العنوان صيف ملتهب في القاهرة
الكاتب د. عصام العريان
تاريخ النشر السبت 30-يونيو-2001
مشاهدات 67
نشر في العدد 1457
نشر في الصفحة 28
السبت 30-يونيو-2001
من سجن سعد الدين إبراهيم إلى براءة الفيلالي
الحكومة تفاجئ الرأي العام بقضايا مثيرة للتغطية على فشلها
محاكمات الفساد بالجملة لوزير ومحافظ ومسؤولين سابقين
مصيدة النساء التي أوقعت السويركي.. نصبها منافسوه أم تخوفات الأمن من نجاحه؟!
تشهد القاهرة منذ بداية فصل الربيع هبات ساخنة في صورة موجات حارة رطبة ويصاحبها أيضًا سخونة شديدة في الأحداث العامة على عكس ما حدث في انتخابات مجلس الشورى التي كانت هادئة وفاترة ولم يعبأ بها أحد، ولعل الحكومة – وهي التي تمسك بالخيوط كلها – أرادت أن تسخن الأجواء لتحقيق أهداف عدة:
ـ صرف الناس عن الإلحاح على الإصلاح السياسي.
ـ صرف الاهتمام عن متابعة أحداث الانتفاضة الباسلة، ومنع التعاطف الشعبي معها، خاصة مع التحذير الحكومي من جمع التبرعات خارج الأطر الحكومية.
ـ شغل الرأي العام بقضايا متعددة ومتنوعة تلبي جميع الأذواق، حتى لا يتابع الأزمة الاقتصادية الخانقة ومحاولات الحكومة الفاشلة لحلها، مما يعني رهن مصر من جديد للقروض الأجنبية.
وكان أهم هذه القضايا سواء ما صدر فيها من أحكام، أو ما ينتظر الفصل القضائي:
١ـ الحكم على أستاذ الاجتماع السياسي بالجامعة الأمريكية د. سعد الدين إبراهيم بعقوبة ٧ سنوات سجن بدأ في تنفيذها بالفعل في سجن طرة، حيث يتجاور مع المسجونين من الإخوان المسلمين.
وقد صدر الحكم في جلسة لم تكن مخصصة للنطق به، وترددت شائعات أن أجهزة المخابرات والأمن سجلت مكالمات بين المتهم وبين أشخاص في السفارة الأمريكية تكشف أن هناك غرفة خصصت وأعدت للمتهم في مقر السفارة سيلجأ إليها المتهم بعد انتهاء هذه الجلسة التي كانت تعتبر قبل الأخيرة، وقد تم عرض الشريط المسجل على هيئة المحكمة فكان سببًا قويًا دفعها لإصدار الحكم بصورة مفاجئة.
وقد ترتب الحكم على تهمة وحيدة فقط هي مخالفة الأمر العسكري الصادر بمنع تلقي تبرعات من أي جهات أجنبية أو داخلية، وقد صدر هذا الأمر العسكري وفق قانون الطوارئ الذي تعيش مصر في ظله منذ بداية حكم .الرئيس مبارك حتى الآن (عشرون سنة كاملة)، وكان بمناسبة جمع التبرعات لصالح مسلمي البوسنة الذي تصدى له الإخوان المسلمون خاصة لجنة الإغاثة الإنسانية بنقابة أطباء مصر، ومازالت بضع ملايين من الجنيهات مجمدة في الحسابات البنكية رغم الإلحاح بصرفها لصالح الهلال الأحمر المصري؛ لينفقها في البوسنة في بناء مستشفيات ومساجد وغيرها من المنشآت.
وكان أهم أصداء الحكم في أوساط المطبعين مع العدو الصهيوني أو جماعة أصدقاء أمريكا في مصر، حيث مثل رسالة قوية وهي أن النظام يريد أن يحتكر العلاقة الخاصة مع أمريكا فلا ينافسه فيها أحد.
فقد تحدثت أروقة المثقفين السياسيين عن حوار دار بين الوزير السابق للخارجية عمرو موسى، وبين مادلين أولبرايت الوزيرة السابقة للخارجية في إدارة كلينتون، عندما اشتكى من صعوبة التعامل مع السفير الأمريكي المنحاز، والذي لا ينقل وجهة النظر المصرية بأمانة، ففاجأته أولبرايت باقتراح نقل الرسائل الحساسة عن طريق د. سعد الدين إبراهيم.
