; طالبات سنغافورة .. هل يحصلن على حق الحجاب في المدارس؟ | مجلة المجتمع

العنوان طالبات سنغافورة .. هل يحصلن على حق الحجاب في المدارس؟

الكاتب صهيب جاسم

تاريخ النشر السبت 03-أغسطس-2002

مشاهدات 62

نشر في العدد 1512

نشر في الصفحة 60

السبت 03-أغسطس-2002

  • الحكومة ترفضه للاستمرار في علمنة حياة المسلمين وقطع الطريق على انتشار الصحوة الإسلامية. 

  • المفتي يقف إلى جانب الحكومة في حظر الحجاب حتى على طالبات الثانوي.

حجاب الطالبات المسلمات في المدارس قضية أثيرت في بلاد عدة، وهي ذات دلالة على الصحوة المنتشرة التي لم تستثن الصغيرات إلى جانب إظهار ازدواجية ما يعرف بحقوق الإنسان وتبجح بعض الدول بها، ولعل من المثير أن سنغافورة التي تشتهر بأنها «دولة من العالم الأول تقع في العالم الثالث» تمنع حجاب الطالبات المسلمات في المدارس الحكومية، بينما يسمح للطالب السيخي بلف العمامة المعروفة على رأسه دون اعتراض، مع أن نسبة السيخ في البلاد ضئيلة مقارنة بنسبة المسلمين الذين هم أحفاد من سكنوا الجزيرة قبل قدوم غيرهم من المهاجرين.

ويواجه المسلمون السنغافوريون الذين تصل نسبتهم إلى أكثر من15% من مجموع السكان، إصرار الحكومة على منع الحجاب في المدارس معتبرة إياه خرقًا لقانون الزي المدرسي الموحد، كما تزعم شخصيات الدولة أن الحجاب يؤدي إلى تهديد الوئام الاجتماعي ويعوق الحفاظ على الوحدة الوطنية. 

القضية اندلعت قبيل الانتخابات النيابية في نوفمبر الماضي، إذ استغلت شبكة الفاتحة الإسلامية في سنغافورة الحدث لمطالبة حزب الحركة الشعبية الحاكم بأن يعِد الناخبين المسلمين بأن يسمحوا لفتياتهم بالحجاب في المدارس، وقد وقع على الطلب آنذاك ٣ آلاف مسلم، وكان ذلك هو الطلب الثاني بعد أن رفض رئيس الوزراء غوه تشوك تونغ الطلب الأول، على الرغم من أن الدستور ينص على حق كل مواطن في حرية الاعتقاد والممارسة الدينية والدعوة إلى دينه. 

قضية الطالبات ظهرت في وسائل الإعلام بعد طرد ثلاث منهن وانسحاب رابعة من المرحلة الابتدائية في فبراير الماضي، ومع أن الصغيرات لم يصلن إلى سن التكليف الشرعي الذي يلزمهن بالحجاب، إلا أن أولياء أمورهن ينظرون إلى القضية من ناحيتي حقوق المسلمين ثم الحفاظ على الهوية وضرورة السماح للمسلمين بتربية بناتهم على الحجاب منذ الصغر، وثالثًا لأن المنع يستمر حتى نهاية المرحلة الثانوية، وبالتالي فلن تتمكن الفتاة المسلمة من لبس الحجاب في المؤسسات التعليمية إلا عندما تصل إلى الجامعة، مع أن الكثير من الموظفات المسلمات يرتدين الحجاب في عملهن لعدم وجود قانون يحظر ذلك. 

العلماء والمعلمون ضد المفتي: ومع أن المسلمين في سنغافورة يتمتعون بحقوق دينية واسعة ولا يتعرضون لاضطهاد ولهم الحرية في العمل الدعوي والتربوي ولهم جمعياتهم ومؤسساتهم، إلا أن الذي أزعج الكثير من أولياء الأمور أن مجلس الشؤون الإسلامية الذي يرأسه «معروف صالح» -وهو أعلى سلطة دينية للمسلمين- وقف إلى جانب الحكومة طالبًا من أولياء أمور الطالبات تقديم الدراسة على ارتداء الحجاب. كما أيد المفتي الشيخ سيد عيسى سمايت موقف الحكومة في عدم إلغاء قانون منع الحجاب، ولم يشر في تصريحه الشهير في فبراير الماضي إلى رأيه في حظر الحجاب على من بلغن سن التكليف. 

