; صيحة في واد | مجلة المجتمع

العنوان صيحة في واد

الكاتب محمد يوسف الجاهوش

تاريخ النشر السبت 18-فبراير-2006

مشاهدات 70

نشر في العدد 1689

نشر في الصفحة 43

السبت 18-فبراير-2006

 ظن من سمعها أنها رجع صدى، وأن صداها لا يلبث أن يتلاشى بين قمم الجبال ومنحنيات الأودية، وسوف تحمله سافيات الرياح لتهوي به في مكان سحيق، فلا يجيبه سميع، ولا يرى أثره بصير، ولا عجب، فذا شأن كل صارخ في الوديان: يطلق صوته، ثم يجلس يصغي إليه، ليستمع رجع صداه، وسواء –عنده- أطرب لذلك أم حزن، فكلا الأمرين سواء. لكن صيحة «لا إله إلا الله» التي أطلقها سيد الخلق في ذلك الوادي القفر الجفر -وادي مكة- تجاوبت معها الأودية والجبال، ورددتها الهضاب والشعاب، طربت لها الأشجار واخضر النبات، غنت لحنها الطيور وازدهت مع وقعها الزهور، وانشرحت لها صدور الثلة الأولى من المؤمنين وما زال سناها يتسع ويزداد، حتى انبلج الفجر وعم الضياء، ولم يمض سوى فترة قصيرة من عمر الزمن حتى أمرع بعدها الوادي، واخضرت جنباته، وأتت الدعوة أكلها: فتحطمت الأصنام، وتساقطت الأوثان، وزال الرين عن القلوب، فأخبتت واطمأنت، استجابة للنداء العلوي الأثير وقد صدح به بلال من فوق البيت العتيق « الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن محمدًا رسول الله»

 ارتج الوادي، وأوبت معه الطير والجبال واهتزت أرجاء أم القرى طريًا، وهي تسمع النداء الحبيب الذي غاب عنها منذ عهد إبراهيم وولده إسماعيل عليهما الصلاة والسلام، لقد جاء الحق وزهق الباطل، ودخل الناس في دين الله أفواجًا. الله أكبر أين صولة الشرك وتجبر أهله؟، أين عتاة المشركين وسدنة الأصنام؟ أين فرسان الباطل وأسلحته؟ لقد هوى كل ذلك، وسقط مع رجع الصدى وأبى السهل والجبل والشعب والمنحنى أن يعبر الوادي إلا «لا إله إلا الله»، وأن يعمر جنباته إلا أهلها، وفرسانه، وخدامها، فهم من طهر هذه البيئة من دنس عقائد الجاهلية، ومفاسد أخلاقها، وكل أدرانها، وأقذارها. إن هذا كله أثر من آثار الصدق والإخلاص في طرح الأفكار والمبادئ، وإنه لعاجل ثمرات جهود الصادقين المخلصين المضحين من الدعاة إن واقع الدعوة اليوم بحاجة إلى صيحة.

 بل صيحات. في أودية حياتنا المتشعبة، لتسمعها جحافل الأعداء الذين تكالبوا علينا، وعلى ديننا وعقيدتنا ورسولنا صلى الله عليه وسلم.

 إننا متى أطلقناها صادقين ورعيناها مضحين، فلن يضيع صداها بإذن الله تعالى، بل سيعلو ويمتد، حتى يسمعه من ليس بسميع، ويرى أثره من ليس ببصير ولسوف تخضر أشجار الدعوة وتورق من جديد، وتطرح من الجنى ما يثلج صدور المؤمنين، ويقضي على أوهام الحاقدين، وقد بدأت المبشرات بفضل الله وكرمه. تلوح في أفق الدعوة وأوساط الدعاة.

 إنه لمن العجز بكل مسلم أن يخفض من صوته خشية ألا يبلغ مداه، أو ألا يحقق مبتغاه، بل لتعمل، ولنضاعف العمل، فكل جهد مشكور وكل عمل مبرور مقبول، وجزاؤه عند الله محفوظ، فالله سبحانه وتعالى لا يضيع أجر من أحسن عملًا. ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِیُضِیعَ إِیمَـٰنَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوف رَّحِیم (البقرة:143)

الرابط المختصر :