العنوان ضيوف الكويت في رمضان مع فضيلة الشيخ عبد اللطيف مشتهري
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 09-أكتوبر-1973
مشاهدات 74
نشر في العدد 171
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 09-أكتوبر-1973
فضيلة الشيخ عبد اللطيف مشتهري - المراقب العام ومدير المكتب الفني للوعظ بجمهورية مصر العربية - وضيف الكويت في شهر رمضان. التقينا به حيث يقيم، ووجهنا إليه بعض الأسئلة حول القضايا المتصلة بالحركة الإسلامية والتحديات التي يواجهها الإسلام، وأيضًا واجب المسلمين أمام هذه التحديات.
• كان سؤالنا الأول عن طبيعة وظيفة الوعظ كوظيفة إسلامية، وهل ثمة فروق بينها وبين وظيفة الخطابة؟
فأجاب فضيلته:
- نعم هناك فروق بين الخطابة والوعظ من ناحيتين، ناحية الشكل وناحية الموضوع، أما من ناحية الشكل فإن زمن الخطبة قصير، تطبيقًا لحديث الرسول عليه السلام: «من فقه الرجل قصر خطبته وطول صلاته، وإن قصر الخطبة وطول الصلاة مظنة من فقه الرجل». ذلك أن الإسلام يمجد إجادة الأعمال، ويكره كثرة الأقوال، وإذا غضب الله على أمــة أكثر من أقوالها وقلل من أعمالها وأتاها الخصومة والجدل» هذا من ناحية الشكل أما من حيث الموضوع فإن الخطيب مفروض فيه أن يكون معايشًا للقوم مدركًا لآمالهم وآلامهم، عالمًا بمنكراتهم الشائعة وعليه - بالتالي - معالجة هذه المسائل بالحكمة، والإحاطة أما الواعظ فالمقصود من وعظه تحريك النفوس وصقلها - بالوعظ العام - دون التحقيقات العملية، كما قال تعالى: ﴿وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ (النساء: 63). والقول البليغ ما بلغ شغاف القلوب وأثر فيها، وليس هو بالبلاغة اللفظية.
• واستدركت على فضيلته: هناك من يقول بأن الطريقة الخطابية أو الوعظية ذات تأثير وقتي، وأن المنهج العلمي - العقلي - هو الذي يجب اتباعه، فما رأي فضيلتك في هذا المنطق؟
- أجاب:
إن مثل هذا القول كمثل من يقول: أن الجسم يحتاج للطعام وحده أو للشراب وحده أو للعلم وحده دون مراعاة لمقومات الحياة الأخرى كجملة واحدة ومن المعلوم أن الإنسان مكون من بدن وعقل وقلب، ولكل منها غذاؤه الذي يصلح به، فالتحقيقات العلمية، والبحث في النظريات للوصول منها إلى حقائق هذا شيء - بالطبع - لا بد منه، وهو من خصائص العقل ومن مغذياته، وهو ضروري لترقية الحياة ماديًا، ولكن لا يمكن أن ينكر عاقل ما في الإنسان من مشاعر وأحاسيس ووجدان، وعاطفة دينية قاهرة، وهي لا تخضع لنظام العقل، بل هي من أمور الغيب وعالم الروح الذي يذاق ولا يوصف، وهذا القلب في حاجة إلى مذكر بالله وواعظ يحرك فيه ما جمد من المشاعر وما خمد من الأحاسيس وثمرة مراعاة هذه الناحية أن تنظم نشاط العقل حتى لا يشتط ولا يجور في ثمرات بحثه وقد رأينا - في الشرق والغرب - عقولًا جبارة حلقت في الأجواء وغاصت في أعماق الماء واستغلت خيرات الأرض، ولكنها لما خلت من غذاء القلوب، وشفافية النفوس كانت كالسفينة التي فقدت دفتها، فصار علمها مدمرًا لا معمرًا.
فلا بد - أخيرًا - للإنسان - كإنسان - من «بدن قوى وعقل نقي وقلب تقي» لكي يستكمل الإنسان عناصر بقائه ونمائه.
• وسألت فضيلته سؤالًا آخر متصلًا بالأسئلة السابقة.
قلت: علمنا أن لفضيلتكم - كداعية مسلم - بعض المواقف في مواجهة الإلحاد والانحلال فهل تشرح لنا بإيجاز بعض هذه المواقف؟ وهل هذا العمل من واجبات الداعية المسلم في أيامنا تلك، مع ما تعرفه فضيلتكم من ظروف العالم العربي؟
- فأجاب:
إن سؤالك هذا يعتبر - في رأيي - أهم الأسئلة التي يجب أن توجه لكل من يعمل في حقل الدعوة إلى الله وما أضل الجماهير وأضربهم إلا التملق الرخيص والمجاملة من بعض الدعاة إما رغبة وإما رهبة واما جبنًا وإما نفاقًا، ومن هنا تحولت الدعوة إلى مهنة واحتراف تطعم صاحبها فقط، دون أن يدفع مقابل هذا ما كلفه الله به من نصح في القول وإخلاص في الإرشاد.