وقد عارضت رابطة العلماء والمعلمين المسلمين -وهي جمعية مستقلة ذات حضور بارز- موقف المفتي ورئيس مجلس الشؤون الإسلامية، وفيما يلي أهم ما جاء في بيان الرابطة الذي وقعه محمد محمد إسحاق سكرتيرها الفخري، وننقله لأنه يمثل أهم ما جاء في ردود المثقفين المسلمين حول القضية.

  1. إن أي مطالبة شعبية من السلطات بأن يُفتح المجال لنقاش قضية تغطية العورة للطلبة والطالبات المسلمين في المدارس، تنطلق من الرغبة المخلصة للحفاظ على القيم الأخلاقية والفضائل التي تركز عليها الأديان. ومن المعلوم أن أي دولة تسعى لتقوية الفضائل في مجتمعها، والحجاب بالنسبة للمسلمين أحد الأساليب المهمة للحفاظ على الحشمة والأدب.

  2. إن حكم الإسلام بالنسبة لتغطية العورة للبالغين من المسلمين والمسلمات واجب مبني على أساس القرآن والسنة وإجماع العلماء، ولا يمكن النقاش حوله ولا تغييره. 

  3. وبالنسبة للتلميذات الأربع اللاتي أصر ذووهن على أن يلبسن الحجاب في المدارس وتعرضن للفصل بسبب ذلك، فإن موقف ذويهن نابع من نيتهم الصادقة لزرع الفضائل والأخلاق في نفوس بناتهم، وفي الوقت نفسه ألا يحرموهن من واجب التعلم الذي أمر به الإسلام. وعلى الرغم من أن أعمارهن لم تصل إلى سن البلوغ الذي تفرض فيه الأحكام، فإن لإلباسهن الحجاب في سن صغيرة أهمية تربوية لزرع هذا السلوك فيهن منذ الصغر.

  4. كما أن الأحكام الدينية مبنية على أصول ومبادئ واضحة وثابتة، فإن التشريع الإسلامي يركز أيضًا على طريقة إنزال هذه الأحكام على أرض الواقع من حيث الزمان والمكان والسياق؛ وذلك بهدف تقديم حلول لمناسبات مختلفة مبنية على القواعد الفقهية التي فصل فيها علماء المسلمين، ومن بينها «المشقة تجلب التيسير»، و«إذا ضاق الأمر اتسع»، و«الأخذ بأخف الضررين» و«الحاجة تنزل منزلة الضرورة».

  5. وهذه القواعد الفقهية وغيرها توفر أحكامًا استثنائية لبعض الحالات الزمنية والمكانية والتي تتطلب تدخل علماء الأمة لإيضاح ما استشكل على المسلمين في أداء حكم فقهي معين، آخذًا بعين الاعتبار «مراتب الأعمال»، لكن علماء أصول الفقه أكدوا على أن مثل هذه الاستثناءات يجب ألا تتحول إلى أصل، وأن تظل محددة جدًّا بناء على قاعدة الضرورات تبيح المحظورات. 

  6. الأحكام الاستثنائية التي يجبر عليها المرء يجب ألا تظل هي المتبعة دون تقييد، وليس المسلم أن يقتنع باتباع حكم استثنائي لحالة أو وقت معين، ومن ذلك قضية ستر العورة والحجاب، ونقول ذلك بناء على قاعدة «الضرر يزال»، وإن من مسؤولية كل مسلم أن يسعى جاهدًا لإزالة الأسباب التي تحول دون التزامه بشرائع الإسلام وواجباته المفروضة عليه، ولكن هذا الجهد يجب أن يكون مبنيًّا على خطط مناسبة ومنهج يتسم بالحكمة والسلوك الحسن، وأن تكون هذه المساعي أيضًا غير مخالفة لما تمليه علينا مبادئ الإسلام.

