العنوان طابا لعبة بين النظامين المصري والإسرائيلي
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 11-فبراير-1986
مشاهدات 59
نشر في العدد 754
نشر في الصفحة 31
الثلاثاء 11-فبراير-1986
أحال مجلس الوزراء الإسرائيلي، بعد جلسه استمرت نحو 12 ساعة، موضوع النزاع حول منطقة طابا، بين مصر وإسرائيل، إلى التحكيم الدولي، واشترط القرار تنفيذ عدد من الالتزامات والتعهدات تقدمها مصر، في سبيل قبول إسرائيل لموضوع التحكيم الدولي، وقد علق الدكتور عصمت عبد المجيد وزير الخارجية المصري على القرار الإسرائيلي بأنه يعد «موقفًا إيجابيًا وبناء ونحن نقدره» في حين رفض الشروط التي طلبتها إسرائيل لتنفيذ القرار، وقال إنه ينبغي مناقشة التفاصيل الأخرى التي وضعتها إسرائيل لقبول مبدأ التحكيم، كذلك رفضت لجان مجلس الشعب المصري هذه الشروط، ووصفتها بأنها لا تخدم الاستقرار والسلام بين البلدين، ونددت في الوقت نفسه بالممارسات الإسرائيلية في مدينة القدس وبخاصة تجاه المسجد الأقصى، وقالت «إن مثل هذه الممارسات تؤثر تأثيرًا سلبيًا على موضوع السلام».
تثار حاليًا على مستوى العلاقات بين مصر والإسرائيليين قضية طابا المتنازع عليها بين الحكومتين!!
والواقع أن إسرائيل قد نجحت تمامًا في جعل النزاع حول الحدود في منطقة طابا المصرية «قضية» لا بد لها من حل، ولا بد من جدول زمني لعقد اتفاق حول الحل، ثم جدول زمني آخر لتنفيذ هذا الاتفاق.. وهكذا استطاعت إسرائيل أن تحول عددًا من القضايا الرئيسية والجوهرية من دائرة «الاهتمام» إلى دائرة «النسيان» على المستوى الرسمي العربي، فالحديث الدائر الآن على المستوى الرسمي للجانب المصري، مثلًا، يدور حول «قضية طابا» والنزاع حولها، وهل تقبل إسرائيل قرار الموافقة على إحالة الموضوع إلى التحكيم الدولي أم لا، وعندئذ يتضاءل- أو يتلاشى- الحديث عن تحرير فلسطين كل فلسطين، وهي كانت قضية العرب الأولى في سنة 1948، ثم تراجعت الاهتمامات إلى المطالبة بتحرير الأراضي العربية التي احتلت عقب هزيمة يونيو 1967، ثم تراجعت إلى طلب إعطاء الضفة الغربية وقطاع غزة نوعًا من الحكم الذاتي، حتى صار «إيجابيًا» لدى البعض أن تقبل إسرائيل قرار إحالة النزاع حول طابا المصرية إلى التحكيم الدولي، وأن توافق عليه، حتى مع فرض الشروط مع أن إسرائيل تعلم تمام العلم أنها، ليست لها أية «حقوق» في منطقة طابا، أو لها سند قانوني وإلا ما كانت تقبل من مصر طلبًا لعرض الأمر على التحكيم الدولي، ورغم ذلك فهي تستغل مشكلة طابا، من باب الضغط على الجرح، لتحصل على أكبر قدر من المكاسب، ومن «التطبيع» بين الشعب المصري وأبناء صهيون.
لماذا الخلاف إذن؟!
ولأن إسرائيل تعلم تمامًا أن إحالة الموضوع للتحكيم، معناه عودة منطقة طابا إلى مصر، فقد ذكرت في البند السابع من قرار قبول التحكيم ما نصه «يتم الاتفاق على التسويات التي ستطبق على طابا بعد نتائج التحكيم، وتتضمن هذه التسويات حرية الدخول إلى طابا، والتسويات الأمنية بالنسبة للمنشآت الموجودة». وهي منشآت بنتها إسرائيل في أرض طابا وهي تعلم أنها ستكون في يوم من الأيام أداة ضغط على السياسة المصري، في سبيل تقدم مزيد من التنازلات.. فهي تطلب حرية الدخول إلى طابا، حتى بعد عودتها إلى السيادة المصرية.. إذن فما هو أصل الخلاف؟! وتطلب إسرائيل كذلك عودة السفير المصري إلى إسرائيل قبل إعلان نتائج التحكيم وكذلك تحسين العلاقات وأن يتم وضع جدول زمني لتنفيذ الاتفاقيات الخاصة بين البلدين في مجالات التجارة والسياحة والمواصلات والطيران المدني و«الثقافة» و«الحوار السياسي»، والأعجب أن تطالب إسرائيل كذلك بأن تعمل مصر على منع الدعاية المعادية لها داخل وسائل الإعلام المصرية، وأن تعمل مصر على إبراز إسرائيل في وسائل الإعلام المصرية!!
وإسرائيل تسعى لأن تجد قناة مفتوحة تؤثر بها في الشعب المصري، فهي مقتنعة تمامًا أن حكاية «التطبيع» لا تتعدى أفواه المسئولين السياسيين، وأنه إذا تغيرت الأنظمة، فمن السهل جدًا، بل من الطبيعي أن تتغير العلاقات بين مصر وإسرائيل، ولأنها تعرف كذلك أن الأنظمة العربية في أكثر بلدان المواجهة معها، لا تعبر حقيقة عن ضمائر شعوبها، من هنا تسعى إسرائيل للتأثير المباشر، والتغلغل في قلب المجتمع المصري، كوسيلة لاكتشاف نقاط الضعف ومحاولة السيطرة على نقاط القوة عن طريق الفتن واستخدام كافة الأسلحة المعنوية.
اعتداء على المسجد الأقصى
ثم من قال إن إسرائيل نفذت طلبات مصر الثلاثة، وأهمها الانسحاب الكامل من لبنان وتحسين أحوال المواطنين العرب في الضفة الغربية كخطوة للأمام نحو حل المشكلة الفلسطينية؟! بل إن قرار مجلس الوزراء الإسرائيلي، يأتي في الوقت الذي يقتحم فيه نواب الكنيست الإسرائيلي- تحت رعاية الحكومة- ساحات المسجد الأقصى، ويتحرشون بالمصلين هناك، ولا يهمهم- كالعادة- ما يسمى بالرأي العام العالمي أو حتى مشاعر المسلمين في مختلف بقاع العالم، أو حتى الاعتبارات السياسية البسيطة في فترة إقناع مصر بمزيد من «التطبيع» في العلاقات بين البلدين..
فهل تقبل مصر شروط إسرائيل لإحالة موضوع طابا، إلى التحكيم الدولي، وهل تخضع لمحاولات الابتزاز التي تمارسها إسرائيل، بتأييد من الولايات المتحدة الأمريكية، أم ستعلن مصر رفضها الكامل لكل طلبات إسرائيل في هذا الصدد، غير عابئة بالضغط الأمريكي الاقتصادي والسياسي والإعلامي؟! هذا ما سوف تكشف عنه الأيام القادمة، بعد المباحثات التي تجري في القاهرة هذا الأسبوع حول «قضية» طابا!