العنوان ضابط روسي في جحيم جروزني (2من2)
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 04-أبريل-1995
مشاهدات 68
نشر في العدد 1144
نشر في الصفحة 27
الثلاثاء 04-أبريل-1995
بلا حدود
ويواصل الضابط الروسي تقريره قائلًا:
«لقد كانت الظروف التي واجهها الجنود الروس في شيشانيا مأساوية، في أفغانستان كان الجنود يحصلون على كميات كبيرة من اللحوم المعلبة، والحليب المكثف والعصير، والبسكويت، والشاي والستيرنو، والأرز، أما في شيشانيا، فكل ما رأيت الجنود يأكلونه هو البرغل مع قليل من اللحم.
ولم أر في شيشانيا جنديًا روسيًا واحدًا يمتلك حقيبة للنوم أو كفوف أو أية معدات أخرى تلزم الجندي، وفي الحقيقة يتولد لديك الانطباع بأن الجنود الروس قد خرجوا لتوه من الكهف، حيث ما زالوا يطهون طعامهم فوق المواقد وينامون على الأرض بدلًا من الخيام، فلم تتح الفرصة للجنود لتغيير ملابسهم الداخلية أو الاستحمام لأسابيع، وبدا كما لو أن الروس يخوضون هذه المعركة قبل مائتين أو ثلاثمائة سنة، وكان الفارق الوحيد أن ما كان يحمله جنودنا في أياديهم القذرة ليس بنادق من الطراز القديم، بل بنادق آلية متقدمة.
لقد أثيرت ضجة كبرى في أفغانستان عندما وقع جندي واحد أسيرًا في يد المجاهدين الأفغان، وقد بذل جهاز المخابرات «كي. جي.بي»، والاستخبارات العسكرية جهودًا لتحديد أماكن الأسرى السوفييت ثم يبدأ القادة الميدانيون المفاوضات لتحريرهم.
في البداية حاولوا التعامل من منطلق القوة باللجوء إلى القصف والتفجير وإطلاق الصواريخ على القرى، وإذا واصل المجاهدون رفضهم إطلاق السجناء، كانت تبذل جهود لدفع فدية لتخليصهم من الأسر، وكثيرًا ما كان يتم إجراء مقايضة الأسرى بالطحين والكاز والملابس وأحيانًا بالأموال النقدية، وفي أحيان قليلة بالأسلحة.
أما في حرب الشيشان، فإن القيادة العسكرية لا تتحدث مجرد حديث عن مصير المفقودين أو الأسرى من الضباط والجنود، وتعين على الأمهات المنكوبات الذهاب إلى شيشانيا لتخليص أبنائهن.
في أفغانستان كنا على يقين بأننا إذا قتلنا، فسوف ندفن في وطننا، فقد كان يتم سحب الجثث من أرض المعركة، وعندما كان المجاهدون يرفضون تسليم جثة جندي روسي، كنا ندفع بوحدة عسكرية أو لواء أو حتى فرقة عسكرية لتخليص جثة ذلك الجندي، وأحيانًا كانت تلحق بنا خسائر كبيرة في مثل هذه العمليات، لكن كان لدينا إصرار كبير على استرجاع جثث الجنود القتلى لدفنها في الوطن.
إنه ليؤلمني أن أصف كيف تترك جثث الجنود الروس القتلى أحيانًا في العراء لتأكلها الكلاب، وبعضها يتهشم تحت جنازير الدبابات الروسية ذاتها أو يدفن تحت أنقاض البنايات التي يدمرها القصف المدفعي والصاروخي الروسي.
وهناك شيئان أثارا قلقي على نحو خاص في شيشانيا:
الأول: إنني رأيت كتائب عسكرية روسية تتعرض للقصف على بعد ٢-٣ كيلو مترات من الوحدات الروسية الأخرى التي لم تتحرك لمساعدتها، وذلك لأن هذه الوحدات قامت بمهامها اليومية ولم يعد يفترض فيها المشاركة في أية مهام أخرى لذلك اليوم، ويمكنني القول بثقة كبيرة إن ذلك لم يحدث أبدًا في أفغانستان.
الثاني: أدهشني الكم الهائل من الميداليات التي تدفقت على الضباط والجنود ممن حاربوا في شيشانيا؛ حيث إنني أعرف أحد هؤلاء الضباط الذي تقلد وسامًا لشجاعته، وذلك لأنه ترك موزدوك في شمال أوسيتا، حيث مقر قيادة أركان الجيش الروسي، وذهب إلى شيشانيا لعدة أيام لكنه لم يشارك أبدًا في القتال.
كان على الجندي المشارك في حرب أفغانستان، لكي يتقلد مثل هذا الوسام أن يخوض المعارك طوال ما يزيد عن العام.
لقد خرجتُ من شيشانيا بإحساس مرعب، إذ إن الحرب الأفغانية لم تكن شيئًا مقارنًا بهذه الحرب، بل لا أبالغ إن قلت إنها كانت نزهة في الحديقة بالموازنة مع هذه الحرب.
والمثل الروسي يقول: «إن الإنسان الحكيم يتعلم من أخطاء الآخرين، أما الغبي فلا يتعلم إلا من أخطائه هو» وبعد زيارتي للجبهة في شيشانيا، توصلت إلى نتيجة مؤداها إننا نحن الروس لم نفشل فقط في تعلم الدروس من أخطاء الآخرين، بل إننا لم نتعلم من أخطائنا، ويتم الآن إجبارنا على تكرار هذه الأخطاء».
هذه الشهادة الوثيقة من هذا الضابط الروسي لا تحتاج إلى تعليق مهما حاول الروس أن يثبتوا أنهم قد انتصروا على الشيشان، لقد دمر الروس جروزني هذا حق، وحولوا أجمل مدن القوقاز إلى خراب وأطلال ثم رفعوا العلم الروسي على بقايا القصر الجمهوري بها، في محاولة لإقناع أنفسهم أنهم أصبحوا منتصرين في الوقت الذي يدركون فيه جيدًا أنهم مهما أعلنوا عن انتصارات فسوف يظلون حتى في نظر أنفسهم هم المنهزمون.