; طبيعة الطريق | مجلة المجتمع

العنوان طبيعة الطريق

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 25-نوفمبر-1986

مشاهدات 68

نشر في العدد 793

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 25-نوفمبر-1986

ولما كان هذا الطريق طويلًا، كان لا بد لسالكيه أن يبحثوا عن طرق لقطعه إضافة إلى الزاد الذي حملوه معهم، وقبل البحث عن الطريق والوسائل التي تعين على قطعه لا بد من تحديد الاتجاه، لأنه بغير تحديد الاتجاه سيتعرض السالكون إلى الضياع، والاتجاه الموصل إلى النصر في هذا الطريق الطويل، هو الاتجاه إلى الله، وبغير الإخلاص لا يمكن الحصول على التوفيق والسداد لهذا لم يفت الإمام ابن الجوزي أن يوقف قوافل الدعاة وهو يراهم يسلكون هذا الطريق ليقول لهم من معين خبرته « إن الطريق الموصلة إلى الحق سبحانه ليست مما يقطع بالأقدام، وإنما يقطع بالقلوب والشهوات العاجلة قطاع الطريق، والسبيل كالليل المدلهم غير أن عين الموفق بصر فرس، لأنه يرى في الظلمة كما يرى في الضوء والصدق في الطلب إينار أین وجد يدل على الجادة، وإنما يتعثر من لم يخلص، وإنما يمتنع الإخلاص ممن لا يراد» (۱).

إن من أبسط مبادئ الهندسة هي النظرية القائلة «بأن الخط المستقيم هو أقصر الطرق» و يكون منطقيًا بأن الخط الملتوي المتعرج أبعد الطرق، هذا ما أراد أن يقوله الإمام ابن القيم عندما رأى قوافل الدعاة أثناء الطريق قد حاد بعضهم عن الطريق فصاح بهم منبها «وإنما يقطع السفر، ويصل المسافر بلزوم الجادة، وسير الليل فأن حاد المسافر عن الطريق، ونام الليل كله فمتى يصل إلى مقصده (۲).

 إن طول الطريق ربما أدى بالبعض إلى الملل أو إلى الشك بأنه هو الطريق الموصل، فلا بد «للشقة بالطريق»  حتى يستمر المسير، هذا ما نبه به تلميذ الإمام البنا، الأستاذ مصطفى مشهور وهو يرى قوافل الدعاة تمر على عشبة كتابه «طريق الدعوة»  فأبي إلا إكرام ضيوفه بما عنده فقال لهم وقد أصغى الجميع لمن سار قبلهم في هذا الطريق قرابة نصف قرن «على السائرين في طريق ما أن يشقوا في ذلك الطريق، ويطمئنوا إلى أنه الموصل إلى الغاية التي يقصدونها حتى لا يتعرضوا إلى التيه والضياع، وكيلا يثنيهم الشك وعدم الثقة عن مواصلة السير وبذل الجهد، فيقعدوا أو يتحولوا وتتفرق بهم السبل. وطريق الدعوة أولى بهذه الثقة، فهو الطريق الأصل الذي يربط المسلم كل أمور حياته به و يسخر له كل ما يملك من نفس ومال وجهد وفكر ووقت إذ عليه يتوقف مصيره ومستقبله الحقيقي.» (۳).

(۲) وعورة الطريق -

إنها طريق وعرة، متعبة، قد غرست فيها الصخور الحادة، والأشواك المؤذية، وليس ذلك سرًا يخفيه صاحب هذه الدعوة، فقد كثرت الآيات التي تبين وعورة الطريق فقال تعالى:﴿ الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ  (العنكبوت2:3 )(٤).

وقال تعالى ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ( النحل:110)(٥). 

وقال تعالى ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (الكهف:7) (6). وقال تعالى ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (آل عمران:142) (۷) وآيات غيرها تدل على وعورة الطريق.

الرسول القائد يوضح الطريق:

ولم يأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جهدًا بتوضيح وعورة الطريق لأتباعه، فمنذ الأيام الأولى للدعوة فقد قال لهم صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه «حجبت النار بالشهوات، وحجبت الجنة بالمكاره» (۸)..

