومول) (سيتزوج القائــد الصيني ابنتي الغالية. سوف نفدي بذلك شعب قومول وننجيه من مذبحة لا تبقي ولا تذر) ص ۲۹ واستمع إلى قول الأمير نفسه لابنته حين أعلمها. بقراره بضرورة تزوجها للقائد الصيني فقالت له: دعني أرحل. فقال (كيف ترحلين وسط الذئاب) ص ٣٠. ونخلص بعد ذلك إلى استعراض بعض الملامح والصور العظيمة لكفاح الشعب التركستاني ضد التسلط الشيوعي والتي أبرزها المؤلف في معرض معبر مؤثر. لقد كان قواد هذا الشعب وأبطاله الذين قادوه إلى الثورة والجهاد يستمدون كفاحهـم ونضالهم وصمودهم من التصاقهم العميق بمبادئ دينهم وتعاليم إسلامهم، لقد كانوا يحسون إحساسًا عميقًا قويًا بأن أعداءهم لا يحاربون إلا هذا الدين الذي يجمع قلوبهم ويوحد صفوفهم ويعمق في نفوسهم معاني الجهاد والتضحية والإباء وعدم الخضوع للباطل وأهله، فها هو ذا زعيم الثورة (خوجه نياز) وهو يخطب في اجتماع كبير عقد لبحث عوامل الصمود ضد الاستعمار الصيني وقد كان بعض السياسيين يرون أن الحرب عملية انتحارية لا فائدة منها وإن المفاوضات السياسية هي الحل الأمثل للقضية، ويغضب الزعيم المسلم ويرد عليهم قائلًا ص ۳۸ (سمعتكم تتحدثون عن الأربعمائة مليون صيني، وإذا كنتم تقيسون الجيوش بعددها فوالله أن الإسلام ما كان لينتشر، وكأني بكم لم تقرأوا قول العلي الأعلى ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّه﴾ (البقرة:249). فعلينا معشر المسلمين أن نتخذ القرآن إمامًا لنا، ووالله ما تحكم الأعداء فينا إلا لأننا تنكرنا لديننا ونبذنا قرآننا وراءنا ظهريًا وأني أعاهد الله على أن لن أضع سلاحي حتى ألقاه أو انتقـم لديني وبلادي فمن كان أبواه مسلمين فليتبعني). إن هذا الشعور الصادق والالتصاق الحميم بالإسلام والذود عن شعائره ومقدساته لا يقتصر على القادة فقط بل هو أصيل في أفراد الأمة كلهم ومن الصور الرائعة التي تجلي هذه الناحية ذلك الموقف الرائع الذي وقفه (منصور درغا) حين وجد الشيوعيين يريدون الاستيلاء على أحد المساجد الإسلامية لتحويله إلى مخزن للمواد الخام وعندما عارض شيخ المسجد ذلك ربطوه في شجرة وأخذوا يسخرون منه ويبصقون عليه ويضربونه والدماء تسيل من جسده فلم يتمالك منصور نفسه إذ هزه المنظر هزًا قويًا وأثار نخوته الإسلامية فأنطلق إلى سطح المسجد وما هي إلا لحظات حتى كان قد صرع ثلاثة من الشيوعيين برصاص بندقيته وهو يصيح بأعلى صوته، أيها الكلاب هذا بيت الله ولن تطأه أقدامكم النجسة. وجاء رجال الشرطة وجعلوا يطلقون النار عليه وهو يصيح لن تدخلوا المسجد إلا على جثتي، هذا بيت الله أيها الأوغاد. ولقد أثار هذا الموقف مشاعر المشاهدين- الذين كانوا يتابعون المنظر - فأخذوا يرشقون الشيوعيين بالأحجار والحصى واندلعت في المكان ثورة من أجل بيت الله مما حمل الشيوعيين على الانسحاب، فأقبل منصور على الناس وهو يقول لهم (أيها الناس لا تتخلوا عن بيت من بيوت الله دافعوا عن كل شبر كل حجر فيه أنه يمثل المعنى الكبير الإلهي الذي عشنا في ظل عقيدته مئات السنين، فلنصلي