  7. من المؤسف أن شخصيات عديدة بمن فيهم من يعتبر من قيادات الأقلية المسلمة طالبوا بوقف الحديث عن قضية حجاب التلميذات المسلمات والاكتفاء برأي المفتي في القضية، لكننا نطالب وندعو كل فرد في المجتمع المسلم في سنغافورة إلى أن يبذل ما يستطيع من جهد من أجل أن يحصل أبناؤنا على حق الذهاب إلى المدارس باللباس الشرعي المحتشم كما يأمرنا به الإسلام، ونحن نرجو من الجميع أن يزيدوا من تفهمهم لحاجاتنا الدينية، وإن مسؤولية إزالة أي ضرر يصيبنا لهي أعظم بالنسبة لمن هم في السلطة وبيدهم زمام الأمور. 

  8. تسلمنا الكثير من الرسائل والآراء من مسلمين وغير مسلمين، وأكثرهم يعتقد أن الحجاب لن يكون عائقًا ولا مؤثرًا سلبيًّا على وحدة البلاد الوطنية، ولذلك يجب أن يظل الباب مفتوحًا للنقاش حول هذه القضية، وكل سنغافوري مهتم بترابط مجتمعه وتماسكه يجب أن يشارك بفاعلية في القضية، وعلينا أن نكون مخلصين وصريحين في طرح آرائنا لنصل في النهاية إلى إجماع حول صورة التكامل الاجتماعي الذي نريد. 

  9. ندعو كل شخص مشارك في قضية الحجاب أن يتحلى بالهدوء والحكمة والحصافة، فمن أجل أن نحقق أهدافنا فإننا مطالبون بالسعي الحثيث المتسم بالصبر والاشتراك في حوارات ومناقشات لتوضيح القضية بشكل متحضر، وإن رابطة العلماء والمعلمين المسلمين لتشعر بالقلق البالغ من وجود أفراد بيننا ممن يتسرعون في طعن الآخرين وإطلاق تصريحات مؤذية لهم.

  10. ولذلك فإن الرابطة تود أن تؤكد أن أي تصريحات أو كلام يصدر بشأن قضايا تمس الإسلام وتشريعاته، يجب ألا تصدر إلا من قبل من هم مؤهلون في هذا المجال، وأن يصدر ذلك بناء على مناقشات جماعية لنتفادى الخلاف والتسبب في تشويش فهم الجماهير للقضايا .

إلى المحاكم قريبًا

ما يدفع للحديث عن القضية مجددًا أنه من المتوقع أن تعود القضية إلى الأضواء قريبًا عندما يلجأ المحامون -الذين عينهم أولياء أمور الطالبات المفصولات من المدارس بسبب حجابهن- إلى مرافعة قانونية في المحكمة السنغافورية العليا، فقد أكد ذو الكفل محمد شريف الرئيس السابق لشبكة الفاتحة الإسلامية في يوم ١٦ يوليو الماضي بأن المرافعة القانونية لقضية الحجاب ستتم، إن لم تقم الحكومة على نحو غير عادل بمنع المحامين من أداء مهمتهم لتناقش القضية أمام القضاء ابتداء من الأسبوع الأول لشهر أغسطس. 

ويخشى المتعاطفون مع الطالبات الممنوعات من لبس الحجاب من أن تمنع الحكومة السنغافورية المحامي الماليزي الذي سيقوم بالدفاع عن الطالبات، وهو السياسي المعارض كاربال سينغ- الهندي الأصل، والذي يعمل إلى جانب محاميين آخرين من مسلمي سنغافورة، هما: صداري موساري وحسين لطيف. ويقول صداري إن على زميلهم الماليزي أن يتقدم قبل ظهوره في قاعة المحكمة العليا بسنغافورة إلى الجمعية القانونية السنغافورية للحصول على رخصة عمل لممارسة المحاماة بسنغافورة، ثم يتبع ذلك تقدمه للحصول على شهادة تمرس من المحكمة العليا نفسها، وهناك احتمال بأن ترفض السلطات السنغافورية السماح له بمزاولة العمل في سنغافورة، خصوصًا وأن حالة مماثلة شهدت رفض السماح لمحامين بريطانيين بالدفاع عن المعارض السنغافوري تشي سون جوان.

محاولة تفاوضية أخيرة

وكان تصريح ذو الكفل محمد شريف ردًّا على موقف مختلف دعت إليه إحدى الجمعيات الأخرى الناشطة بين الأقلية الملايوية المسلمة في سنغافورة، إذ دعا مجلس الحقوق الخاص بهم «بيرحكام» أولياء أمور الطالبات إلى تأجيل المرافعة القانونية، وترى هذه المجموعة التي تهتم بالدفاع عن حقوق الملايويين -في الدولة ذات الأغلبية الصينية- أن من صالح الملايويين تأخير اللجوء إلى القضاء حتى يتسنى لأبناء الجالية الملايوية مناقشة الأمر ومحاولة الوصول إلى اتفاق خارج المحاكم مع الحكومة.

ويقول إبراهيم عارف رئيس مجلس «بير حكام» إنهم سيسعون للقاء بالنواب الملايويين المسلمين في البرلمان السنغافوري كمحاولة -قبل اللجوء للقضاء- لتسوية الخلاف الذي نتج عن فصل التلميذات المحجبات، ويضم مجلس «بير حكام» الذي تأسس قبل ٥ سنوات أعضاء من تيارات مختلفة بما فيها حزب الجبهة القومية والحزب التقدمي الديمقراطي المعارضان. 

ويقول أولياء أمور الطالبات إن الوقت يسير في غير صالح تعليم بناتهم، ولذلك قرروا السير في الحل القانوني، ويتفق ذو الكفل علِي المدير الإقليمي في إحدى الشركات التقنية، ومحمد ناصر مسؤول في إحدى شركات الطيران، وهما والدا طالبتين منعتا من الدراسة بسبب الحجاب- على أنه لم يعد أمامهم الانتظار لمحاولة مجلس «بير حكام» التفاوض مع المسؤولين إلا في حالة الوصول إلى اتفاق إيجابي وملموس.

ما سر منع الحجاب؟

وحسب ما ذكرته مصادر مطلعة من شبكة الفاتحة السنغافورية، فإن ما دفع الحكومة إلى الإصرار على منع الحجاب في المدارس الحكومية والاكتفاء بالسماح به في المدارس الإسلامية الستة بالبلاد، لم تكن القناعة بأن الحجاب يهدد الوحدة والوئام الديني والوطني، ولكنه حظر بُني على قناعة كبير وزراء سنغافورة وكبير مخططيها لي كوان يو الذي ظل رئيسًا لوزرائها حتى مطلع التسعينيات.

فالمصادر تقول إن لي كوان يو هو الشخص الأكثر تشددًا في الموقف إزاء الحجاب، بناء على قناعته بعلمنة حياة المسلمين وأنه لن يسمح بالحجاب أبدًا ليظهر في مدارس بلاده، وهو يستند في هذا الموقف إلى سياسات الحكومة التركية  المتشددة في علمانيتها ومعاداتها للحجاب.

وتضيف المصادر بأن مما يؤيد هذا التفسير تصريح لي كوان يو يوم ٢٠٠٢/٥/١١ الذي كشف فيه بوضوح عن نظرته المتوجسة من الصحوة الإسلامية حسب وصف المصادر، ومما قاله على مدى ١٥٠ عامًا من حكم الإنجليز لسنغافورة. وعلى مدى ٣٦ عامًا منذ أن استقللنا لم يكن اللباس قضية خلافية، ولكننا اليوم نرى المسلمين قد جعلوا من اللباس مشكلة كبيرة، إنني على يقين بأنكم قد شاهدتم الرؤوس المغطاة للنساء في شوارع المدينة، وهذه الظاهرة ليست إلا جزءًا من حركة عالمية، ولذلك فنحن نواجه بسببها مشكلة بالفعل.

ويذهب مصدر إسلامي إلى القول بأن «منع الحجاب في سنغافورة ليس مسألة محافظة على الوحدة والاندماج، فالوئام في سنغافورة لن يتهدد بالحجاب، وإذا كانت المعلومات أكيدة بشأن موقف لي کوان يو فإن الرجل الذي يعرف بأنه ذو نزعة عرقية يجعل المسلمين ملزمين بالتفكير في وضعهم الحقيقي في هذا البلد الذي يُحكم من قبل رجل يعادي معتقدهم، وليعلموا أن لي كوان يو سيفعل كل ما بوسعه لفرض رأيه» على حد قول المصدر.

 

الرابط المختصر :