وفي رأيي أن مهنة الدعوة - كمهنة الطب البشرى – فلو جامل الطبيب مرضاه - باسم الرحمة أو الملق أو الخوف لقضى عليه، وواجب الداعي أن يكون مع لطفه ولينه صريحًا مع المدعوين في نهيهم عن المنكرات دون لف أو دوران حتى يقيم حجة الله على عباده والداعي كالحارس ولا قيام للباطل إلا في غفلة أهل الحق.
وتجربتي العملية التي تكررت عشرات المرات «وأشهد الله على ذلك» أنني ما اشتددت في نهي عن منكر مهما كان مركز صاحبه مع حسن نيتي إلا وكانت العاقبة خيرًا، والمهم إخلاص الضمير في الجهر بالحق حتى يكون الله نعم المعين وقد قمت بحملة على سبيل المثال ضد امرأة مجاهرة «أمينة السعيد» وذلك حين أعلنت أمام رئيس ليبيا ورفقائه في ندوة الحوار السياسي اعتراضها على تعريض الرئيس القذافي بشارع الهرم وما جرى فيه من منكرات وفسوق، فقال بعض رفاقه: «أغلقوا شارع الهرم» فاعترضت هي وقالت: «لا لا نستطيع أن نمنعه لأننا بلد منفتح، لا بد أن نعطي كل إنسان حسب مزاجه» وكانت حملتي شديدة حتى وصلها - ووصل المسؤولين - آلاف برقيات الاحتجاج وأمثال هذه المواقف كثير لا داعي لذكره حتى لا نفقد ثوابه عند الله - وهي معروفة في مصر ؟
ولا يفوت هنا القول بأن توافد ألوف المستمعين لدروس من الرجال والسيدات والشباب والفتيات راجع إلى تشويق الجماهير إلى سماع كلمة الحق دون مواربة
ولم ينصرف الناس عن الدعاة - في الحقيقة - إلا لسلبيات بعضهم.
• هناك تجمعات مضادة للإسلام كثيرة فما أهم التجمعات العاملة ضد الإسلام في رأيك؟ وما السبيل إلى مقاومتها؟
- إن هناك أخطبوطًا مكونًا من ثالوث مدمر يتجمع فيه «الصهيونية العالمية والصليبية العالمية، والشيوعية، الملحدة»
وكل ما وراء هذا الثالوث من أفراد أو جماعات متحللة فإنما هم أذناب أو وكلاء لهذا الثالوث.
وأن قوة العقيدة الإسلامية في أي مكان من العالم الإسلامي كفيلة بإكساب الجسم الإسلامي فيه مناعة وحصانة ضد آثار هذا الثالوث، وقد رأيت في مصر - وغير مصر - أن ظهور رائحة هذا الثالوث في أي مكان تمنح المسلمين طاقات من المقاومة العنيفة کرد فعل للهجوم على الإسلام حتى شاهدنا بعض المتهاونين في بعض شعائر الإسلام تدركهم الغيرة والحماس الشديد لعقيدتهم، فيندفعون بكل قوة لصد ورد أي عدوان عليها.
والسبيل الواضح لتنظيم المقاومة ضد هذا الثالوث هو التوعية الدينية المستمرة المنظمة وبخاصة بين الناشئة الذين قد يتأثرون بالدعايات الوافدة عليهم وكذلك يجب منع الثقافات الأجنبية التي تحمل السموم للقلب والعقل الإسلاميين. كمجلات «الشبكة والصياد والكواكب» والمجلات الفكرية الملحدة.
ولا يحتج علينا هنا بحق الحرية، فإن الأمم الضعيفة في دور تقرير المصير ومقاومتها للاستعمار الثقافي والسياسي والعسكري لا بد لها من حصانة حتى يتم لها استقلالها الفكري والوطني وتستطيع أن تميز بين الضار والنافع في حرية دون تبعية.
• لكن ما واجب الصحافة الإسلامية نحو مقاومة هذا الثالوث في هذه الظروف؟
أجاب:
يؤسفني أن الصحافة الإسلامية من جرائد ومجلات - لا تتمتع بإمكانيات كافية كما تتمتع صحف الإلحاد والتحلل والتبعية التي تستمد مواردها من الخارج.