ركعتين لله) ص ١٦١ -162. إنها مواقف بطولية عظيمة ومشاعر فياضة بالشوق إلى الشهادة في سبيل الله والذود عن حياض الدين الحنيف والحنين إلى جنة الخلد، وبمثل هذه المواقف الرائعة استطاع المسلمون في التركستان أن يقفوا صامدين فترة طويلة من الزمن في وجه عدوين لدودين وهما الصين وروسيا اللتان تعاونتا على سحق الوجود الإسلامي في التركستان، ومن دلائل هذا التعاون الأثيم تلك الاتفاقية بين «شين سي» الحاكم الصيني وبين الروس (تعهد فيهما القائد الشيوعي الصيني بجمع المواد الخام من التركستان الشرقية وإرسالها للروس في مقابل مــده بالرجال والسلاح لفك الحصار والقضاء على جمهورية تركستان الوليدة، وفي شهر ديسمبر ۱۹۳۳م أخذت ثلاثة ألوية روسية مجهزة بثلاثين طائرة وعشرين دبابة وخمسين سيارة مصفحة تتدفق عن طريق (إيلي) و «تشرشك») ص ٦٥ وقد كان أولئك الأعداء - وخصوصًا الروس - يعملون بدأب ونشاط من أجل طمس نور الإسلام من قلوب المسلمين في تلك البلاد والقضاء على الروح الإسلامية لدى الشباب من الأمة وذلك بالترويج للأفكار الماركسية المادية واستجلاب الشباب عن طريق المغريات واستثارة الشهوات مما أدى إلى أن يقع بعض الشباب اليافع في حبائلهم ويتأثر بأفكارهم وكان لذلك أثر هدام في الصف المسلم وكان وسيلة خبيثة للقضاء على الثورات الإسلامية التي قامت في تركستان واستمع إلى (مالينكوف) أحد المستشارين الروس الكبار الذين كانوا يعملون مع الحكومة الصينية وهو يقول للحاكم الصيني (شين): هناك صورة متخيلة في ذهني للمعركة لو استطعنا تحقيقها لكسبنا الكثير، قال شين كيف؟ فقال: إن لدينا مجموعة ضخمة من أبناء تركستان الشرقية تربوا على المبادئ الشيوعية في روسيا وأتموا تعليمهم هناك. وفي إمكاننا أن نستعين بهم ونجعلهم في مقدمة الجهاز الإداري والعسكري للحاكم عندئذ تبدو المعركة وكأنها معركة بين الرجعيين من أمثال -خوجه نیاز - وجماعته وبين التقدميين من أمثال (هاشم جاجي) (والسيد حاجى) وغيرهم) (وقد لعب (السيد حاجي) - الذي عين رئيسًا للمخابرات التي كانت على غرار الغستابو الألماني ـ لعب أقذر الأدوار فـي الانتقام من الوطنيين والنيل منهم كما تم إنشاء فروع لمؤسسة المخابرات في أنحاء المدن المختلفة) ص ٦٧. لقد كانت الليالي التي عاشها الشعب التركستاني - في تلك الفترة - (تعتبر مأساة من مآسي العصر أهدرت فيها القيم الإنسانية والحضارية على مذبح الأحقاد القديمة) ولكن الليالي التي يعيشها هذا الشعب بعد تلك الفترة وحتى اليوم لهـي أشد حلكة وظلامًا وهي أكثر قسوة وأشد حرقة لكل ذي قلب مؤمن صادق الإيمان، ولعل أكبر جناية يرتكبها المسلمون بحق هذا الشعب وبحق بطولاته وكفاحه المرير ضد المحتلين الغزاة ذلك الكفاح الذي كلفه كثيرًا من دمائه وجهوده وكرامته وعزته - لعل أكبر جناية بحقهم هذا الإهمال والنسيان الذين يقابلون به في كل أقطار عالمنا الإسلامي، واسأل إن شئت عن تركستان وعن شعبهما المظلوم فإنك سترى العجب العجاب سترى أن كثيرًا من المسلمين لم يسمع بشيء اسمه