; طرق انتشار الإسلام في غرب إفريقيا | مجلة المجتمع

العنوان طرق انتشار الإسلام في غرب إفريقيا

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 05-يناير-1982

مشاهدات 63

نشر في العدد 555

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 05-يناير-1982

المسلمون.. كانوا وحدهم يتقنون القراءة والكتابة في غانا.

إن اتصال الغرب بالقارة الإفريقية جد قديم إذ يرجع عهده إلى قرون سابقة للإسلام، فقد كانت هناك صلات اقتصادية ودينية وسياسية خصوصا فيما يتعلق بالجزء الجنوبي من شبه جزيرة العرب، مما جعل الحضور الإفريقي في المجتمع العربي ملموسا، ومن هنا لا يدهشنا اهتمام الإسلام المبكر بالقارة السوداء. 

على أن الإسلام اختار بتوغله في قلب لفريقيه مسلكين متباينين:

 - أولهما مسلك «مائي» وهو طريق باب المندب المحادين الساحل شرق إفريقية، فقد كان المسلمون يعبرون البحر الأحمر للتوجه نحو جزيرة زنجبار والصومال، والسودان والحبشة، وكان الاتصال بين إفريقية وشبه جزيرة العرب مباشرا ومستمرا؛ ليتكثف بعد ظهور الإسلام، ويتجلى تأثر شرقي إفريقية بالجزيرة إلى أنه تابع لها فيما يتعلق بالمذاهب الفقهية والطرق الصوفية مثلما يتأثر غربي القارة بالمغرب العربي في شؤونه الدينية؟

- ثانيهما مسلك «بري» وهو معبر سيناء، وقد احتل مكانا هامًّا عندما انطلقت الجيوش الإسلامية بقيادة عمرو بن العاص لفتح مصر، وفي أرض الكنانة تطلعت إلى فتح شمال إفريقية: توجهت أولا صوب برقة، فتونس فالجزائر ثم المغرب الأقصى، وظلت الدعوة في مراكش برهة من الزمن بين مدٍّ وجزر حتى استقرت هناك، ومن ثمة قصدت إفريقية جنوب الصحراء.

مسالك انتشار الإسلام

انطلقت الدعوة الإسلامية من عدة مراكز هامة بشمال إفريقية إلى ما كان يسمى قديما ببلاد السودان وعلى وجه التحديد من الأماكن التي ستحددها فيما بعد، وتجدر الإشارة إلى أن المغرب العربي أثر أيّما تأثير على مسلمي غرب إفريقيا وعلى الأخص فيما يتعلق بالمذهب المالكي ولا غرابة نجد تشابها كبيرا بين ممارسة طرفي الصحراء الكبرى للإسلام رغم تباين تاريخهما ومحيطهما الاجتماعي. 

هذا، وليس من السهولة بمكان تحديد تاريخ موثوق به لدخول الإسلام في هذه المنطقة. غير أننا نستطيع من شيء من الدقة، تحديد أماكن انطلاق الدعاة جغرافيا.

ولعل السبب في انعدام تاريخ محدد يعود إلى انتشار الإسلام في تلك البلاد بطرق سلمية، فقد لعب التجار المسلمون والشيوخ المسالمون دورا هاما في هذا الميدان واحتفظ لنا التاريخ بأسماء مراكز تجارية تقع على محاذاة الصحراء وهي أسواق كانت تعرض فيها البضائع المستوردة من بلاد السودان -الذهب والعاج والعبيد- مثلما يتم فيها تبادل منتوجات شمال إفريقيا. 

- منسوجات وخرز-

وها هي بعض تلك المنطلقات

١- برقة: كانت قوافل المسلمين تنطلق بالبضائع من برقة بليبيا صوب بيلما Bilma ومن ثمة إلى منطقة بحيرة التشاد وقد تصل القوافل إلى بلاد «بورنو» Barmo. 

2- القيروان: كان تجار القيروان يتوجهون بجِمالهم المحملة بمنتوجات تونس إلى «نكيده» حيث توجد مناجم النحاس ومنها يقصدون «كانو» ببلاد «الهوسا» - جمهورية نيجيريا اليوم-.

3 - تلمسان: تغادر قوافل التجار تلمسان بالجزائر إلى ثنية نهر النيجر حيث توجد مدينتا تعبكوتو وغاو الشهيرتان - جمهورية مالي اليوم- 

4- الطريق اللمقويني وهو الآتي من المغرب الأقصى على أمتداد ساحل المحيط الأطلسي إلى حوض نهر السنغال.

