; طاجيكستان المسلمة والمخاض الصعب | مجلة المجتمع

العنوان طاجيكستان المسلمة والمخاض الصعب

الكاتب عبدالحق حسن

تاريخ النشر الثلاثاء 03-نوفمبر-1992

مشاهدات 54

نشر في العدد 1023

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 03-نوفمبر-1992

كشفت الأحداث الدائرة الآن في طاجيكستان بين أنصار الرئيس الشيوعي المخلوع رحمن نييف والتحالف الإسلامي الديمقراطي أبعاد الصراع الدائر في واحدة من أهم جمهوريات آسيا الوسطى، فلم يقف التاريخ مذهولًا مثلما وقف أمام قصة اعتقال شعوب بكامل رموزها لمدة سبعين عامًا.. اعتقال الأرض والشعب والثقافة والدين.. اعتقال جماعي للشعوب الإسلامية في أوزبكستان وقيرغيرستان وأذربيجان وغيرها، ورميها وراء السور البلشفي الشيوعي تحت دعاوى الأممية العالمية وإزالة الفوارق العرقية والنعرات القومية وصهرها تحت لواء الاشتراكية.

هكذا غُيب الوعي لدى الشعوب الإسلامية هناك حتى استيقظت بعد تفكك إمبراطورية القياصرة فلم تنل من التركة سوى الفقر والجهل والتخلف، وكان لشعب طاجيكستان النصيب الأكبر من هذه التركة السوداء سبعين عامًا يتيه في صحراء طاجيكستان القاحلة، والتي لم تتحول إلى مروج خضراء كما بشرتهم أبواق الشيوعية عقودًا من الزمان، وأطلال قراهم لم تبارح ملامحها كآبة القرون الوسطى.. المدن يضربها التخلف وأكبر أحيانها لا يرقى إلى مستوى أحقر أحياء موسكو.. وشاء الله أن ينعتق هذا الشعب في هجمة على إمبراطورية البلاشفة الروس شتت فيها شملهم وعرى بها سوء معتقدهم.. في هجمة لو حشد لها المسلمون قاطبة كل ما يملكون من عدة وعتاد ما استطاعوا أن يقوموا بتحريرها.. ولكن الله رمى: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (الحشر: 2) بعدئذ خرج خمسة ملايين طاجيكي من المعتقل الشيوعي وهم لا يصدقون ما آل إليهم من تركة الإمبراطورية البلشفية.. فمن ضمن عشرات الألوف من طياري الاتحاد السوفيتي لم يعثروا إلا على سبعة طيارين من الطاجيك.

ومن مئات الآلاف من الأطباء والمهندسين والمعلمين والخبرات المدربة.. لم يجدوا إلا ما يعد على الأصابع ومازال معظمهم يهذي كالببغاوات بعبارات الماركسية والوحدة الأممية، لا يدري ما جرى في الكرملين من تغيرات وما الذي يجري حاليًا من مؤامرات.. خمسة ملايين طاجيكي حيارى يتلمسون طريقهم في نفق مظلم لا يعرف آخره.. لا جيش يحرسهم ويشعرهم بالأمن.. فالدبابات والطائرات والأسلحة الثقيلة مازالت هناك في أيدي الروس على مشارف المدن.. ويتساءل الطاجيكي البسيط.. قالوا لنا: أصبحنا دولة مستقلة فلم لا ترحل قواتهم عن بلادنا مثلما رحلت عن دول البلطيق؟ فماذا يريدون من بقائهم هناك؟ يزعم الروس أن هناك نصف مليون روسي من الخبرات العالية المدربة تسيطر على المناطق الحساسة في البلاد.. 

ويتساءل المراقبون إذن: فما معنى الاستقلال الذي منحه الكرملين للدول التي انتظمت سابقًا في دولته؟ ويرد الروس بتحد: وحتى لو رحلنا من طاجيكستان فالجميع هناك يعلم أن تسعين بالمئة من اقتصادها في يدنا، فكل احتياجاتهم من الغذاء والكساء والدواء يأتي من موسكو.. لقد صدق العالم أنباء استقلال الدول التي شكلت الاتحاد السوفيتي سابقًا.. ويقصد الروس بالعالم أي العالم الغربي الذي أيد فكرة استقلال الدول المسيحية وأحاطها بالرعاية وأطلق يد الروس في الدول الإسلامية.. ومن هنا يلوح الروس بالحصار الاقتصادي إذا ما تمرد الطاجيك وشقوا عصا الطاعة عن الخيار الذي تريده موسكو وباركه الغرب الصليبي؛ وهو إما اشتراكية ملحدة خرجت أفكارها من نتاجات البروستاريكا تتكيف مع اقتصاد السوق، ولا تفقد ميزة النظام الشمولي، أو علمانية على النهج التركي، وأي توجه آخر سيتضافر الجميع على وأده بكل سبيل، فهل يا ترى يستطيع المسلمون بقيادة حزب النهضة أن يجتازوا هذا الخيار الصعب؟!

حزب النهضة وسياسة النفس الطويل

بعد سقوط ثمانمائة مسلم في معركة استمرت خمسة أيام في شهر سبتمبر من العام الماضي ثمنًا لهدم تمثال لينين وإزالته من الميدان الذي يحمل اسمه يثار تساؤل: كم من الأرواح یا تری ستزهق ثمنًا لسقوط بقية الرموز الشيوعية؟

الواقع اليومي يقول أرقامًا مرعبة، فكلا الطرفين له مليشياته المسلحة.. فالشيوعيون يتركزون في ولاية كويلاب وخوقند ويهددون بالانفصال إذا ما سيطر المسلمون على البلاد.. هذه معضلة تواجه المسلمين هناك.. ويزداد الأمر تعقيدًا إذا أحكمت موسكو حصارها الاقتصادي على البلاد وأغلقت الحدود مع أفغانستان التي يقال: إن عمليات تهريب السلاح تأتي من هناك.. بل إن الأمور وصلت إلى أن تتداعى السلطات الشيوعية في الجمهوريات الإسلامية الأخرى وتعقد مؤتمرًا في البشكيك عاصمة «قرغيرستان» لمناقشة التطورات التي تجري في طاجيكستان واتخاذ الإجراءات الكفيلة لمنع وصول الإسلاميين إلى السلطة حتى لا تقوى المعارضة الإسلامية عندهم، علاوة على أن الرئيس المخلوع رحمن نييف موجود حاليًا في موسكو لإجراء مشاورات مع الروس حول إيجاد السبل لمواجهة ما يسمونه أخطار المتطرفين، وإذا اجتاز المسلمون كل خنادق النار هذه فستبقى أمامهم نقطة الضعف التاريخية التي كانت سببًا في كل نكبات المسلمين، وهي ورقة العرقيات، فخمس وعشرون بالمئة في طاجيكستان من عرقيات أخرى، ولذلك من المتوقع أن تثار مشاكل عرقية بين الطاجيك والأوزبك في الداخل بتشجيع من موسكو والغرب لتمتد آثار هذه الحرائق إلى أفغانستان والمنطقة كلها؛ نظرًا إلى التوزيع المعقد في المنطقة للسكان والحدود.. العرقيات نقطة الضعف التاريخية في التجمعات الإسلامية.. 

والأعداء للأسف يجيدون استخدامها، والمسلمون يجيدون التجاوب السريع معها كما تداعى الأنصار والمهاجرون ورسول الله بين أظهرهم، ولا حل لهذا المرض العضال إلا بالعودة إلى كتاب الله وتعزيز روابط العقيدة والتنبه إلى هذا المزلق العرقي الخطير.. وهنا يتساءل «أردوحاج» أحد زعماء حزب النهضة: «كيف تقوم دولة إسلامية في بلد افتقد القاسم الأعظم من سكانه أبسط المعلومات عن دينهم بعد سبعين عامًا من الشيوعية»؟ أجل الطريق طويل والمخاض عسير.. إذا كان مجرد الاعتراف بحزب النهضة كحزب مشروع ومعلن له حق المشاركة في الانتخابات البرلمانية في ديسمبر القادم، كلف كل تلك الدماء والشهداء فإن تحقيق باقي البرنامج لحزب النهضة لن يتم كما يؤكد بعض المراقبين- بسياسة النفس الطويل وبالأسلوب الديمقراطي.. إلا أن قول فرخاندوف محمد رجب أحد الأعضاء المؤسسين لحزب النهضة: «إنه لابد أن ننتظر عشرين عامًا أخرى على الأقل لكي يمكننا إعلان أن طاجيكستان أصبحت دولة إسلامية بكل ما تحمله كلمة إسلامية من معنى، وهذا قول له ما يبرره، لكن هل سينتظر الأعداء ولو عشرين شهرًا خاصة بعد انتخابات ديسمبر والتي من المتوقع أن يفوز فيها حزب النهضة بنسبة كبيرة؟! فليسالوا جبهة الإنقاذ في الجزائر.