يقول الإمام ابن حجر «فإن المراد بالمكاره هي ما أمر المكلف بمجاهدة نفسه فيه فعلًا وتركاً کالإتيان بالعبادات على وجهها، والمحافظة عليها واجتناب المنهيات قولًا وفعلًا، وأطلق عليها المكاره لمشقتها على العامل وصعوبتها عليه، ومن جملتها الصبر على المصيبة والتسليم لأمر الله فيها، والمراد بالشهوات ما يستلذ من أمور الدنيا مما منع الشرع من تعاطيه إما بالأصالة، وإما لكون فعله يستلزم ترك شيء من المأمورات، ويلتحق بذلك الشبهات، والإكثار مما أبيح خشية أن يوقع في المحرم، فكأنه قال: لا يوصل إلى الجنة بارتكاب المشقات المعبر عنها بالمكروهات ولا يوصل النار إلا بتعاطي الشهوات، وهما محجوبتان فمن هتك الحجاب اقتحم» (9).

وكذلك نراه يؤكد على توضيح وعورة الطريق عند بيعة العقبة عندما عرض عليهم بنود البيعة التي تنوء بحملها السموات والأرض والجبال قالوا: ما لنا، فأجاب بأن لهم الجنة، وأراد بذلك أن يوضح لهم أنه من أراد الجنة فلا بد أن يتحمل كل الصعاب في طريقها.

خباب يشتكي-

جاء في ترجمة الصحابي الجليل خباب بن الأرت في «صفة الصفوة» أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب سأله «عما لقي من المشركين. فقال خباب: يا أمير المؤمنين انظر إلى ظهري. فقال: عمر ما رأيت كاليوم، قال: أوقدوا لي نارًا أطفأها إلا ودك - دسم اللحم ودهنه - ظهري (۱۰) 

وكان خباب قد جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم حينما كان يفتن في مكة، ويعذب ذلك التعذيب، جاء يشتكي إليه وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقال له «ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه فما يصده ذلك عن دينه والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون» (۱۱).

كان الرسول صلى الله عليه وسلم بلا شك يرى آثار التعذيب على خباب، وكان بإمكانه الدعاء له فيزيل الله عنه وصحبه ذلك البلاء لكنه أراد أن يغرس في نفوس أصحابه طبيعة الطريق، وتكاليف النصر، وعظم الأمانة التي عجزت عن حملها السموات والأرض والجبال، فأنى لإنسان لا يتحمل البلاء والإيذاء في سبيل الله أن يتحملها، ولو أنه حملها وأعطيت له وهو ضعيف لم يتمحص بالبلاء والفتن، ولم يثبت فإنه يضيعها، ويسيء إليها، والله لا يريد أن تضيع الأمانة على أيدي الضعفاء، لذلك جاء في رواية أخرى توضح غضب الرسول صلى الله عليه وسلم من سؤال خباب لعدم معرفته بالحكمة وراء الابتلاء، يقول خباب «فقلت يا رسول الله ألا تدعو الله لنا؟ فقعد وهو محمر وجهه فقال: لقد كان من قبلكم.... الحديث» (۱۲) فهو يريد أن يبين لهم أنه ما من نصر لأصحاب الحق إلا يسبقه بلاء لأصحابه، فيسوق لهم أخبار الأمم التي قد مضت وكيف واجهوا المحنة بقلوب ثابتة ثم وضح لهم أن النصر والأمان المصاحب له سيأتي لا محالة، ولكن بعد أن يتجاوزوا ضريبة النصر من الابتلاء والتمحيص.

سأل رجل الشافعي فقال: يا أبا عبد الله، أيما أفضل للرجل أن يمكن أو يبتلى؟ فقال الشافعي: لا يمكن حتى يبتلى، فإن الله ابتلى نوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فلما صبروا مكنهم، فلا يظن أحد أن يخلص من الألم البتة» (۱۳).

(1) صيد الخاطر ۳۰۷

(۲) الفوائد ۱۳۱

(۳) طريق الدعوة (۱) ص ۸۹

(٤) العنكبوت ١ - ٣

(٥) النحل ۱۱۰

(٦) الكهف ٧

(۷) آل عمران ١٤٢

(8) البخاري - الفتح ٦٤٨٧

(۹) فتح الباري ۳۲۰/۱۱

(١٠) صفة الصفوة ٤٢٩/١ 

(11) البخاري - الفتح ٦٩٤٣ 

(۱۲) البخاري - الفتح ٣٨٥٢

(۱۳) الفوائد ٢٦٩ - النفائس

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 535

67

الثلاثاء 07-يوليو-1981

إلى القراء

نشر في العدد 366

67

الثلاثاء 06-سبتمبر-1977

الأسرة (366)