فضلا عن ذلك فإن المراكز الثقافية في شمال إفريقيا ساهمت في نشر الإسلام وثقافته في المنطقة ونذكر منها: القرويين بغاس والزيتونة بتونس وزوايا السنوسية بليبيا، ومعاهد الجزائر الإسلامية، والأزهر بالقاهرة.

كي نضيف ضوءا على بداية الإسلام في غرب إفريقيا نجدنا مضطرين إلى الحديث عن الممالك التي ساهمت في نشره أو رافقت انتشاره.

غانا- ٥٠٠-١١٠٠ م

تقع مملكة غانا بين الجمهوريات الآتية: مالي وموريتانيا والسنغال، وكانت ذات صلة وثيقة بالمسلمين المغاربة، حيث كانت تستورد من المغرب مثلما كانت تصدر إليه البضائع، وكانت (أودغشت) الواقعة في قلب بلاد لمتونة -المغرب- والتابعة لغانا مركزا هاما لحركة التبادل التجاري بشأن عاصمة المملكة كومبي صالح.

إن اختلاف التجار المسلمين على بلاد غانا ساعد على تغلغل الإسلام شيئًا فشيئًا إلى أهاليها، وكان عدد لا يستهان به من كبار موظفي البلاط من المسلمين، وبهذا الصدد نشير إلى أن الطائفة الإسلامية كانت وحدها القادرة على الكتابة والقراءة، وكان الحكم في حاجة ماسة إلى متعلمين يتولون وظائف تقتضي حدًّا أدنى من الثقافة كما يتطلب تسيير الدولة تسجيل بعض القضايا.

وبمرور الزمن ازدادت أهمية الجالية الإسلامية في مملكة غانا إلى درجة أصبح لها حيز خاص في عاصمة البلاد حيث بنت اثنا عشر مسجدًا.

وظلت مملكة غانا محتفظة باستقلالها السياسي كما بقيت وفيَّة لدينها التقليدي في حين سمحت السلطات الرسمية للرعايا باعتناق الإسلام وما فتئت الحال على هذه الشاكلة إلى أن لاحت في الأفق حركة عبد الله بن ياسين زعيم لمتونة فاستولى رجاله بقيادة محي بن عمر على مدينة أودغشت سنة ١٠٥٤ م. ولم يتمكن الملثمون من فتح عاصمة غانا إلى عام ١٠٧٦ م بزعامة أبي بكر بن عمر.

على أن سيطرة المرابطين على المنطقة لم تدم طويلا فسرعان ما قامت الثورات ضد حكمهم، وأثناء إحدى المعارك استشهد أبو بكر بن عمر.

هذا، إذ لم يجن أصحاب ابن ياسن ثمرات ذات بال من انتصارهم العسكري العابر- لم يدم تواجدهم في غانا أكثر من خمس عشرة سنة تقريبا- فإن الفضل يعود إليهم في إبلاغ صدى الإسلام إلى نواحٍ نائية من غرب إفريقيا، مما مهد السبيل أمام الدعاة

الخلاصة: إن حملة المرابطين لم ينتج عنها أوساخ لدعائم الإسلام بقوة السلاح في المنطقة، إنما تمخض عنها أن طائفة من سكان غانا اعتنقت الدين الجديد عن طواعية، وسوف يبقى الإسلام محصورا في رقعة صغيرة من غرب إفريقيا إلى أن تبرز إمبراطورية مالي التي ستنوء بعبء نشرِهِ في أرجاء واسعة من بلاد السودان.

إمبراطورية مالي ودورها في نشر الإسلام

تعرف الشيء الكثير عن إمبراطورية مالي بفضل السائحين والتجار العرب المسلمين الذين جابوا جنوب الصحراء الكبرى ونقلوا أخباره كشهود عيان، أضف إلى ذلك صدى رحلات ملوكها ببلاد العرب وهم في طريقهم إلى الحج. 

وتقع مملكة مالي جغرافيا في نفس الموقع الذي تحتله اليوم جمهورية مالي، وينتسب ملوكها إلى شعب «مندى» أو «مالنيكي» ويبلغ تعداد الناطقين بلغة «مالنيكي» حوالي سبعة ملايين نسمة في غرب إفريقيا أما مهدهم فيقع فيما بين جمهوريتي مالي وغينية ويستقطب الإسلام زهاء ١٦ % منهم.

وقد تكفلت قبائل «ملينكي» بمهمة، نشر الإسلام سلميَّا وحمله تجارها المعروفون باسم ديولا إلى قلب الأدغال والغابات العصيبة الولوج من مجاهل إفريقيا.

ويعزَى دخول الإسلام لبلاد مالي إلى حادثة طريفة وهي أنه حوالي ١٠٥٠ م أصاب قحط شديد بلاد مالي فشحَّت السماء، واستعصى نزول المطر وأشرف الحرث والنسل على التلف.. وكانت العادة تقتضي في مثل هذه النازلة أن يتدخل الكهنة لا نزال المطر وغالبا ما يكون الملك نفسه كبير الكهنة- وكان براماندانا BRAMANDAN  ملك مالي يومذاك، فقام هو وكهنته بمختلف الطقوس الدينية التي كانت تؤدى في مثل هذه الحالة من قرابين واستعطافات للسماء، فلم يُجد كل ذلك نفعًا، وكان في عاصمة الملك آنذاك رجل مسلم ما كان يشاطر شعب البلاد في ابتهالاته فجاء  يوما إلى الملك ليعرض عليه الإسلام مقابل أن يدعو الله ليسقي الأرض، فقبل برامندنا العرض فأسلم، وعندئذ توضأ الرجل ولقن الملك مبادئ الوحدانية ثم خرجا إلى ربوة فصليًا وبعد ما أتما الصلاة طلب الرجل من الملك أن يردد كلمة آمين بينما شرع هو يدعو وما كادا ينهيان دعواتهما حتى سقى الله الأرض الغيث.

طرق انتشار الإسلام في غرب إفريقيا

وعلى ذلك دعا الملك شعبه إلى اعتناق الإسلام، ونحَّى من حاشيته الكهنة والسحرة وهدم هياكلهم وبني محلها المساجد. 

على الرغم من أننا لا نجزم بصحة هذه الحكاية على حذافيرها فإن من المؤكد أن أبناء وأحفاد براماندانا أبلوا البلاء الحسن من أجل نشر الدين الحنيف ومن بينهم تذكر بالخصوص منشاؤولي- ١٣٥٥- ۱۲۷۰ م الذي حج بيت الله في موكب حافل  ومنصتا موسى كانكو ويعد هذا الأخير من أشهر ملوك مالي قاطبة، وكان على جانب من الذكاء والثقافة، وكان يتكلم العربية بطلاقة ويقال إنه وضع كتابا في الفقه المالكي، وقام بأداء فريضة الحج سنة ١٣٢٤م. وكانت لرحلته تلك ضجّة كبرى بلغ صداها كل الشرق الأوسط وبالغ المؤرخون في وصف موكبه ويقال إنه اصطحب معه ٦٠٠ رقيق يحملون على ظهورهم التبر الخالص، وإنه أنفق أموالًا طائلة على فقراء ومساكن البقاع المقدسة ومما لا مراء فيه أن منسا موسى ابتاع كتبا كثيرة في مصر، كما استقدم معه الشاعر والمهندس المعماري،  أبو إسحاق الساحلي الأندلسي، وكان الهدف من صحبته  للمنسا موسى تخطيط مدن الإمبراطورية وتنسيقها على غرار مدن الشرق الأوسط التي شاهدها الملك موسى هكذا بني الساحلي عددا من المباني العمومية في تمبوكتو فضلا عن قصر الملك بمالي عاصمة المملكة.

ولما أنهى الساحلي المهمة المطلوبة منه أوصله الملك موسى مؤنسي بصلات تقدر

بحوالي ۱۲۰۰۰ مثقال من الذهب، اقتفى خلفاء منسا موسى أثره فيما يتعلق بالاعتناء بالعلم وأهله.. وشهد بذلك الرحالة المغربي ابن بطوطة أحد السماح المسلمين الذين زاروا إمبراطورية مالي سنة ١٣٥٢ م وأيام منسا سليمان أخي منسا موسى سالف الذِّكْر.

ولقد أشار ابن بطوطة إلى أن الأمن كان سائدا في المملكة وأن الأهالي نزهاء بدرجة أن المرء لا ينزعج باله إذا ما ضاع له شيء فإنه سيجده في المكان الذي نسِيَه فيه دون أن يُمس بسوء ويقول إنه إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فإن الازدحام يسود المسجد حتى أن الوافدين المتأخرين لا يكادون يجدون موطئ قدم، وأهل مالي يوثقون أولادهم بالحبال ولا يفكون وثاقهم حتى يحفظون كتاب الله عن ظهر قلب.

ومن خلال وصف ابن بطوطة نستشف أن الإسلام قد تمكن فعلا منذ تلك العهود الخوالي من نفوس سكان إمبراطورية مالي، والمناطق التي كانت تستوعبها إمبراطورية مالي مناطق إسلامية إلى اليوم، وسوف نخصص حديثا أو أحاديث عن وضع الإسلام اليوم في جمهوريات غنيا بيشاوي وغامبيا والسنغال، وغينيا.. كي تربط ماضي الإسلام في غرب إفريقيا بحاضره وذلك خدمة لقضية الدين الحنيف.

 

الرابط المختصر :