; طريق المستقبل | مجلة المجتمع

العنوان طريق المستقبل

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 19-ديسمبر-1972

مشاهدات 3

نشر في العدد 130

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 19-ديسمبر-1972

كلمة للمستقبل

لقد ثبت أنه لا مستحيل في مجال السياسة، فكل شيء ممكن، وما دمنا في عالم صراع ومصالح، فكل من يملك الوسائل الكفيلة بالنجاح في عالم الصراع والمصالح هو الذي يملك التغيير وكسب الظروف إلى جانبه.

لقد أثبت النجاح الأخير للاتصال العربي بإفريقيا في تغيير السياسة الخارجية لتشاد وقطعها علاقتها بإسرائيل أن كل شيء في عالمنا ممكن.. ممكن بشرط.. بشرط أن نعرف طبيعة العصر الذي نتعامل مع أبنائه.

إن لغة الصراخ والعويل وترديد شعارات مشتركة ساذجة لا يفيد شيئًا في العمل السياسي.. لقد رفعت بعض الدول العربية شعارات إلحادية واجتماعية كثيرة، لكن في اللحظة المناسبة تخلت عنها الدول التي شاركتها شعارات الإلحاد ودعوى الإصلاح الاجتماعي!

إن سنة 1973م كانت حاسمة بالنسبة للعرب الذين لا يريدون أن يتعلموا، فأمام أعينهم باعتهم روسيا على مائدة المفاوضات مع الدولة الرأسمالية الكبرى التي كانت تزعم أيديولوجيتها أنها سوف تسقطها بمساعدة الحتمية التاريخية.

إن الذين لا يزالون يرددون شعارات الإلحاد والتقدمية فقد نجحوا في طردنا من إفريقيا، وفي هزيمتنا، وتكريس تخلفنا... وكما أن بداية هزيمتنا كانت الانحراف عن الإسلام، فلن تكون بداية انتصارنا إلا بالعودة إلى الإسلام.. بشرط أن نعي أنه ليس شيئًا مستحيلاً، وبشرط أن نفهم العصر الذي نعيش فيه!

الخطر من هنا

أخطر الانحرافات التي سقطنا فيها، وأدت بمسيرتنا خلال القرن العشرين إلى هذه المتاهة التي نتردى فيها، هي التقليد الساذج.. هي الاعتقاد بأن «الأسبرين» صالح لعلاج كل الناس وكل الأمراض.

وبتعبير مباشر: لقد اعتقد الذين ملكوا أداة التوجيه والتسيير في العالم العربي أن نجاح تجربة الاشتراكية لمدة عشر سنوات تحت ضربات السحق والتدمير الإنساني، يمكن أن يقودهم إلى النجاح. إنهم لم يحاولوا أن يتعرفوا كنه «النجاح الظاهري» الموجود في بعض البلدان المنحرفة عن هدى الله! وهم لم يحاولوا معرفة مدى أعماق هذا النجاح ومدى قابليته للاستمرار! وهم كذلك لم يذهبوا إلى دراسة وضعيتهم ووضعيات بلادهم والأمراض الخاصة بها.. ولم يسألوا أنفسهم مثلاً: هل مشكلتنا الأولى في العالم العربي سياسية حضارية أم اجتماعية اقتصادية؟

بالطبع.. نحن في العالم العربي نملك قدرًا كبيرًا من كل أصناف المشاكل لنسير في الطريق الخطأ.. لكن بالتأكيد، تحتل المشكلة السياسية الحضارية «التحدي الإسرائيلي اليهودي» الدرجة الأولى من بين كل المشاكل التي تواجهنا.. وفي تصوري أن أي حاكم في العالم العربي جاء ليعطينا بديلاً لهذا الحل.. ليس أكثر من رجل ضعيف الإخلاص لأمته. لأن أي حل لأية مشاكل فرعية لن يكون إلا على حساب تكريس وتعميق المشكلة الأولى... إن كل الحلول في الحقيقة يجب أن تكون من خلال الحل الحضاري السياسي الذي يهدد كياننا كله، ومحاولة تجاهل هذا الخطر ووضع رؤوسنا في الرمال والبحث عن أشباح مشاكل أخرى نصنعها أو نمهد لصنعها من أجل التلهي بعيدًا عن التحدي الحقيقي.

  • سواء في اليمن.. جنوبيه وشماليه.
  • وسواء الطائفيات المختلفة في العديد من الأقطار العربية.
  • وسواء في التفرقة بين تقدميين ورجعيين ويمين ويسار.
  • وإلى غير ذلك من المشاكل الجانبية الكثيرة الأخرى في الخليج والعراق والأردن وغيرها.