وقد تناقلت الأروقة أيضًا مقابلة تمت مؤخرًا قبل تحريك القضية ضد سعد إبراهيم (الحامل للجنسية الأمريكية) مع مدير المخابرات المصرية، الذي حذره فيها من اللعب بالنار، والعزف على التناقضات، خاصة ما يتعلق بموضوع الأقباط المصريين، وقد تكرر ذلك أثناء زيارة الرئيس مبارك إلى أمريكا، والتي قوبل فيها بإثارة ملف الأقباط بصورة أزعجته، وكانت معظم الملفات من إعداد مركز ابن خلدون، واستخدمتها الإدارة الأمريكية للتدليل على الاضطهاد المزعوم الذي يتعرض له الأقباط.
لذلك ورغم صدور الحكم، فإن الغموض الذي يحيط بالقضية والرجل مازال يشغل الرأي العام، علمًا بأن أسرة الدكتور سعد باشرت الطعن على الحكم أمام محكمة النقض، وهو ما لم يحدث في قضايا الإخوان، حيث لا يسمح فيها بالطعن أمام أي جهة أخرى، لأنهم حوكموا أمام محكمة عسكرية.
براءة شريف الفيلالي
بعد محاكمة استمرت بضعة شهور، صدر الحكم المفاجئ الآخر ببراءة المتهم بالتجسس لصالح العدو الصهيوني المهندس شريف الفيلالي الابن الوحيد لعائلة من الطبقة الثرية.
ومما ضاعف الدهشة أن المحكمة أدانت الطرف الآخر غيابيًا، وهو المتهم الروسي الذي قام بتجنيد الفيلالي، وكان سند الاتهام ثبوت التهمة، بينما كان سند البراءة هو أن المتهم قام بالإبلاغ عن الجريمة، وتعاون مع جهات الأمن بالكامل.
وأعلنت النيابة طعنها على الحكم، مما يرشح القضية للاستمرار في شغل الرأي العام المصري الذي يتساءل هل هناك أسباب سياسية وراء الحكم، خاصة مع التهديدات الأمريكية والصهيونية لمصر،وتأزم قضية الجاسوس الإسرائيلي الدرزي عزام عزام الذي تطالب الإدارتان بالإفراج عنه باستمرار.
قضايا الفساد
وفي تطور عجيب وغريب لافت للانتباه، طرحت الحكومة قضايا عدة للفساد مرة واحدة، مما جعل الشعب يثير تساؤلات كثيرة عن الأسباب الحقيقية وراء تلك القضايا.
أهم هذه القضايا هي:
١ـ الحكم على سكرتير وزير الثقافة محمد فودة بالسجن في قضايا كسب غير مشروع وتلقي رشا ويقضي العقوبة الآن.
٢ـ الحكم على ليلى الفار صاحبة شركة الشروق التي اشترت بالتواطؤ مع النائب العام السابق رجاء العربي شركة الشريف لتوظيف الأموال، والتي بلغ حجم أصولها وأعمالها أكثر من مليار جنيه في أكبر عملية نصب شهدتها مصر، وقد حكم عليها بالسجن وتقضي العقوبة الآن في سجن النساء، وقد تقدمت بالاستشكال لوقف تنفيذ العقوبة.
٣ـ إحالة وزير المالية السابق د. محيي الدين الغريب إلى محكمة أمن الدولة العليا في قضية فساد تثير الشكوك حيث إن تحريك الدعوى الجنائية كان بأمر من وزير المالية الحالي مدحت حسانين (الذي يتبع اللوبي الأمريكي في جهاز الحكم)، والذي بدأ في تنفيذ أكبر عملية اقتراض جديدة بسندات دولارية تقوم بتسويقها شركة ميريل لينش الصهيونية التي كان يعمل بها سابقًا.
وهي قضية فساد تتعلق بالتهرب من الجمارك، ويحاكم فيها قيادات مصلحة الجمارك وبعض المستوردين في حجم أموال يبلغ ٢٩ مليون جنيه مصري ضاعت على خزانة الدولة.
وقد سارع رجال الأعمال بتسديد مديونياتهم، وبلغ ما تم سداده حتى الآن ۱۰ ملايين جنيه و۲۳۹ألف جنيه.
وقد شهد ضد الوزير مستشاره القانوني السابق وقيادات مصلحة الجمارك.
٤ـ إحالة محافظ الجيزة السابق المستشار ماهر الجندي الذي شغل موقع النائب العام سابقًا، ومنصب المحامي العام لنيابة أمن الدولة إلى محكمة أمن الدولة في قضية فساد تثير العجب، حيث لم يكتف المحافظ بالأموال النقدية التي قد تصل إلى ٥ ملايين جنيه رشاوى، بل تلقى رشاوى عينية في صورة هدايا ذهبية لحفيده، وبدل إيطالية، وقمصان بل أكلات كباب وكفتة متعددة !!
