العنوان ضوابط في العمل الدعوي (4).. الحق وطريق النصر
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 14-نوفمبر-1989
مشاهدات 85
نشر في العدد 941
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 14-نوفمبر-1989
لا بد لمعرفة الحق من استخدام أدوات
ووسائل كثيرة منها الصدق والإخلاص مع النظر في الكتاب والسُّنة
ملاك الروح العالية حسن الاعتقاد وخشية من
الوقوف بين يدي الله سبحانه
درع أئمة السلف ودينهم هو الذي أوصلهم إلى
المكانة التي وصلوا إليها
بعد أن تحدث
فضيلة الشيخ جاسم مهلهل الياسين عن ضرورة التحصن بالعلم، وضرورة إبعاد عامة
المسلمين عن خلاف الفروع مع دعوتهم إلى أصول الدين فحسب، يتحدث في الحلقة الرابعة
من بحثه عن الضابط السادس في العمل الدعوي، وذلك حول قوة الحق والتمسك بها طريق
النصر في الدنيا والآخرة، وذلك كما يلي:
الضابط
السادس: قوة الحق والتمسك بها طريق النصر في الدنيا والآخرة:
إن معرفة الحق
أمر ليس بالسهل، فيحتاج إلى أدوات كثيرة، منها الصدق والإخلاص مع النظر في الكتاب
والسُّنة، يقترن ذلك بالدعاء لله أن يوفق للهدى والصواب.
والأمر بعد بيان
الحق أشق من الالتزام به مع كثرة المخالفين وتشعب الأهواء وتوزع المشارب، ولكنه في
النهاية إعزاز في الدنيا والآخرة، وهذا منهج سلفنا رضوان الله عليهم.
قال عامر بن
يساف: سمعت الأوزاعي يقول: إذا بلغك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث فإياك
أن تقول بغيره، فإنه كان مبلغًا عن الله تعالى، ومن مقولته هذه كان منهجه رحمه
الله.
قال محمد بن
كثير المصيصي: سمعت الأوزاعي يقول: كنا والتابعون نقول: إن الله تعالى فوق عرشه
ونؤمن بما وردت به السُّنة من صفاته: ويقول: عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس،
وإياك ورأي الرجال وإن زخرفوه بالقول، فإن الأمر ينجلي وأنت على طريق مستقيم(10).
ووضوح الحق
والقول به لم يكن عنده في حالة الأمن فقط، بل الأمر متسق في نمط واحد في جميع
الأوقات حتى في الأماكن التي تتطاير بها الرقاب، فها هو رحمه الله يحدث عن موقفه
بين يدي عبدالله بن علي عم السفاح في قوله: لما قدم عبدالله الشام وقتل بني أمية
جلس يومًا على سريره وعلى أصحابه أربعة أصناف، صنف بالسيوف المسللة، وصنف معهم
الجرزة، وصنف معهم الأعمدة، وصنف معهم الكافر كوب، ثم بعث إليَّ، فلما صرت إلى
الباب أنزلوني عن دابتي وأخذ اثنان بعضدي وأدخلوني بين الصفوف حتى أقاموني بحيث
يسمع كلامي.
فقال لي: أنت
عبدالرحمن بن عمرو الأوزاعي؟ قلت: نعم أصلح الله الأمير، قال ما تقول في دماء بني
أمية، قلت: قد كان بينك وبينهم عهود وكان ينبغي أن تفوا بها، قال: ويحك، اجعلني
وإياهم لا عهد بيننا، فأجهشت نفسي وكرهت القتل فذكرت مقامي بين يدي الله فلفظتها
فقلت: دماؤهم عليك حرام، فغضب وانتفخت أوداجه واحمرت عيناه فقال لي: ويحك ولم؟ قلت:
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا يحل دم امري مسلم إلا بإحدى ثلاث: ثيب
زان، ونفس بنفس، وتارك لدينه».
قال: ويحك، أو
ليس الأمر لنا ديانة؟ قلت: كيف ذاك؟ قال أليس كان رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم أوصى لعلي؟ قلت: لو أوصى إليه لما حكم الحكمين، فسكت وقد اجتمع غضبًا فجعلت
أتوقع رأسي يسقط بين يدي، فقال بيده هكذا أومئ أن أخرجوه، فخرجت فما أبعدت حتى
لحقني فارس فنزلت وقلت: قد بعث ليأخذ رأسي، أصلي ركعتين فكبرت، فجاء وأنا أصلي
فسلم، وقال: إن الأمير بعث إليك هذه الدنانير، قال: ففرقتها قبل أن أدخل بيتي(11).