إن كل مشاكلنا تنبع في الحقيقة من هاتين الزاويتين:

الأولى: أننا نظن أن ما يصلح لغيرنا لا بد أن يصلح لنا بالضرورة.

والثانية: أننا لا نحاول بشجاعة التصدي للمشكلات الحقيقية، وأننا نتجاهل المشكلات الملحة إلى مشكلات أخرى نصنعها ونجسمها ونتظاهر في مجالها بأننا أبطال كبار وزعماء تقدميون وهلم جرا من الألقاب الضخمة الموضوعة بالتأكيد في غير موضعها.

شيء من الحياء

أطالع مجلة عربية كبرى، فأرى في نهاية صفحاتها صورًا لبعض كبار المحسوبين علينا -نحن المسلمين- يمكن أن يقال عنها: إنها أكثر من فاضحة.

ما معنى هذا؟ ما معنى أن يتكلم واحد باسم طائفة معينة (!) ثم يكون سلوكه المكشوف للناس معاديًا لأبسط قواعد هذه الطائفة؟! والمهم: ما معنى ألا تثور ضد هذا الإنسان تلك الجماعة التي يمثلها؟ ألا يعني هذا أننا أمة فاقدة الإحساس؟!

لكن الأمة التي وثقت في قيادة جلوب ولورانس وغيرهما من أعدائها دينًا وجنسًا.. هذه الأمة يمكن أن يرتكب باسمها كل شيء وتسكت على كل شيء! أما أنتم... أيها المتمسحون في أشياء لا تنتمون في الحقيقة إليها.. فلا أملك إلا أن أقول «إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت».

ذلك من "عزم الأمور"

وسيلة الدعوة الإسلامية محددة، إنها الصبر والتقوى والاعتماد على الأخلاق الحسنة... وعزم الأمور... يقول المفسرون في إظهار سبب نزول الآية القرآنية الكريمة ﴿ ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ (آل عمران: 186).

يقولون: إن أبا بكر الصديق -رضي الله عنه- دخل مرة بيت مدراس اليهود الذين يتدارسون فيه علومهم، فرأى اليهود يجتمعون على رجل منهم يقال له فنحاص من علمائهم، فقال أبو بكر لفنحاص هذا: ويحك يا فنحاص؛ اتق الله وأسلم، فوالله إنك لتعلم أن محمدًا رسول الله قد جاءكم بالحق من عنده تجدونه مكتوبًا عندكم في التوراة والإنجيل، فقال فنحاص لأبي بكر: والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من فقر، وإنه إلينا لفقير، وما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء، وما هو بغني عنا، ولو كان غنيًا عنا ما استقرضنا أموالنا، كما يزعم صاحبكم! فغضب أبو بكر من قول فنحاص في الله العلي الغني.. وضرب وجهه ضربًا شديدًا، وقال: والذي نفسي بيده، لولا العهد الذي بيننا وبينكم لضربت رأسك.. قالوا: فذهب فنحاص إلى رسول الله -عليه السلام- يشكو أبا بكر منكرًا أنه قال بأن الله فقير وأن اليهود أغنياء! فأنزل الله سبحانه قوله في كتابه الكريم: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ (آل عمران: 181). مؤيدًا بذلك صدق أبي بكر وكذب العالم اليهودي فنحاص.

لكن مع ذلك.. جاء قوله تعالى في شأن أبي بكر، لافتًا نظره إلى الطريقة الأفضل مع أعداء الله: ﴿ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾.

لقد علمنا تاريخنا أسلوبًا واحدًا في معاملة أهل الكتاب.. مهما بلغ سوء أخلاقهم مع الله ومع أنبيائه، ومهما انحط مستواهم الفكري والنفسي.. أسلوبًا واحدًا يليق بديننا وبسمو غاياته وشرفها.

ومهما يكن من أمر، فلا يجب أن يستدرجنا هؤلاء إلى الهبوط إلى مستواهم.. لأن لنا مستوى معينًا نقدمه للبشرية، وهو قبل أي شيء آخر، أفضل ما نقدمه لها.. هكذا علمنا تاريخنا.

ملاحظة.. أي تلميذ هذا؟

لم أصدق عيني حين رأيت هذا الحشد من التلاميذ في أماكن مختلفة، وهم يتعاملون مع أساتذتهم بطريقة غريبة.. وسألت نفسي: هل هذه هي التلمذة؟ فبالله: أي تلميذ هذا؟!!

