العنوان ضربة «عين الصاحب»: رسالة أمريكية «إسرائيلية» لدمشق
الكاتب أحمد كرماوي
تاريخ النشر السبت 18-أكتوبر-2003
مشاهدات 57
نشر في العدد 1573
نشر في الصفحة 20
السبت 18-أكتوبر-2003
جاء الهجوم الإسرائيلي على منطقة عين الصاحب شمال غرب العاصمة السورية مفاجئًا ومؤشرًا على انتهاء مرحلة، وبدء مرحلة أخرى من المواجهة السورية الإسرائيلية، ربما ستكون لها انعكاساتها المؤثرة على المنطقة كلها، هذا الهجوم هو الأول من نوعه داخل سورية منذ انتهاء حرب أكتوبر عام ۱۹۷۳، توقيت الهجوم كان له دلالة أيضًا إذ جاء عشية الذكرى الثلاثين لحرب أكتوبر، وهي الحرب الوحيدة التي خسرها الكيان الصهيوني مع العرب منذ زرعه على أرض فلسطين.
الهجوم الصهيوني ليس له علاقة بالعملية الاستشهادية التي نفذتها فتاة فلسطينية من حركة الجهاد الإسلامي في أحد مطاعم مدينة حيفا الفلسطينية، والتي أدت لمقتل تسعة عشر شخصًا وإصابة نحو خمسين آخرين بجروح، وإن كانت التقارير الإسرائيلية بشأن الهجوم قد أشارت إلى أن الموقع المستهدف كان قاعدة تدريب عسكرية لحركة الجهاد الإسلامي، بعض التقارير ادعت أنها تستخدم من حركتي حماس والجهاد الإسلامي.
التلفاز الصهيوني بث فيما بعد شريطًا مصورًا للقاعدة من الأرشيف، وقال إنها تابعة للجبهة الشعبية، القيادة العامة التي يقودها أحمد جبريل وهو الصحيح، وهي قاعدة تقع في منطقة جبلية خارج العاصمة السورية وقريبة من الحدود اللبنانية، والصحيح أيضًا أنها كانت مهجورة وغير مستخدمة، وأن الصور التي ظهرت كانت تعود لسنوات طويلة، وأن الأسلحة الموجودة فيها لم تكن للاستخدام، بل كانت عبارة عن معرض داخل الكهوف لمختلف أنواع الأسلحة التي غنمتها جماعة أحمد جبريل خلال الحرب في لبنان ضد قوات الاحتلال والقوات اللبنانية المسيحية، إذًا فالربط بين الهجوم وبين عملية حيفا محاولة واهية وغير قائمة على أساس، خصوصًا أن حركتي حماس والجهاد الإسلامي ليس لهما أي قواعد خارج الأراضي الفلسطينية المحتلة، وأن كل العمليات التي تتم في العمق الصهيوني إنما تأتي من داخل المناطق الفلسطينية المحتلة.
ولم تسجل حتى الآن أي محاولة لحماس أو الجهاد الإسلامي للتسلل إلى داخل الأرض الفلسطينية المحتلة سواء من الأراضي السورية أو اللبنانية لسبب واضح وبسيط، وهو أنه ليس لهما أي عناصر عسكرية في هذين البلدين أو غيرهما، كما أنه ليس في إستراتيجيتهما مثل هذا العمل.
الضربة الإسرائيلية لسورية يمكن اعتبارها محاولة لتصدير أزمة شارون إلى الخارج بعد فشله في كبح جماح أعمال المقاومة والعمليات الاستشهادية في الداخل الفلسطيني؛ وذلك عن طريق إرسال رسالة إلى دمشق لوقف دعمها للمنظمات الفلسطينية.
جوناثان بيليد المتحدث باسم الخارجية الصهيوني قال في معرض تعليقه على الهجوم على سورية: «عليك أن تحارب الأفعى من رأسها حتى ذيلها هذا ما تفعله الولايات المتحدة أيضًا» أما إدارة الرئيس الأمريكي بوش فقد أثرت دعم الموقف الصهيوني من خلال السكوت علي جريمة شارون، وهي رسالة تعتبر استمرارًا لرسائل الضغط على سورية منذ إعلان الحرب على العراق، سواء خلال تلك الحرب أو بعدها، وبالتالي يمكن فهم الضربة على أنها رسالة أمريكية إسرائيلية مشتركة، خصوصًا أن إدارة بوش أيدتها ضمنيًا؛ إذ إنها لم تدنها، بل حاولت تبريرها من خلال كلمة مندوبها في مجلس الأمن السفير نجروبونتي الذي قال: «إن سوريا تقف في الجانب الخطأ للحرب على الإرهاب».
وإذا ما أضفنا إلى الأزمة الأمنية الإسرائيلية وجود أزمة أمنية أمريكية على الجانب الآخر للحدود السورية -أي في العراق- إضافة إلى الموقف السلبي لسوريا من خريطة الطريق الأمريكية التي قال عنها الرئيس الفلسطيني بأنها «ماتت»، فإنه يمكن اعتبار أن الضربة التي تلقتها دمشق كانت تحذيرًا عمليًا لسوريا لوقف ما تدعيه كل من تل أبيب وواشنطن من دعم سوريا لمنظمات فلسطينية ولبنانية، يصفها شارون وبوش بالمنظمات الإرهابية، كما أنها رسالة ردع لدمشق التي تتهمها واشنطن بدعم عمليات المقاومة العراقية التي تستنزف القوات الأمريكية في العراق؛ وذلك من خلال السماح بتسلل عناصر المقاومة الأجنبية إلى داخل الأراضي العراقية، وكان مسؤولون أمريكيون قد هددوا سورية بأنها ستحل محل العراق في محور الشر الذي يضم أيضًا إيران وكوريا الشمالية، وفي هذا السياق جاءت موافقة لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الأمريكي على مشروع قانون محاسبة سوريا، وإذا ما وافق الكونجرس على المشروع فستكون سوريا عرضة لتجميد أرصدتها في الولايات المتحدة، كما سيحظر بيعها معدات تكنولوجية متقدمة، أي أن واشنطن ستفرض مزيدًا من العقوبات الاقتصادية على دمشق.
وكالات الأنباء أشارت إلى أن الرئيس بوش اتصل هاتفيًا بشارون بعد الإعلان الإسرائيلي عن ضرب سورية، لا ليدين أو يحذر شارون من هذا العمل، وإنما لتقديم التعازي في ضحايا عملية حيفا التي وقعت قبل يوم واحد من الهجوم على عين الصاحب، وقد أعلن بوش أنه أوضح لشارون أن إسرائيل تملك كل حق في الدفاع عن نفسها، وأنها يجب ألا تشعر أنها مقيدة اليدين عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن نفسها، لكنه استدرك قائلًا إنه أبلغه أن من المهم ألا يؤدي أي عمل تتخذه «إسرائيل» إلى تصعيد الموقف وزيادة التوتر في المنطقة.
الضوء الأخضر الأمريكي للكيان الصهيوني لضرب سوريا من شأنه تفجير الموقف برمته، ونقل الصراع من جديد إلى ساحات أخرى يسمح معها للإرهابي شارون بملاحقة أو قصف من وما يريد في سوريا أو لبنان وغيرهما، وكما قال السفير الأمريكي السابق في دمشق إدوارد جيرجيان فإن ما أقدم عليه شارون يثير احتمالًا يبعث على القلق، وهو توسيع دائرة النزاع؛ إذ إن منظمة حزب الله اللبنانية موجودة في لبنان، ويمكن أن ترد بهجمات صاروخية على شمال فلسطين المحتلة، وادعى جيرجيان الذي عمل مؤخرًا مبعوثًا للإدارة الأمريكية لدى دمشق بأن سوريا اتخذت خلال الشهر الماضي بعض الخطوات استجابة للضغط الأمريكي، مثل: نقل مكاتب المنظمات الفلسطينية إلى خارج العاصمة دمشق، شارون يعلم جيدًا أن حركتي حماس والجهاد الإسلامي ليس لهما وجود مسلح أو معسكرات تدريب في سورية أو غيرها، وهو يعلم أن أي محاولة للضغط على سوريا لوقف دعمها أو تأييدها لهاتين الحركتين لن يؤثر على أعمال المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني، لكنه يريد تصدير أزمة حكومته التي يطالبها الشارع الصهيوني بحل المعضلة الأمنية، ووقف عمليات حماس والجهاد الإسلامي؛ ولذلك يشير المعلقون الإسرائيليون إلى أن شارون بفعلته ضد سوريا أدى مطلبًا شعبيًا صهيونيًا بالرد على عملية حيفا.
حكومة شارون فشلت في الرد على مثل هذه العمليات داخل الأراضي الفلسطينية؛ إذ أصبحت التوغلات في هذه الأراضي مسألة روتينية، وهي وإن كانت تؤدي الى سقوط المزيد من الضحايا من الشعب الفلسطيني إلا أنها غالبًا لا تأتي بنتيجة ملموسة، إضافة إلى أن قيادات حماس والجهاد الإسلامي في قطاع غزة نزلت تحت الأرض، كما أن سياسة الاغتيالات التي ينفذها شارون أصبحت تثير جدلًا أخلاقيًا حتى داخل المؤسسة العسكرية الصهيونية، فخرجت حالات تمرد ورفض للأوامر العسكرية من عشرات الطيارين الإسرائيليين الذين يعتقدون أن غالبية ضحاياهم هم من المدنيين الفلسطينيين، هذا الوضع ربما يكون دفع شارون إلى البحث عن مغامرة خارج حدود فلسطين المحتلة؛ ليرضي مطالب الشارع الصهيوني في ذكرى حرب أكتوبر.
وهذه النقلة المستجدة في الإرهاب الصهيوني دفعت حكام تل أبيب إلى البحث عن صيغ ومفردات جديدة ترضي الأمريكان في تبرير عدوانهم على سورية، فكان ادعاء رعنان غيسين مستشار شارون عن وجود محور إرهاب يمتد من طهران مرورًا بسوريا وحتى جنوب لبنان المراقبون يقولون إن سورية ليست من القوة؛ بحيث ترد على القوة بقوة مباشرة، لكنها مع ذلك تملك ورقة قوية جدًا وهي ورقة حزب الله في جنوب لبنان، والذي تقول المصادر الإسرائيلية إنه نصب مئات الصواريخ في الجنوب، وأنه قادر على ضرب كثير من المستعمرات والمناطق شمال فلسطين المحتلة، وربما كان التصعيد الذي شهده جنوب لبنان يوم الإثنين الماضي، وهو اليوم الذي تلا الهجوم الصهيوني على عين الصاحب مؤشرًا على أن لدى السوريين بعض الأوراق التي يمكن أن يلعبوا بها في مراحل معينة.
فقد أطلقت عناصر يعتقد أنها من حزب الله النار على جنود إسرائيليين من جنوب لبنان؛ فقتلوا جنديًا واحدًا، وقام جيش الاحتلال بقصف مناطق في الجنوب مما أدى إلى مقتل طفل لبناني، علما بأن هذه الجبهة ظلت هادئة لأكثر من ثلاث سنوات بعد انسحاب الجيش الصهيوني من جنوب لبنان، على أن انفلات الأمور على الجبهة السورية اللبنانية مع فلسطين المحتلة قد يجلب عواقب وخيمة على القوات الأمريكية في العراق أيضًا، خصوصًا إذا ما اختارت إيران دعم سورية وحزب الله في أي حرب محتملة مع قوات الاحتلال الصهيوني، فسورية وإيران لاعبان قويان في أوضاع العراق مما يعني مزيدًا من القلق الأمني للقوات الأمريكية هناك.
مسؤول أمريكي وصف السوريين بأنهم كانوا متعاونين مع الولايات المتحدة في مسألة أعضاء القاعدة، لكنهم لم يكونوا متعاونين في أي موضوع آخر على حد تعبيره، وهي من اللحظات الأمريكية النادرة التي يعترف فيها أحد في إدارة بوش بتعاون سورية في حرب واشنطن على عدوها الأول تنظيم القاعدة، لكن على هذه الإدارة أيضًا الإقرار بأن لا أحد من دول الطوق استطاع أن يحافظ على هدوء جبهته مع فلسطين المحتلة مثلما فعلت سورية على مدى ثلاثة عقود ونصف العقد، هذا الهدوء السوري كان يمكن أن يستمر، وكان يمكن لدمشق أن تسكت عن الجريمة الصهيونية في عين الصاحب لو مرت دون أن تعلن حكومة شارون عنها، فلدى دمشق من المشكلات مع واشنطن وتل أبيب ما يجعلها «تستوعب» و«تمتص» مثل هذه الرسائل الموجعة.
الضوء الأمريكي للكيان الصهيوني بضرب سورية سيفجر الموقف ويشجع شارون على قصف ما يريد في المنطقة.
صحيفة فرنسية: شيراك يتوقع خريفًا ملتهبًا في المنطقة.
أعرب الرئيس الفرنسي جاك شيراك عن خشيته من خريف ملتهب في الشرق الأوسط، ونقلت صحيفة «لوكانار أنشينيه» عن مسؤولين فرنسيين أن شيراك كان يتوقع الغارة على سورية، كما ينتظر غارات أخرى فوق الأراضي السورية واللبنانية، إضافة إلى احتمال قيام إسرائيل بقصف المفاعل النووي الإيراني، وتعتبر هذه الصحيفة الفرنسية -التي تصدر مرة في الأسبوع، ورغم أسلوبها الساخر- من أكثر الصحف اطلاعًا على تقارير سرية، وكانت أثارت في السابق فضائح سياسية وأمنية كبيرة ثبتت مصداقيتها فيما بعد، وقالت الصحيفة إن في الأسبوع الماضي، وقبل الغارة الجوية الإسرائيلية في سوريا، كان شيراك يعرب عن قلقه من تدهور عام في الشرق الأوسط، حيث سمعه الكثير من محادثيه يقول إنه ينتظر الأسوأ خصوصًا في نوفمبر المقبل، ويؤكد أنه يتوقع غارة إسرائيلية ضد سورية ولبنان المتهمتين بدعم حماس والجهاد، كما يؤكد أن اغتيال (رئيس السلطة الفلسطينية) عرفات هو على برنامج رئيس الوزراء الإسرائيلي إربيل شارون، وأن هذا الأخير يعد لشن غارات وقائية ضد إيران.