وقد شهد ضد الوزير المسجون محمد فودة سكرتير وزير الثقافة، الذي صرح في المحكمة كيف تحبسونني، وأنا وسيط فقط، بينما يظل الذي تلقى الرشاوى حرًا طليقًا؟!، في إشارة إلى ماهر الجندي.
٥ـ إعادة محاكمة نواب القروض في محكمة مثيرة جدًا، فبعد محاكمات طالت لسنة وأكثر مات خلالها رئيس المحكمة، وبعد الحكم عليهم وبدء تنفيذ العقوبات المقررة التي كانت قاسية جداً، وطالت وزيرًا سابقًا هو توفيق عبده إسماعيل أحد الضباط الأحرار، وأول من يسجن منهم في قضية، ثم تم في محكمة النقض نقض الحكم، وبدأت المحاكمات من جديد، وفي الجلسة الأولى أمرت المحكمة بالإفراج عنهم جميعًا.
٦ـ بدء تحقيقات النائب العام حول الفساد في البورصة، والتي تم حظر النشر فيها مؤخرًا، وجاءت استجابة للرأي العام الذي تساءل بقوة عن جدوى مجلس الشعب والاستجوابات التي تتم فيه، إذا كانت النتيجة هي الانتقال لجدول الأعمال، وعدم محاسبة الوزراء أو المسؤولين وكان ذلك عقب استجواب النائب الإسكندري الناصري كمال أحمد، وتناول الإعلامي حمدي قنديل للمخالفات في البورصة في مواجهة مثيرة بين النائب وبين رئيس البورصة الذي فشل فيها في الدفاع عن نفسه، وبعد تلكؤ رئيس الوزراء في إبلاغ النيابة العامة، وتضارب تصريحات المسؤولين حول الإحالة إلى النيابة.
٧ـ رفع الحصانة عن نائب مدينة نصر رجل الأعمال فوزي السيد والمشهور بلقب حوت مدينة نصر، ويستثمر في المجال العقاري بمئات الملايين من الجنيهات، وقد صرح أن السبب في ذلك هو خلافات بينه وبين وزير الداخلية السابق حسن الألفي وأولاده، وأعلن أنه هو الذي قام بتسريب مستندات الفساد ضد الألفي إلى جريدة الشعب المعارضة لسان حال حزب العمل الذي تم تجميد نشاطه وغلق صحيفته.
وكانت وقائع فساد وزير الداخلية وأولاده قد شغلت الرأي العام طويلاً، وجرت محاكمة الرئيس تحرير الشعب، وعدد من الصحفيين، ثم كانت المصالحة التي حفظت القضية.
هذا غير تحقيقات أخرى تتم مع قيادات البنوك، ومحاكمات كان آخرها سجن بعض المسؤولين لعشرات السنوات بتهم تسهيل الحصول على قروض دون ضمانات حقيقية.
قضايا اجتماعية مثيرة:
وبعيدًا عن الفساد المالي والإداري وفضائح كبار المسئولين شغل الرأي العام في مصر مؤخرًا قضايا مثيرة.
الأولى: إحالة رجل الأعمال الملتحي السيد رجب السويركي صاحب سلسلة محلات «التوحيد والنور» (۱۳۷فرعًا) إلى المحاكمة الجنائية بتهمة هتك العرض والجمع بين زوجات في وقت واحد.
وسبب الإثارة هو عدد الزيجات التي قام بها السويركي، حيث ادعى البعض أنه تزوج أكثر من ٤٥ زوجة خلال بضع سنوات، واعترف هو بـ ۱۷ زوجة فقط، منهن اثنتان على ذمته لم يطلقهما، ونحو ٩ زوجات خلال السنة الأخيرة فقط، منهن واحدة تزوجها ظهرًا وطلقها عشاءً.
والمثير للجدل أن السويركي لم يقترض من البنوك أبدًا، في حين أن حجم أعماله يبلغ نحو مليار جنيه، وأنه ناجح جدًا كرجل أعمال في مجال الملابس الجاهزة ولا يقوى منافسوه على مزاحمته، ويقال: إن ذلك هو سبب محاكمته، كما أن هناك مبررين آخرين لتلك المحاكمة:
١ـ الأول: ريبة أجهزة الأمن حول مصادر أمواله وتمويله لأعماله، وكذلك مدى صلاته بالجماعات الإسلامية أو الإخوان، وقد نفى هو ذلك بكل شدة كما نفاها الإخوان تمامًا.