تركستان ولا يعلم عن شعبها ولو شيئًا يسيرًا بل إن بعض المثقفين يشارك أولئك الكثرة الكاثرة هذا الجهل المطبق والنسيان المنسي وقد أشار المؤلف إلى هذه الحقيقة المرة في الصفحات الأولى من الرواية حين قال له راوي القصة (مصطفى) أنا من ترکستان فقال أهي بلاد ملحقة بتركيا؟!! فعلت ابتسامة مصطفى الساخرة ظلال كآبة وقال متعجبًا: المسلمون لا يعرفون بلادهم! وهل تريد دليلًا آخر، في كتاب (الجغرافيا السياسية) لمؤلفيه الدكتور محمد متولى الأستاذ بجامعة الكويت والدكتور محمود أبو العلا الأستاذ بجامعة الأزهر، تحدثا عن تركستان الشرقية ولكن تحت اسمها الصيني الذي فرضه الاستعمار الشيوعي لمحو اسم التركستان من الأذهان وهو اسم (سنكيانج) ويريان أن الشعب الذي يسكن (سنكيانج) ـ وهم التركستانيون - أقلية في الإمبراطورية الصينية، وفي ص ٣٦١ ما نصه (وعندما عمل السوفيت على تطوير جمهورياتهم في وسط القارة الآسيوية الواقعة على مقربة من حدود سنكيانج في القرن التاسع عشـر والعشرين ظهرت بوادر نزعات انفصالية في الجهات المتطرفة من الأراضي الصينية ومن بينها: سنكيانج فكان سببًا في إضعاف نفوذ الصين هناك) أن المؤلفين يريان أن مطالبة التركستان باستقلالها وكفاحها في سبيل ذلك نزعة انفصالية، مع أنهمـا يعترفان في نفس الصفحة أن الغالبية العظمى من سكان سنكيانج (ترکستان الشرقية ) مسلمون وأنهم من أصول غير صينية. ثم يقولان ص ٣٦٣ - بعد أن استعرضا ملامح الصراع الذي دار بين روسيا والصين حول نهب موارد ترکستان وخيراتها الكبيرة (ولكن يبدو أن الحكومة الصينيـة بنزعتها الوطنية لن تسمح بترك سنكيانج للروس لأنها شرعت في الأيام الأخيرة تعمل على تطوير المنطقة في الميدان الاقتصادي وبتنفيذ برنامج ضخم لنقل السكان من المناطق المزدحمة في الصين إلى سنكيانج وذلك لكـي تقوي الروابط التي تشد سنكيانج إلى الصين) ولست أدري ما هي هذه الروابط التي تشد التركستان إلى الصين؟! إنها مغالطات صريحة للحقائق وعمي واضح عن الرؤية الصحيحة وهذا كله ناتج عن الاعتماد -غير الدقيق- على المراجع المشوهة التي تريد تصوير التركستان بهذه الصورة المزيفة الخطيرة، وليس هذا الكتاب وحده الذي نرى فيه مثل هذه المغالطات التي تنبئ عن جهل مؤلفيها المسلمين لبلاد إخوانهم المضطهدين، بل الأمر أدهى والخطب أمر وأكاد أجزم بأن معظم الذين يتحدثون عن هذه المنطقة الإسلامية الجريحة لا يخرج حديثهم عن الصورة التي ذكرتها من كتاب (الجغرافيا السياسية). تلك هي الصورة المحزنة لمأساة التركستان المسلمة، ولقد وفق الأستاذ نجيب في اختيار قضية هذا الشعب المسلم ليرسم بريشته البارعة معالم المأساة التركستانية بأسلوب معبر مؤثر يفجر في كل قلب مسلـم حي كوامن الثورة ضد ذلك الظلـم الشيوعي الرهيب، ويزرع فيه عواطف المشاركة الوجدانية لأولئك المجاهدين الأبرار والصابرين الصامدين. فجزى الله الأستـاذ الكيلاني عن المسلمين خير جزاء وبارك الله خطواته، الأدبية الكبيرة في مسيرة الأدب الإسلامي الجديد.
الرابط المختصر :