وواجب الصحافة الإسلامية أن تكون جريئة في كشف الباطل وأهله، وأن تضيء الطريق لكشف ألاعيب الذين يريدون بالدين أو الأمة الإسلامية سوءًا أو يكبلون حركة الشعب بنشر الانحلال والفساد، وحتى لو افترضنا أن هذه الصحيفة الجريئة صودرت أو أغلقت فإن إغلاقها سيكون أكبر خدمة منها لدعوة الحق، إذ ستكشف للرأي العام العالمي والمحلي ما عليه القائمون على الأمر من استبداد، فلا ينطلي - بالتالي - على الجماهير شعاراتهم في التهريج.
• في كتابكم: «أنت تسأل والإسلام يجيب» عالجت - فيما عالجت - ثلاث قضايا هي: قضية تطبيق الشريعة الإسلامية سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، وقضية التصدي للأفكار الوافدة، وقضية تأثير الصلاة والعبادات في الأمة الاسلامية مع أنها أمة مهزومة الآن.
فهل تتكرم وتوضح لنا - بإيجاز – ما سجلته، وما تراه في هذه القضايا الثلاث الهامة:
- أجاب فضيلته
بالنسبة للقضية الأولى وهي قضية تطبيق الشريعة الإسلامية فإن واقع المسلمين في المصدر الأول إلى امتداد قرون عدة يشهد بصلاحية هذا الدين لقيادة الأمة وتحقيق أزهى العصور الذهبية لها يوم أن كاوا مطبقين لها عقيدة وعملًا وعلاقات، حتى أتت ساعة تحدى فيها الحاكم المسلم السحاب قائلًا: أمطر في أي ناحية من الدنيا فسوف يأتيني خراجك، وفي عهد عمر بن عبد العزيز جمع يحيى بن سعد زكاة إفريقية، وكان عاملًا عليها، وأراد توزيعها فلم يجد فقيرًا يستحقها فأرسل للخليفة بذلك قائلًا «إن عدلك أغنى الجميع» فاستدعاه عمر وسأله عن حال الشعب المسلم في أفريقيا الإسلامية كلها . فقال يحيى «فقيرهم مجبور وغنيهم موفور وظالمهم مدحور، ومظلموهم منصور» فسر عمر بهذا التقرير عن حال شعبه وقال: والله لو لم تتحقق خصلة من هذه الخصال الأربع إلا ببتر عضو من أعضائي لبترته طيبة به نفسي» فالمشكلة الآن في عدم وجود الدولة المطبقة للإسلام تطبيقًا كاملًا.
وبالنسبة للقضية الثانية، وهي التصدي للأفكار الوافدة فإن العلماء يجب أن يعالجوا القضايا بجهر وعلانية، والفكرة لا تعالج إلا بفكرة - هذه حقيقة - لكن - مع ذلك - هناك من يثير أفكارًا لا بقصد البحث عن حقيقة بل بقصد فتنة الناس عن معتقداتهم وبلبلتهم بالمهاترات العقيمة إنه يريد الفتنة فقط فمثل هذا من صالح الدين والوطن التصدي له، ومنعه من نشر سمومه.
أما القضية الأخيرة فهي في الحقيقة قضية ربط بعض الناس الملحدين بين الانتساب الديني والعمل بالدين نفسه فمعظم ما نراه الآن من صور للدين والعبادات هي هياكل لا روح فيها، والله لا ينظر إلى الصور، وما من عبادة إلا ولمشروعيتها حكمة في تزكية النفوس وشحذها بطاقات القوة والبصيرة، فإذا كانت العبادات أشباحها وعملًا آليًا لم تولد ثمرتها المرجوة.
وكان الدين بريئًا من أصحابها، وهو غير مسؤول عما يلحقهم من هزائم، لأنهم ليسوا عائشين في رحابه - حقيقة - يتحمل هو تبعاتهم.
فالمطلوب هو إيجاد المسلم الحقيقي فردًا وجماعة ثم بعد ذلك يمكن المحاسبة على ما قدم الإسلام وأخر، ولعل في صفحات التاريخ الاسلامي ما يؤكد نوعية النتيجة المعروفة والمرتقبة بإذن الله.
كانت الساعة قد اقتربت من الواحدة والنصف صباحًا «أي اقتربنا من وقت السحور»، وكان الشيخ قد أمضي هذا الوقت معي بعد محاضرة طيبة له بجمعية الإصلاح الاجتماعي، وقد أحسست أنه مجهد من يومه الحافل بالعمل فاستأذنا حاملين بعض هداياه للفكر الإسلامي نسختين من كتابيه الأخيرين: «الصيام جنة وأنت تسأل والإسلام يجيب» شاكرين له - في الوقت نفسه - كرم خلقه.