٢ـ الثاني – ولعله الأقوى – هو تحرك منافسيه ضده لتحطيمه في السوق وتشويه سمعته، حيث إن أهم مصادر قوة التاجر هو الثقة التي تتوافر فيه عند المتعاملين معه.
والقضية لا تقوم على أساس قوي، بل تضاربت أقوال الشهود، كما تضاربت أقوال الزوجات الثلاثي تم التحقيق معهن، وكذلك تضاربت الفتاوى الصادرة عن الأزهر والمفتي ولجنة الفتوى حول صحة وشرعية زيجاته وموافقتها للشرع.
قضية الشباب المتهمين بالشذوذ:
أما القضية الثانية المثيرة فهي: قضية الشباب المتهمين بالشذوذ الجنسي وعددهم ٥٥ شابًا، وقد ظهر من التحقيقات تهاوي الدلائل التي يمكن أن يحاكموا بسببها، ولم تظهر أي دلائل جدية إلا في موقف المتهم الأول وهو مهندس كمبيوتر، وسافر أكثر من مرة إلى الكيان الصهيوني، وتعرف إلى حوالي عشرة فقط من المتهمين وتعرف إليه كذلك حوالي الـ٥، بينما أنكر الباقون كل التهم ومازال يتجدد حبسهم وفتر الحديث عنهم في أجهزة الإعلام.
هذا بينما يشغل الرأي العام الإسلامي كذلك قضيتان: حفظ التحقيق في البلاغ الذي تم تقديمه ضد الدكتورة نوال السعداوي التي اتهمها بازدراء الدين الإسلامي، وطلب تحريك دعوى الحسبة ضدها، والتفريق بينها وبين زوجها الشيوعي السابق د. شريف حتاتة.
واعتمد حفظ التحقيق على إنكار نوال السعداوي للتصريحات المنسوبة إليها، والتي قد تؤدي إلى خروجها من دائرة الإسلام، بينما أصرت جريدة (الميدان والصحفي الذي أجرى الحوار على أنهما يحتفظان بشريط التسجيل للحوار المثير والذي ادّعت فيه أن الحج عادة وثنية).
والأخرى هي الكتاب الذي أصدره الكاتب اليساري (الإسلامي المستنير كما يقول عن نفسه) خليل عبد الكريم عن رسول الله ﷺ «فترة التكوين في حياة الصادق الأمين» والذي طالب مجمع البحوث الإسلامية بمصادرته لعدم اتباعه الأصول العلمية في البحث، وادعائه ادعاءات كاذبة ضد نبي الإسلام وضد زوجته أم المؤمنين السيدة خديجة رضي الله عنها.
فصل على سالم من اتحاد الكتاب المصري
وشغل الرأي العام أيضًا بقضية فصل الكاتب المسرحي علي سالم من اتحاد الكتاب المصري في سابقة لم تحدث من قبل، ولعلها لا تحدث بعد ذلك، وذلك استجابة لضغط نحو ١٥٠ كاتبًا تقدموا بطلب عقد جمعية عمومية غير عادية، وهناك قائمة أخرى من المطبعين تم الاكتفاء بتحذيرهم، وأن الرسالة قد بلغتهم، ومعروف أن علي سالم زار الكيان الصهيوني مرات عدة، وكان يهاجم مقاومي التطبيع بشدة في مقالاته وأحاديثه التلفازية.
يجري هذا كله في الوقت الذي يشهد مجلس الشعب صحوة قوية من نواب الإخوان والمستقلين في صورة استجوابات شجاعة ومناقشات مثيرة و اعتراضات قوية على سياسات الحكومة وقراراتها مثل:
ـ استجواب الفساد في البورصة والفساد في شركة النقل والهندسة.
ـ الاعتراض على ضريبة المبيعات (المرحلة الثانية والثالثة).
ـالاعتراض على قانون إصدار السندات الدولارية.
ـ استجوابات متعلقة بالفساد في الجهاز المصرفي، وقد قام نائبان معارضان متهمان بأنهما مستأنسان من الحكومة (رجب حميدة ومحمد البدرشيني) بسحب استجوابين وأصر نائبان آخران (أيمن نور والبدري فرغلي) على تحديد موعد لمناقشة استجواباتهم - والظاهر أن المجلس لن يناقشهما أبدًا، بحجة جديدة هي الأمن الاقتصادي، وتحت التهديد بحلّ المجلس الذي ظهر في مقالة إبراهيم سعده بأخبار اليوم (١٦/٦) والسؤال: هل سيعيش النواب تحت سيف حل المجلس، ويتخلون عن أدوارهم الرقابية لصالح الحكومة! الله أعلم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل