العنوان طاجيكستان بعد معارك الشمال: سلام شامل أم تحالفات جديدة؟
الكاتب مطيع الله تائب
تاريخ النشر الثلاثاء 17-نوفمبر-1998
مشاهدات 66
نشر في العدد 1326
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 17-نوفمبر-1998
- لعبة التوازنات الصعبة للرئيس الطاجيكي بين تحديات الداخل وحسابات الخارج
- هل يفي رحمانوف بوعوده للمعارضة الإسلامية بعد وقوفها معه في معركة «خوجند»؟
عاشت ولاية لينن أباد وعاصمتها مدينة خوجند طيلة سنوات الحرب الأهلية في منأى عن الحرب، وتبعاتها الثقيلة، إلا أنها خاضت أخيرًا هذه التجربة، وذاقت مرارتها حينما قامت القوات التابعة لمحمود خداي بيرديوف أحد معارضي الرئيس رحمانوف يوم ٤ من نوفمبر الجاري بالاستيلاء على عاصمة الولاية وعدة مدن أخرى، ثم تمكنت القوات الحكومية بمساعدة قوات المعارضة الإسلامية، وبعد ٦ أيام متواصلة من المعارك من إعادة السيطرة على تلك المدن والقضاء على ثورة خداي بيرديوف الذي فر مع قواته المتبقية إلى أوزبكستان حسب المصادر الحكومية في دوشنبيه.
نجاح الحكومة الطاجيكية في القضاء على ثورة محمود خداي بيرديوف، يعتبر بلا شك إنجازًا لصالح الرئيس رحمانوف وحكومته ولصالح مشروع السلام الموقع بين الحكومة والمعارضة المتحدة، ولكن تتبقى في الوقت نفسه مواجهة الآثار الناجمة عن أزمة الشمال تحديًا كبيرًا للرئيس رحمانوف الذي يخوض معركة الموازنات الصعبة على الصعيدين الداخلي والإقليمي.
لماذا خوجند؟
هذه ليست المرة الأولى التي يقوم فيها العقيد محمود خداي بيرديوف بعمليات عسكرية ضد الرئيس رحمانوف، إذ كانت له أعمال مماثلة حين كان يرأس الفرقة الأولى المدرعة للجيش الطاجيكي المستقرة في ولاية قرغان تيبة جنوب البلد، وفي كل مرة كان يملي مطالبه على الرئيس رحمانوف الذي كان يقاتل آنذاك ضد المعارضة في شرق البلد، وكان في حاجة ماسة إليه.
وبعد التوقيع النهائي على مشروع السلام بين الحكومة الطاجيكية والمعارضة في موسكو في يونيو ١٩٩٧م، قام خداي بيرديوف الذي ينتمي إلى الأوزبك الذين يشكلون 23% من سكان طاجيكستان في أغسطس ١٩٩٧م بعمل عسكري شامل ضد رحمانوف مطالبًا بجعل العاصمة دوشنبيه منزوعة السلاح، وعدم السماح لقوات المعارضة بالدخول إليها، غير أن القوات الحكومية تمكنت من القضاء على ثورته المسلحة وتمكن «دوستم» طاجيكستان من الفرار إلى أوزبكستان التي يستمد الدعم منها في صراعه ضد رحمانوف.
وفيما كانت الحكومة تتوقع قيام خداي بيرديوف بعمليات في جنوب البلد، حيث معقله الأساسي، ظهر في الشمال وتمكن من الاستيلاء على عدة مدن أساسية، ومطار، وبنايات حكومية خلال ساعات من المعركة صباح يوم ٤ من نوفمبر الجاري، مما أثار سؤالًا لدى الجميع هو: لماذا خوجند بالذات؟
تكمن أهمية خوجند في ثقلها الديمجرافي، ومكانتها الاقتصادية وتاريخها السياسي إذ يقطن في الولاية ثلث السكان، ويقع فيها أكثر من 60% من صناعات الجمهورية، وتعتبر العمود الفقري للاقتصاد الطاجيكي، كما يشكل معظم أبناء هذه الولاية دعامة البيروقراطية الطاجيكية نظرًا لسيطرة الخوجنديين على مقاليد أمور الجمهورية طيلة الحكم السوفييتي الشيوعي.
وبعد استقلال طاجيكستان في عام ١٩٩١م، وما حدث من قلاقل وحرب أهلية، سيطر أبناء الجنوب من إقليم كولاب على الحكم، وبقي الخوجنديون شركاء من درجة ثانية، مما أدى إلى خلق أجواء من التوتر بين الولاية والمركز.
وعكست مظاهرات ومسيرات محدودة جزءًا من هذا التوتر الذي وصل إلى قمته في أبريل ۱۹۹۷م، حينما تم إلقاء قنبلة يدوية على الرئيس رحمانوف في أثناء زيارته لجامعة خوجند، وألقي القبض في إثر الحادث على شقيق رئيس الوزراء السابق، والمنافس الرئاسي لرحمانوف في الانتخابات عام ۱۹۹٤م، عبد الملك عبد الله جانوف، الذي يرأس حزبًا سياسيًا ويقيم في طشقند العاصمة الأوزبكية حاليًا.
ومن هذا المنطلق، يبدو أن محمود خداي بير ديوف ظن أن أي حركة مسلحة قوية ضد الحكومة في خوجند قد تجد قاعدة شعبية، وتتحول إلى ثورة شعب، وبالتالي إذا استطاع أن يحرك شعب ولاية خوجند «لينن آباد» فإنه بالتأكيد يمكنه إملاء شروطه على رحمانوف نظرًا لأهمية خوجند الاقتصادية والجيواستراتيجية بالنسبة للجمهورية، كما أنه اختار هذا التوقيت في بداية الشتاء، لأنه تغلق فيه الطرق المؤدية من العاصمة دوشنبيه نحو الشمال، التي تمر عبر جبال زرأفشان وممر عنزاب، مما يصعب على قوات رحمانوف أن تستخدم هذه الطرق في الوصول إلى الشمال.
إلا أن حسابات خداي بيرديوف كانت خاطئة، إذ لم تجد حركته العسكرية- برغم تقدمها المذهل في الأيام الأولى- أي تأييد شعبي، بل بقيت منعزلة وقد استطاعت الحكومة إرسال قوات عسكرية جوًا إلى بعض المطارات التي كانت تحت تصرفها، وتمكنت خلال ٦ أيام من المعارك الضارية من القضاء على قوات خداي بيرديوف وإجبارها على التقهقر إلى الوراء نحو الأراضي الأوزبكية بعد تكبد خسائر فادحة في الأرواح والعتاد.
وينبئ إعلان الحكومة الطاجيكية عن فرار العقيد محمود وقواته إلى الأراضي الأوزبكية، ومطالبة الرئيس رحمانوف بتسليم «المجرمين» من قبل دول الكومنولث «CIS»- دون الإشارة إلى أوزبكستان صراحة- عن وقوع توتر بين الجمهوريتين.
وحتى هذه اللحظة تتجنب حكومة رحمانوف الصدام مع جارتها التي بدأت علاقتها معها في التحسن منذ بداية العام الجاري بعد توتر دام خمس سنوات، لكن الصحافة المحلية وبعض العناصر الحكومية لا تتورع عن توجيه أصابع الاتهام نحو الرئيس الأوزبكي كريموف في زعزعة الأوضاع الطاجيكية، ودفع خداي بيرديوف لمثل هذه الحرب، وتوفير ملجأ أمن لمعارضي رحمانوف، وتقديم الدعم المالي والعسكري لهم.
والحقيقة أن الاتهامات المذكورة لم تنشأ من فراغ، بل إن الواقع يؤيدها وربما كان انسحاب قوات محمود خداي بيرديوف إلى أوزبكستان خير دليل على هذا الأمر، وفي الواقع وضع الحكومة الأوزبكية في موقف حرج بعد نفي السلطات في طشقند الأنباء التي ظهرت في الأيام الأولى من الحرب في خوجند وتقول إن أوزبكستان هي التي أرسلت هذه القوات، وفي حين نفت طشقند هذه الأنباء، أعلنت وقوفها بجانب رحمانوف وتقديم الدعم اللازم له في محاربة خداي بيرديوف.
أما اليوم حينما يطالب رحمانوف بتسليم المجرمين وعلى رأسهم عبد الملك عبد الله جانوف رئيس الوزراء الأسبق، ومحمود خداي بيرديوف ويعقوب سليموف وزير الداخلية الأسبق، و١٥ شخصًا آخرين من المعارضة الشمالية، فإن على طشقند أن تحدد موقفها.
دوافع كريموف
وفيما يراه المراقبون فإن رغبة كريموف في زعزعة الأوضاع في طاجيكستان ناشئة من عدم تحمله لمشاهدة تجربة ديمقراطية ولو نسبية على حدود أوزبكستان، كما أنه لا يريد أن يرى دولة قوية ومستقرة في طاجيكستان، لما لها من تأثير على مشاعر الطاجيك الساكنين في أوزبكستان، ولا سيما أن هناك توجهًا قوميًا في طاجيكستان لاسترداد مدن بخاري و سمرقند اللتين تشكلان مهد الحضارة الطاجيكية في آسيا الوسطى، وضمتا إلى أوزبكستان في عام ١٩٢٤م في إطار التقسيمات الشيوعية في عهد ستالين.
وقبل هذا كله يرى كريموف أن عودة المعارضة الإسلامية في طاجيكستان إلى الحكم ولو كمشاركة بسيطة تعتبر دعمًا للأصولية الإسلامية في المنطقة، وهذا من شأنه أن يزعزع أوضاع المنطقة جميعها.
ولما كان كريموف يمثل رأس الحربة في محاربة الأصولية الإسلامية في المنطقة، ويعاني اضطرابات في وادي فرغانة وولاية نمنجان إثر الضغط على الإسلاميين، فالسعي لزعزعة الأوضاع في طاجيكستان وإفشال مشروع السلام الطاجيكي يعتبر هدفًا أساسيًا له.
ويرى مراقبون آخرون أن قلاقل الشمال جاءت في وقت تسعى فيه حكومة رحمانوف إلى ربط طاجيكستان بطريق الحرير «طريق القراقوروم»، الذي يصل بحر العرب- عبر الهند وباكستان- بالصين، وآسيا الوسطى، وقد افتتح رحمانوف قبل أيام من حرب الشمال هذا الطريق الذي يمر عبر المناطق الجنوبية للجمهورية في ولاية بدخشان ومنها إلى الصين عبر جبال بامير ومع إكمال هذا المشروع تستطيع طاجيكستان أن تتحرر إلى حد كبير من الحصار الأوزبكي المضروب عليها، إذ تمر معظم طرقها المواصلاتية عبر أوزبكستان، ومن هنا يعني استقلال طاجيكستان الاقتصادي واستقلالها السياسي وعدم الرضوخ لضغوط أوزبكستان مستقبلًا، وهكذا مع وضع هذا الواقع نصب العين نستطيع فهم ما يحدث في الشمال الطاجيكي والآثار الناجمة عن هذه المعارك على الصعيدين: الاقتصادي والسياسي.
ويبدو أن المعركة في خوجند لم تنته بعد، بل بدأت الآن، وأن مواجهة الآثار الناجمة عن هذه الحرب تتطلب وقتًا ومالًا كثيرًا.
ويقدر المراقبون عدد ضحايا هذه المعارك بعشرات القتلى ومئات الجرحى، كما تم حرق أكثر من ألف مبنى ومنزل.
وأشد من هذا كله الآثار النفسية التي خلفتها المعارك، وولدتها عمليات التفتيش، وتعقب المعارضين بتلك المناطق، وما يتم خلال هذه العمليات عادة من نهب وسلب وإهانة، وهو ما أبرزته الصحافة العالمية ذاكرة أن القوات الحكومية المنتصرة لم تتورع عن نهب وسلب وضرب الأهالي، بحجة التفتيش عن المجرمين.
والأمر هكذا: يتضح أن تعميق العداء بين سكان الولاية والحكومة هدف أساسي لمعارضي رحمانوف، وكذلك إيجاد الدوافع القوية للقتال لدى الخوجنديين الذين يمثل توتير الأوضاع في مدينتهم ضربات اقتصادية موجعة لنظام رحمانوف الذي يعيش على الفتات الروسي، وما زال يعاني من آثار الحرب الأهلية مع المعارضة الإسلامية.
تجربة جديدة
لقد شكلت معركة الشمال تجربة جديدة للتقارب الحكومي مع المعارضة الإسلامية التي تشكو من عدم جدية رحمانوف في تطبيق بنود اتفاق السلام، وقد اشتركت قوات المعارضة الإسلامية في عمليات التصفية شمال البلد وحررت مدينتي عيني وبنجة كنت، على الحدود مع أوزبكستان من سيطرة قوات خداي بيرديوف، وهذه أول مرة تشارك فيها المعارضة بهذا العدد «ألف مجاهد»، مع القوات الحكومية في عمليات عسكرية مشتركة، وقد كان لها دور في تخفيف حدة التوتر بين الطرفين وخلق أجواء جديدة من التعاون.
وكان من المقرر، وحسب الاتفاق أن يتم تعيين القائد العام لقوات المعارضة ميرزا أضياءوف وزيرًا للدفاع، غير أن رحمانوف ماطل في ذلك، فيما تنتظر المعارضة الإسلامية منه ثمن وقفتها القوية معه في محنته، وهو الأمر الذي لو تحقق، تكون عقبة ضخمة قد أزيلت من طريق السلام بين الطرفين.
وترى قيادات من المعارضة أن على رحمانوف أن يفي بوعوده في تطبيق البنود بحيث تسير البلاد نحو مزيد من الديمقراطية والحريات، وإجراء انتخابات عامة ينتخب الشعب فيها ممثليه الحقيقيين ويتحقق السلام الشامل الذي طالب به محمود خداي بيرديوف في اليوم الأول من معاركه عندما أعلن حركته تحت اسم «السلام الشامل» مطالبًا بمنح الحق لجميع طبقات الشعب، وعرقياته وأقاليمه في الحكم، وأخذ القرار، وإدارة البلد.
فهل يتحقق السلام الشامل أم تبدأ تحالفات جديدة لإحراز مكاسب مؤقتة تعرض البلد لهزات جديدة وسط أطماع إقليمية، وتصفية للحسابات الدولية في آسيا الوسطى؟
هذا ما ستجيب عنه التطورات في الأيام المقبلة.