دور الغرب وعملاؤهم

إن أحد النماذج المطروحة أمام الجمهوريات الإسلامية المستقلة شكلًا عن روسيا القيصرية هو النموذج العلماني التركي، وهو تقييد حركة الإسلام وتجميده في المساجد، أي «تنصير الإسلام» وإقصاؤه عن حياة الناس ومعاملاتهم، وهذا ما يريده الغرب ويغري به الزعماء الشيوعيين، ولعل رفض جيمس بيكر وزير الخارجية الأمريكية الالتقاء مع ممثلي المعارضة من التيار الإسلامي لدى زيارته إلى «دوشنبيه» في فبراير الماضي يعد بمثابة تدشين للدور الأمريكي، وفي ثناياه -بالطبع- الدور الصهيوني.. هذا الرفض أسال لعاب رحمن نييف الرئيس الطاجيكي المخلوع الذي راح يؤكد لصحيفة برافدا يوم 9/ 4/ 1992 «لن تكون دولة طاجيكستان دولة إسلامية بل علمانية»، وأخذ يردد نفس العبارات التي اعتادت الشعوب الإسلامية سماعها من رؤسائها العلمانيين «إنه مسلم.. ولكن لا ينبغي أن يتدخل الدين في شؤون الدولة»، وهذا التحريض سمعه رئيس قرغيرستان من رئيس مجلس أمة لدولة إسلامية زاره مؤخرًا وبأسلوب الناصح الأمين يقول: «سيدي الرئيس، إن نظام الحكم الديني لا يناسبكم وستجنون فوائد جمة من النظام العلماني.. إن نظام الحكم الديني خطر عليكم»!

ولا أدري ما الفوائد التي جنتها الشعوب الإسلامية من الأنظمة العلمانية؟!

إن رحمن نييف ورؤساء الجمهوريات هناك من فلول الشيوعية جميعهم بدون استثناء يلهثون وراء تحقيق أهداف الغرب، ولا حاجة عندهم لسماع النصح ممن يجوبون عواصم الدنيا -وهم من بني جلدتنا ويتزيون بزينا ويتكلمون بلغة القرآن- يحرضون ضد الصحوة الإسلامية، فما إن تقلع طائرتهم من الجزائر حتى تهبط في وسط آسيا يرددون نفس التحريض والخبث المشين ويقدمون المشورة والخبرة العملية لوأد طلائع الإسلام.. فأي عار ينتظر أمثال هؤلاء في يوم تشخص فيه الأبصار؟!

ويأتي الدور الصهيوني ليستثمر كل أدوات الصراع لإبراز الكيان الصهيوني كقوة إقليمية شرق أوسطية تتفوق في إمكانياتها على إيران وتركيا، ولا وزن للعرب في هذا الدور خاصة بعد حرب الخليج التي أجهضت تمامًا أي أمل للعرب ولو القيام بدور داخل أوطانهم، والفضل يرجع لجلاوزة حزب البعث وفلاسفته الذين قاموا بالدور خير قيام.

ولا تنتظر الاستراتيجية الإسرائيلية نتيجة الدراسات الصادرة في الكونجرس أو تقارير وكالة المخابرات المركزية هناك، بل تحركت بالفعل، والجولة التي قام بها أرييه ليفي السفير الصهيوني في موسكو في أربع جمهوريات إسلامية هي كازاخستان وطاجيكستان وقرغیرستان وأوزبكستان في فبراير الماضي خير شاهد على التحرك النشط الذي تبديه إسرائيل على المستويات الاقتصادية والتكنولوجية، بل والثقافية أيضًا، وذلك في غياب الدور العربي الذي اقتصر على قيام بعض الوفود -كما أشرنا- بالتحريض ضد الصحوة الإسلامية وإسداء النصح بانتهاج النظام العلماني.. أعدت إسرائيل برنامجًا واسعًا تحت اسم «دعم برنامج إصلاحات اقتصادية مشتركة وسط آسيا» بالتعاون مع الولايات المتحدة وربما روسيا، ولا تخفى تلك اللقاءات المطولة للرئيس المخلوع رحمن نييف مع أركان السفارة الإسرائيلية في موسكو لتنفيذ هذا البرنامج، يلاحظ أن ميول نييف الشيوعية لا تصطدم مع المصالح الأمريكية في هذه المنطقة.

وترقبًا لانتخابات سبتمبر القادم.. تعمل كل تلك الأطراف الروسية منها والأمريكية والصهيونية والكوادر الشيوعية ضد التيار الإسلامي الذي يقف وحده أمام تلك القوى، وبالرغم من دعم الأحزاب الإسلامية لنظام التعددية وموافقتها على المشاركة في هذا النظام إلا أن الأحزاب الديمقراطية المعارضة لا تخفي إصرارها على تبني العلمانية منهج حياة وطريقة حكم، وإزاء كل هذه التحديات يصبح الطريق صعبًا والمخاض عسيرًا أمام التيار الإسلامي في طاجيكستان.

وقد يقنع رواد ذلك التيار بالتحرك في مجال الدعوة والتربية كما يؤكد بعض قادتهم ذلك.. بينما تنجرف المنطقة كلها في حريق هائل تذكيه روح العرقية وتعلو فيه النعرات القبلية على مثالية الإسلام في الإخاء والوحدة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

4364

الثلاثاء 24-مارس-1970

فلسطين