يتكلم الأستاذ بصوت مهذب، فيرد التلميذ بصوت خشن متبجح، ويسأل الأستاذ باحترام فيجيب التلميذ باستهزاء ولامبالاة، ويهدد الأستاذ باستخدام حقه في تأديبه وجعله يتكلم باحترام، فيهدد التلميذ بأنه أيضًا يستطيع أن يحضر له ولي أمره.. ويفعل به.. ويفعل!

ولا يكاد الأستاذ يتكلم كلمة حتى تصيبه عشرات الكلمات المضادة! والأستاذ في موقف العاجز الذي لا يملك وسائل حقيقية لإيقاف هذا التلميذ - وأمثاله - عند حده.

● هل يمكن أن تكون هذه علاقة تلميذ بأستاذ؟ وهل يمكن أن يكون هذا تلميذًا؟

إن البلاد الأوروبية تمنح الأستاذ حقوقًا ضخمة، ويستطيع الأستاذ في أي مكان من العالم المتقدم أن يوقف أي تلميذ عند حدوده، متمتعًا في ذلك بنفوذ كبير!

ونحن لا نطمع في أن يعامل الأستاذ هنا معاملته هناك، ولكننا نطمع، إذا أردنا لبذرة الخير أن تنمو في هؤلاء التلاميذ، أن يعرفوا بأن هذا الأستاذ ليس أقل منهم، وليس إنسانًا عاديًا يستطيعون إخافته بأولياء أمورهم أو بالمخفر، بل نحن نطمع في أن يشعر هؤلاء التلاميذ بأن هذا الأستاذ في منزلة آبائهم، وكما أن آباءهم يستطيعون تربيتهم بالطرق المختلفة، فإن هذا الأستاذ كذلك يملك شيئًا من هذه الطرق.. هذه مجرد ملاحظة!

مطلوب.. مؤلف لهذا الكتاب

(المجانين)

هذا الرجل مجنون؟

هل «أندريه أمالريك» الرجل الذي تكنّ بسقوط الاتحاد السوفيتي - كنظام وإيديولوجية - قبل سنة 1984م - مجنون؟

أولاً: «أمالريك» كاتب.. عرض أفكارًا اعتمدت على التاريخ، وسواء أصاب في استنتاجاته أم أخطأ، فله أدلته التي يجب أن تناقش...

وثانيًا: «أمالريك» شاهد عيان، يتكلم من «الميدان» لا من بلد رأسمالي ولا من أي نظام خارج الاتحاد السوفيتي يخضع للدعاية المعادية، كما هي حجة الشيوعيين.

وثالثًا: «أمالريك» يعتمد على أرقام وعلى حقائق، وصحيح أن جزءًا كبيرًا من بحثه يعتمد على التحليل الذاتي والرؤيا الشخصية.. لكن مع ذلك، فإن رأيه الذاتي نفسه، ليس ضبطات عشوائية، بل هو أيضًا.. مستند على منهج علمي محدد.

ومع ذلك: ليس «أندريه أمالريك» مبالغًا في توقعاته، عندما حددها بتاريخ محدد (1984) فمن المحتمل أن يبقى الاتحاد السوفيتي بعد هذه المدة، لأنه منذ ظهرت استراتيجيته التي اتضحت معالمها منذ مؤتمر القمة (نيكسون - بريجنيف) قد قرر أن يتخلى عن استراتيجيته السابقة وعن أيديولوجيته، وبالتالي: فمن المحتمل أن يستفيد من مساعدات الدول الرأسمالية كأمريكا واليابان وألمانيا .. وفرنسا.. وربما إسرائيل! لكن مع رأينا هذا فإننا نرفض أن يكون «أمالريك» مجنونًا كما يقول السوفييت.

إن مشكلة الظاهرة التاريخية الشاذة المسماة بالشيوعية أنها لا تحاول الحوار.. لا تحاول أن تفهم.. لا تحاول إصلاح نفسها.. أو على الأقل الاعتراف بقصورها، وبأنها ساقطة من حركة التاريخ، إنها تدأب على المكابرة واستعمال الألفاظ السهلة، ورَمْي كل من يخالفها بشعار معين.. ليكون الرجعية أو العمالة أو الجنون.

والآن لنسأل: كم من مفكر أو زعيم اتهمته روسيا بالجنون؟ هذا موضوع جديد يحتاج إلى كتاب جديد!

الرابط المختصر :