ودين أولئك
الرهط وورعهم هو الذي أوصلهم إلى ذلك، قال الإمام أحمد عن ابن أبي ذئب: هو أورع
وأقوم بالحق من الإمام مالك، دخل على المنصور فلم يهبه أن قال له الحق وقال: الظلم
ببابك فاش وأبو جعفر، أبو جعفر(12).
وهذه سيرة السلف
رضوان الله عليهم مطردة قال ابن لهيعة: مرض يزيد بن أبي حبيب الأزدي فعاده،
الحوثرة بن سهيل أمير مصر فقال: يا أبا رجاء ما تقول في الصلاة في الثوب وفيه دم
البراغيث فحول وجهه ولم يكلمه وقام. فنظر إليه يزيد وقال: تقتل كل يوم خلقًا
وتسألني عن دم البراغيث(13).
والمتتبع لمثل
هذه الأمور يجد أن الدافع لها من هؤلاء الرهط هو الحرص على حقوق الله سبحانه،
وتحقيق ما ذكرنا يتضح فيها رواه المطلب بن السائب قال: كنت جالسًا مع سعيد بن
المسيب بالسوق فمر بريد لبني مروان. فقال له سعيد: من رسل بني مروان أنت، قال:
نعم، قال: كيف ترکت بني مروان؟ قال: بخير، قال: تركتهم يجيعون الناس ويشبعون
الكلاب فاشرأب الرسول فقمت إليه فلم أزل أزجيه حتى انطلق فقلت لسعيد يغفر الله لك
تشيط بدمك؟ فقال: اسكت یا أحيمق فو الله لا يسلمني الله ما أخذت بحقوقه(14).
الداعية
وطالب العلم
وهذه المواقف
يحتاجها الداعية وطالب العلم لتبقى هيبة الإسلام، روى حماد بن زيد عن أيوب قال:
مرض أبو قلابة بالشام فعاده عمر بن عبدالعزيز وقال: یا أبا قلابة تشدد لا يشمت بنا
المنافقون(15)، وهو السبب الذي جعل النبي صلى الله عليه وسلم يأمر
الصحابة رضوان الله عليهم بالرمل في عمرة القضاء(16)، وتصبر أبو قلابة
رحمه الله حتى مات بعريش مصر سنة أربع(17).
وقد ذهبت يداه
ورجلاه وبصره وهو مع ذلك حامد شاكر هؤلاء هم سلفنا رضوان الله عليهم نماذج يقتدى
بها في كل ظرف بحسبه، وهذا من قدر الله أن مرت عليهم جميع الأحوال التي من المتصور
مرور الجماعة الإسلامية عليها، وما أحسن تعبير سفيان الثوري في قوله: يقتدى بعمر
في الجماعة وبابنه في الفرقة(18)؛ يقصد حال الأمة في عافيتها وفتنتها
وهكذا كل واحد منها حفظ جماعة المسلمين من التفكك والضعف.
وملاك هذه الروح
العالية حسن في الاعتقاد وخشية من الوقوف بين يدي الله سبحانه، فهذا نصر الفتي
يأتي إلى سعيد بن حسان الصائغ فيجده يصلي متنقلًا يطول صلاته فينصرف مغضبًا
يتوعده. فلما أكمل صلاته، كلم في ذلك فقال: كنا بين يدي الله تناجيه. وسيكفينا
أمره من كنا بين يديه(19).
وهذا الوضوح في
الاعتقاد أن النافع والضار هو الله يدل على صفاء في التصور الاعتقادي الذي يعقبه
عمق في الخشية من الله سبحانه وتعالى وقبول في الدنيا والآخرة، قال ابن وضاح: حضر
عيسى ويحيى جنازة، فلما صلى عليها أقبل الناس على عيسى وحفوا به، قال له يحيى: ما
أشك أن الذي ألقى لك في قلوب الناس لخبيئة صالحة، قال اصبغ بن خليل، كان يقرأ على
عيسى فإذا مر بذكر الجنة والنار لم تنتفع به يومنا(20).
___________________
(10) تذكرة
الحفاظ (1/ 180)، ترجمة أبو عمر الأوزاعي.
(11) تذكرة
الحفاظ (5/ 185).
(12) تذكرة
الحفاظ (1/ 5) في ترجمة ابن أبي ذئب.
(13) تذكرة
الحفاظ (1/ 130) سيرة أبو رجاء يزيد الأزدي
(14) تذكرة
الحفاظ (1/ 55) سيرة سعيد بن المسيب.
(15) تذكرة
الحفاظ (1/ 94) أبو قلابة عبدالله بن زيد.
(16) انظر: سيرة
ابن هشام.
(17) تذكرة
الحفاظ (1/ 94).
(18) تذكرة
الحفاظ (1/ 38) ترجمة عبدالله بن عمر.
(19) ترتيب
المدارك، ص 22.
(20) ترتيب
المدارك، ص 19.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل